بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

مقالات

تحليل البيانات: العملية الشاملة (سيناء 2018) الرسائل والمسارات

الوسوم

لم يكن أحداً ليتخيل أن هنالك وضع كارثي ومُدَمِّر، قد يحل بالمنطقة العربية والشرق أوسطية ويفوق في مآسيه إحتلال العراق 2003. حتي استقبلت المنطقة العقد الثانى من القرن الواحد والعشرين تحت وقع الإنكشافات الأمنية الحادة، والإنهيارات المركزية التراجيدية لأهم الدول العربية فى معادلات موازين القوى. فضلاً عن انتهاء احتكارها للقوة الإكراهية، نتيجة انفراط عقد ما يُسمي “بالربيع العربي”، وتحوله لمفرزة انتشار مكثف للفواعل العنيفة من غير الدول، من الميليشيات الطائفية والمناطقية، وصولاً للجماعات الإرهابية الأشد فتكاً من غيرها، في ثوبها الجديد العابر للحدود، وتطورها العسكرى الأكثر خطورة كونها تمثل موجة المد الرابع لظاهرة الإرهاب منذ تأسيس تنظيم القاعدة في ثمانينات القرن المنصرم.

دفعت ديناميات الانكشاف الأمني بالمنطقة 2011، إلى زيادة عدد الفواعل العنيفة من غير الدول من الميليشيات والجماعات المسلحة والإرهابية، إلى حدِ فائق. فمثالاً وصل عدد الجماعات المسلحة النشطة بالميدان السوري فقط؛ قرابة الألف جماعة، تتفاعل فيما بينهما بتحالفات متضادة، كلُ حسب توجهاته الآيديولوجية، ومسارات دعمه مالياً وعسكرياً. وتعمل ضمن إطار محلي وإقليمي ودولى، مما جعل الميدان الممتد بعرض الجغرافيا السورية والعراقية؛ أعقد ميادين الصراع في تاريخ الإنسان.

وعليه، فإن حالات التدخل العسكري الخارجي بالمنطقة تزايدت علي نحو ملحوظ، وهو ما ظهر جلياً في تشكيل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش في اغسطس 2014، بعد استحواذه علي مساحة جغرافية تعادل مساحة بريطانيا. وتباعاً حلّ الروسي بمعادلة الصراع وبناءا علي طلب من الجمهورية العربية السورية بعد عام وشهر من التدخل المباشر من الولايات المتحدة، وحلفائها بالمنطقة الممتدة من العراق لسوريا، ومناطق أخري متفرقة في اليمن وليبيا والصومال.

لم تكن القاهرة ببعيدة عما سبق، فكانت هي الأخري تكافح تداعيات تصاعد موجة المد الإرهابي بالمنطقة ونشاطه المكثف بصحراء سيناء، وتحديداً منذ العام 2012، الذي شهد نقطة التحول الكبري في مسار الجماعات الجهادية وتكتيكاتها العسكرية وانطلاقها من حالة “الكمون”، إلي “النشاط” بقوة علي الساحة واستهدافها خطوط (الغاز) المصرية آنذاك.

وبالرغم من نجاة القاهرة من سيناريوهات الانكشاف الأمني، والتدمير الذاتي (self destruction) الممنهج الذي طال المجتمعات العربية المنكوبة، إلا أن نشاط الإرهاب فيها ظل محتفظاً بمكانة لا يمكن إغفالها في التفاعلات الدولية والإقليمية. إذ شهد الإرهاب نقلته النوعية الثانية بعد 30 يونيو 2013، وما هو إلا عام ونصف حتي بايع تنظيم بيت المقدس في سيناء تنظيم داعش في نوفمبر 2014، في الوقت الذي صاغت فيه مؤسسة الرئاسة استراتيجية محددة لمواجهة تحديات “الأمن الطاقوي” في شرق المتوسط. وتشكيل حلف مع كُلِ من قبرص واليونان. لوضع تصور للاستفادة من احتياطات الغاز المأهولة الواقعة بنطاق المياة الاقتصادية الخالصة للثلاثي الأخير. يُلاحظ في الحالة المصرية ارتباط صعود النشاط الإرهابي بمسارات الاستفادة من مصادر الطاقة الحيوية “الغاز الطبيعي”.

