مقالات

ماذا لو لم ينتقل سكان الريف إلى المدينة؟

الوسوم

بين الحين والحين، يخرج علينا بعض المسؤولين بتصريحات غير مسئولة تزدري وتحتقر مجموعة أو فئة ما من السكان، ليس أولها ولا آخرها تصريحات وزير التنمية المحلية الجديد، بينما تدور سجالات كبرى بين الأنثروبولوجيين ودعاة الأنثروبولوجيا حول ترييف المدن أو تمدين الريف، وكلا المصطلحين يستبطن نظرة استعلائية من كل طرف تجاه الآخر، وظاهرة الصور النمطية تلك التي تحكم علاقات المجموعات المصرية المختلفة تجاه بعضها البعض عبر مستويات إدارية عدة قد تكون ارتبطت بتطور الدولة ذاتها وليست تكوينات طبيعية في معظمها، هي ظاهرة معيقة لأية محاولة جادة لفهم طبيعة مجتمعاتنا وتفاعلاتها مع بعضها البعض.

فرغم ما قد يبدو من فروق طفيفة بين القري وبعضها البعض وبينها وبين توابعها وبينها وبين المدن التي هي في تبعية لها وبين تلك المدن والأحياء أو المحافظات وعواصمها، وبين هذه المدن وبين العاصمة القاهرة التي لها من اسمها النصيب الأكبر حيث تمارس قهرا ماديا ومعنويا على كل تلك المستويات، فإنه عند تجميع هذه الفروق سواء في مستوى الخدمات العامة أو مستوى العادات والتقاليد واللهجات والممارسات المجتمعية وطبيعة الفعل الاجتماعي والسياسي نجد اختلافا فجا بين المستويات والوحدات الإدارية المتباعدة، فإذا ما افترضنا خطا مستقيما بين القاهرة ونجع ما في شبه الدولة المصرية فإننا سنجد فجوة زمنية لم تجبها محاولات الانتقال من نمط ما قبل الدولة لنمط شبه الدولة الحالي الذي كان يفترض به أن يكون سعيا لدولة مدنية حديثة بدأت محاولات تأسيسها منذ أكثر من مائتي وعشرة أعوام في عهد قديس أنصار نظرية الدولة المدنية الحديثة في مصر محمد علي.

وإذا كان الحديث عن تدهور الخدمات العامة