وعلي وقع فشل الهجوم الكبير الذي شنه إرهابيو “ولاية سيناء” علي نقاط الجيش بـ الشيخ زويد ورفح في يوليو 2015، إثر تصدي الجيش المصري له ونجاحه في شلّ قدرة التنظيم علي العودة مرة ثانية وتنفيذ هجمات نوعية بموجات بشرية كبيرة. اعتمدت القيادة العسكرية المصرية تكتيكات عملياتية حذرة لتقطيع أوصال الإرهاب هناك، بين رؤوس مثلث الموت (رفح – العريش – الشيخ زويد) فجاءت عمليات حق الشهيد بمراحلها الأربعة، لتمهد لليوم الحالي وما شهده من إعلان البيان رقم (1) وما تلى ذلك من بيان رقم (2) لعملية شاملة للقوات المسلحة (سيناء 2018). بتجهيزات عسكرية لم تشهدها سيناء منذ أن دخلت البروتوكلات الأمنية لكامب ديفيد حيز التنفيذ 1979.

يسعي ذلك التقرير، إلي الوقوف علي ماهية العملية الشاملة (سيناء 2018) وتحليل بيانات الإعلان عنها وما تضمنته من رسائل، وتقدير حجم القوة العسكرية المشاركة فيها طبقاً للمواد المرئية التي نشرها المتحدث العسكري وشملت قطع سلاح ثقيلة، وذخائر تنبئ بإستثنائية هذه العملية دون غيرها. ومن ثم استنباط مستقبلها في ضوء المعطيات الاقليمية والدولية الراهنة.

أولا: مصر والحرب اللا متماثلة

 

قبل التطرق لماهية العملية (سيناء 2018)، يجب أولاً الوقوف علي حقيقة الحرب التى تخوضها مصر منذ خمس سنوات، لتقديم العملية العسكرية الجارية الآن في إطارها المفاهيمي الصحيح.

نتيجة للتطور التكنولوجي الهائل، وتأثيره المباشر في تعاظم محصلات القوة الشاملة لدول العالم، وترسانتها الدفاعية، أصبحت تكلفة المواجهة العسكرية المباشرة للدول وبعضها البعض باهظة الثمن، وقد تفضي إلي إبادة أحدها الأخري. وعليه طور المخططون العسكريون نوعاً هجيناً من الحروب يُنَفذ بالوكالة لتفادي التكلفة الباهظة للمواجهة المباشرة وتحقيق مكاسب في الميزان الاستراتيجي لمعادلات القوى بما يوائم مصالح وأهداف قوى بعينها عن الأخري. فكانت حروب الجيل الرابع.

يقوم الجيل الرابع من الحروب ببناء مساحات واسعة من الالتباسات المفاهيمية والثقافية، والمؤكد أن حروب الجيل الرابع هي أكبر نقلة نوعية في تاريخ التخطيط العسكري منذ معاهدة وستفاليا عام 1648، لأن هذا الجيل الجديد من الحروب ينهي نسبياً احتكار الدولة القومية لشن الحروب، حيث باتت التنظيمات والميلشيات والجماعات تشن حروباً ضد دول، ولم تعد الحرب تندلع بين جيوش نظامية لدول فقط. وكان المقصود من هذه الحروب الحالة التي تفقد فيها الدولة احتكارها للقوة الإكراهية، والعودة إلى نماذج صراع كانت سائدة قبل الدولة المعاصرة نتيجة للتدمير والتفكك الذاتي (self destruction). تتعدد أشكال وأنماط حروب الجيل الرابع، ليدخل فيها الجانب السيبيري والمعلوماتي والنفسي والسياسي الاجتماعي والاقتصادي، إذ بات الأمر لا يقتصر فقط علي وقائع الميدان. فالفاعل الرئيسي في هذه الحروب ليس الدولة، بل التنظيمات والجماعات والأفراد، وهو ما يمثل الوجه العسكري للنظام العالمي الجديد في مظهره السياسي والثقافي القائم على الفرد وما يعرف بالفرد المعولم بدلاً من الدولة القومية، وهي فكرة فلسفية كان من الصعب فهمها من قبل كثيرين في بدايات ظهورها، ولكنها وجدت طريقها إلى ميادين الحياة الواقعية، وبات العنصر الفردي يحرك الكثير من الأحداث فعلياً في مناطق شتى من العالم عبر توظيف منظمات المجتمع المدني والضغوط الدولية والجمعيات الأهلية ومؤسسات النظام العالمي الجديد، التي ربطت نفسها عضوياً بمجالات إنسانية مثل حقوق الإنسان والحريات العامة وغير ذلك من مفاهيم وفرت بدورها مساحات شاسعة للأفراد كي يمثلوا عنصراً فاعلاً جديداً في حياة الدول وتحديد مصير العالم خلال القرن الحادي والعشرين.

ومن هنا يصبح مفهوم حروب الجيل الرابع شاملاً وجامعاً لكثير من المفاهيم المرتبطة به عضوياً كحرب المعلومات والاغتيال الاقتصادي للدول. فما علاقة “الحرب اللامتماثلة” بحروب الجيل الرابع؟

إن علاقة الحرب اللامتماثلة بحروب الجيل الرابع، علاقة عضوية كباقي ركائز وفروع تلك الحرب، لكن هنالك إشكالية تظهر دائماً دون معالجة حقيقية، الا وهي أن الحرب اللامتماثلة يتم اختزالها كلياً في حرب الجيل الرابع، بمعني، تصبح حروب الجيل الرابع حربا لا متماثلة، وهكذا العكس. وهو أمر خاطئ تماماً فالحروب اللامتماثلة هي الشق الميداني لحروب الجيل الرابع، هي فرع متأصل فيها. حيث هنا وفي الميدان يصبح كل شئ لا متماثل، بمقارنة السلاح الذي تمتلكه الدولة وقواتها المسلحة والتنظيمات الارهابية الاخري. بعكس مثلا الحرب السيبرانية التي من الممكن أن تتماثل فيها قدرات الدولة مع التنظيمات المسلحة وقد تفوق الأخيرة الأولي إحترافاً وتنظيماً.

في الحروب التقليدية عادة ما يكون الهدف الأساسي لطرفي الحرب هو الحسم العسكري عبر تدمير العدو وضرب مراكز قوته العسكرية والاقتصادية وإجباره على تبني مواقف كان يرفضها قبل الحرب، بيد أن تحقيق مثل هذا الهدف في الحروب اللامتماثلة يبدو مهمة صعبة للغاية؛ فالطرف الضعيف من جهته لا يستطيع تحقيق النصر العسكري لافتقاده لعوامل القوة المادية التي تؤهله لفعل ذلك، ومن ثم يصبح هدفه الأساس هو الضغط علي الدولة الوطنية ومحاولة إفشالها لإرغامها علي تبني مواقف خصومها وأعدائها، وتحجيم أي دور فعال لها قد يُفضي لمواجهة مخططات وطموحات مشتركة لقوي إقليمية ودولية.

وقياسياً بالسابق، نستطيع أن نري ماهية الحرب التي تواجهها مصر، فهي إن كانت لا تختلف كثيرا عما تواجهه العراق وسوريا، لكنها تعمل ضمن ديناميات مغايرة نسبياً نظراً لطبيعة وادي النيل الديموغرافية وعوامل أخري خاصة بالعقيدة القتالية للجيش المصري. لكن المحصلة تبقي أن القوات المسلحة المصرية والأمنية تواجه نمطاً مغايراً من الحروب، يعتمد علي أساليب جديدة تُطبق لأول مرة في المنطقة والعالم، نظرا لتأثر تلك الجماعات الارهابية بمنظومة العولمة الثقافية وادواتها واختلاف ذلك عما تم تطبيقه في معارك الحرب العالمية الثانية إبان حصار سالتينغراد وتباعا في فيتنام مثلاً.

وفي التالي، حلقة لنا عن الحرب اللامتماثلة في ضوء هجوم مسجد الروضة

ثانياً: كيف تواجه مصر الحرب اللامتماثلة؟

1- قوات التدخل السريع:

الاستعداد المصري ميدانيا للحرب اللامتماثلة استبق التحول الاستراتيجي لموجة الارهاب العابر للحدود بالمنطقة، وتحديداً قبل إعلان تنظيم داعش الارهابي إقامة الخلافة المزعومة بالعراق والشام.

حيث سارعت القوات المسلحة المصرية بالإعلان عن تشكيل قوات التدخل السريع في مارس من العام 2014، أي قبل أعلان تنظيم داعش الارهابي لخلافته المزعومة بنحو ثلاثة أشهر. وحضر أول اصطفاف لها وزير الدفاع آنذاك المشير عبدالفتاح السيسي والفريق أول صدقى صحبي وزير الدفاع حاليا، ورئيس أركان الجيش المصري وقتها.

وكان تأسيس قوات للتدخل السريع في القوات المسلحة المصرية آخر ما شارك فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال عمله بالقوات المسلحة، حيث أنهى خدمته الطويلة بالجيش المصري عقب تأسيس هذه القوات بيومين اثنين فقط، وأعلن وقتها من المنطقة المركزية العسكرية، الموكل إليها تبعية قوات التدخل السريع أن هذه الوحدات مجهزة للدفاع عن مصر في أى مكان، سواء في الداخل أو الخارج.

2- تشكيل وحدة مكافحة الإرهاب 888:

وحدة مكافحة الإرهاب هي وحدة نخبوية صغيرة الحجم وهي عالية التسليح والتجهيز والتدريب تُنفذ مهام مكافحة الارهاب من خلال الإغارة على مقرات ومراكز القيادة ومنابع الارهاب نفسها للقضاء عليها ثم الانسحاب فورا ولا تدخل في مواجهات او معارك مُطوّلة كقوات التدخل السريع التي تُعادل جيشا صغيرا في حجمها ولها اختصاصات اوسع نطاقاً.

3- مناورات حماة الصداقة:

في الرابع من سبتمبر العام الماضي، غادر وزير الدفاع المصري الفريق أول صدقي صبحي، إلي جمهورية روسيا الإتحادية، برفقة اللواء محمد العصار وزير الانتاج الحربي ونخبة من العسكريين المصريين في زيارة هامة استغرقت عدة أيام، شهدت الزيارة عقد الاجتماع الثالث للجنة العسكرية المصرية الروسية المشتركة، في ضوء التعاون الإستراتيجي المصري الروسي، و التي بُحِثَ فيها عدد من الملفات و الموضوعات المتعلقة بالبلدين علي الصعيد الأمني و العسكري الإستراتيجي، أثمرت زيارة الوفد المصري عن الاتفاق بين الجانبين علي عدة ركائز للتطوير التقني و التسليحي. أما في الشق العملياتي للجيش المصري، فكان محورها الاتفاق علي اجراء تدريبات عسكرية مشتركة، تحددت أشكالها وأنماطها حين أعلن البلدين انطلاق مناورات “حماة الصداقة” بين قوات المظلات المصرية و الروسية بالمنطقة الشمالية العسكرية، و التي استمرت من الفترة 15 لـ 26 من شهر اكتوبر من العام الماضي.

إذ تحركت وحدات قوات المظلات الروسية المشاركة في المناورة، يوم السبت 15 اكتوبر، من قاعدة ” ديجيليفو” غرب روسيا، في طريقها إلي مصر و معها كامل عتادها التسليحي علي متن طائرات الشحن و النقل العسكري الاستراتيجي ” إليوشن 76″، لتبدأ بذلك أولي مراحل المناورة بمشاركة أكثر من 700 فرد مقاتل من كلا الجانبين، و 20 مُعدّة متوسطة و ثقيلة يتم إسقاطها و إنزالها خلال 60 طلعة جوية، بمشاركة أكثر من 30 طائرة. لتشهد بذلك مصر و إفريقيا أول انزال جوي للقوات الجوية الفضائية الروسية بهذا الكم و الكيف، وسط حضور مراقبيين عسكريين لأكثر من 30 دولة عربية و أجنبية.

شهدت مناورات حماة الصداقة ميلاد جديد للقوة المصرية المحمولة جواً، وأكسبتها القدرة علي تنفيذ عمليات الإسقاط الحر للمدرعات المتوسطة، بعدما كان يقتصر الأمر علي إنزال عربات الجيب. وهو التطور الأهم، الذي جعل قوام القوات المصرية المحمولة جوا ثقيلاً وقادر علي التوجه بعتاد كبير لبيئات شديدة العدائية، كما أفضي ذلك التطور إطاراً تكميليلاً لعمل قوات التدخل السريع المصرية، إذ أصبح لها بعد مناورات حماة الصداقة دعماً جوياً مغايرا سيختزل العامل الجغرافي وسيعزز بالتتابع من مرونة حركة هذه القوات إذا ما نظرنا لبعض خصائص القوات المحمولة جوا:

المفاجأة : تتمكن القوة المحمولة جواً من الإنتشار تكتيكياً و استراتيجياً في الجغرافيا البعيدة الشاسعة خارج نطاق الحدود الدولية، في فترة زمنية قصيرة، تمثل تلك القوات عامل الردع، او قوة قتالية ضاربة.

• المرونة: تستجيب القوة المحمولة جواً لأي طارئ بسرعة فيما يخص تجمعات العدو و موقف قواته التكتيكي، وذلك بمختلف الظروف المناخية، إذ تستطيع طائرات النقل العسكري الثقيل و غيرها من الطرازات الاخري اسقاط القوة مظلياً او إنزالها إرضياً لمهام الإستيلاء علي الهدف و التموضع حوله او الالتقاء مع القوات الصديقة.

من النقاط الثلاث السابقة، يتضح أن القيادة العسكرية المصرية قد وضعت الإطار الهيكلي للقوات المصرية المعنية بخوض تكتيكات الحرب اللامتماثلة والمدربة عليها تدريباً جيداً، تمهيداً لمرحلة ما، يحل فيها الحسم مطلوباً. فما بين قوات للتدخل السريع ومكافحة إرهاب، وقوة محمولة جواً، حقق الجيش المصري خفة الحركة وسهولة المرونة أمام التهديدات العدائية التي تستغل ثقل حركة الجيوش النظامية ومن ثم توجه ضرباتها المتتالية تباعاً.

ثالثاً: العملية الشاملة (سيناء 2018)

في صباح يوم الجمعة، 9 فبراير 2018، إذاع المتحدث العسكري باسم القوات المسلحة المصرية، بيان رقم (1) وجاء في صياغته الإعلان تتفيذ خطة (مجابهة) شاملة للعناصر الإرهابية بسيناء ووسط سيناء ومناطق بدلتا مصر والظهير الصحراوي الغربي. عملاً بالتكليف الصادر من رئيس الجمهورية في نوفمبر الماضي، لرئيس أركان الجيش المصري بإنهاء مسألة الإرهاب بسيناء في ظرف ثلاثة أشهر . يُلاحظ تزامن التكليف الصادر مع انعقاد القمة الخامسة لمصر وقبرص واليونان واقتراب حقل ظهر آنذاك من بدء باكورة انتاجه من الغاز الطبيعي.

لكن البيان رقم (2)، حمل الكثير بين سطوره، ومحتواه المرئي، فسطوره أكدت اشتراك الأفرع الميدانية الرئيسية في العملية الشاملة، كما يبرز الدور المنورط بالقوات البحرية في تأمين السواحل وقطع أي خطوط إمداد للعناصر الإرهابية. ومن جهة أخري حمل البيان رسالة ضمنية، حلّ فيها “الغاز” مرة أخري ولكن بصورة أوضح. حين افرد المتحدث العسكري في بيانه المرئي مساحة لا تتجاوز الدقيقة لبعض لنشات البحرية وهي تقوم بتأمين حقول الغاز المصرية، في إشارة ضمنية لتركيا التي تطرقت مؤخراً لما يدور بين مصر وقبرص واليونان واتفاقيات ترسيم الحدود البحرية.

كم أظهر البيان رقم (2)، الإعلان عن مشاركة طائرة القيادة وإدارة المعارك والاستطلاع والإنذار المبكر (E2C Hawkeye-2000). فهي أداة رئيسية لتحقيق ما يُعرف بـ (network-centric warfare) والتي تدحض بدورها التقارير الصحافية التي تحدثت عن قيام تل أبيب بتنفيذ غارات عديدة في سيناء بموافقة القاهرة.

إذ تعد قدرة الاشتباك والاتصال المشترك ركناً رئيساً في معركة الأسلحة المشتركة، ومن يملك تلك القدرة لن يحتاج بالطبع لأي دعم جوي آخر.

وبصورة عامة يمكن صياغة الرسائل كالاتي:

1- القوات المسلحة المصرية والأمنية هي وحدها المنوط تنفيذ المهام القتالية داخل سيناء ولا صحة لما رُوِج بالتقارير الصحافية الاسرائيلية والغربية من تنفيذ تل أبيب لغارات في سيناء بموافقة مصرية.

2- خطط القضاء علي الإرهاب في سيناء ترتبط ارتباطاً مباشراً بتأمين المصالح الاقتصادية المصرية بشرق المتوسط.

3- مصطلح القوة الغاشمة قد تم تطبيقه من صباح الجمعة، ويتضح ذلك من المواد المرئية التي بثها المتحدث العسكري، إذ كانت تحوي علي العديد من مقاتلات المتعددة المهام بذخائر جديدة علي المسرح السيناوي منها قنابل الأغراض العامة فئة (MK)، وصواريخ الاشتباك الجوي قصير المدي (AIM-9L/M Sidewinder). وكذا القنابل العنقودية الفتاكة فئة (CBU-87/B). والتي تناسب مهام قصف التجمعات الارهابية من افراد وعربات دفع رباعي. وكذا كم كبير من عربات “البانثيرا” و “الهامفي” والآليات المدرعة.

4- الجيش المصري يقوم بمواجهة الإرهاب العابر للحدود، دون سياسة الأحلاف، وبجهد وعرق ودماء مصرية خالصة. مقارنة بالنسق التركي لمواجهة التهديدات المزعومة بالاعتماد أولاً وقبل أي شئ علي الميليشيات الإرهابية وحروب الوكالة.

5- التكتيكات المصرية لمواجهة الارهاب العابر للحدود، تعي دورس الميادين السورية والعراقية جيداً، وتحافظ علي ألا تتحول مدن ساحل سيناء لنماذج دمشق وحلب وحمص والموصل. وأية دعم نوعي للعناصر الإرهابية لن يدفع القوات المسلحة لخوض الحرب بشروط رعاة الإرهاب.

المسارات

يشير اسم العملية الحالية (سيناء 2018)، إلي إحتمالية أن يكون هذا العام لدي القيادة العامة للقوات المسلحة هو عام إنهاء النشاط الإرهابي الرئيس في سيناء، أو بالأحري شلّ قدرته علي استنزاف المجهود العسكري والاقتصادي للدولة المصرية، وتقليم أظافره، وتحييد وجوده ودوره، للوقوف أمام عتبة تحديات أخري أمام البلاد المصرية ومنها تحديات الأمن الطاقوي لشرق المتوسط.

وعليه فإن المسارات المستقبلية لعملية (سيناء2018) يمكن استنباط خطوطها الأولية من البيان الأول والثاني الصادر اليوم، الجمعة؛

1- تحييد الدور الوظيفي للإرهاب في سيناء وفك الارتباط بين تحركات مصر علي صعيد الأمن الطاقوي وبين نشاطه التدميري.

2- العمل علي تطوير البنية التحتية العسكرية بشمال سيناء لاستيعاب التعاظم الكمي والكيفي للقوات العاملة هناك بما يتلائم مع تنوع مسارح المواجهة. وهو ما ظهر في خطط تطوير مطار العريش وحرمه الآمن.

وعلي المستوي الاستراتيجي؛ حالت القوات المسلحة والأمنية المصرية دون أن يتحول الإرهاب لأداة تعيق بالفعل خطط التنمية الشاملة، بشقيها المدني والدفاعي. لكن الإرهاب تحول في مستوياته الدنيا، إلي أداة لاستنزاف الجهود الاقتصادية بالمقام الأول، إذ تتكلف مصر سنويا جراء الارهاب حوالي 1.2 مليار دولار بحسب مؤشر السلام العالمي. ليبقَ السؤال مفتوحاً، إلي أي مدي ستذهب عملية (سيناء 2018) لخفض هذه النسبة، وتخفيف الاعباء الاقتصادية جراء ذلك الارهاب الأسود، وإلى أي موضع ستضع مصر بمكانة أفضل أمام سياقات التنافس الإقليمي، واحتمالات النزاع علي الطاقة في شرق المتوسط؟

سباق تسلح خفى .. كيف تمثل غواصات «التايب المصرية» نقلة نوعية أمام الغواصات الإسرائيلية؟

الأسطول المصري الجنوبي ..خطوة نحو الردع أم النفوذ؟

إغلاق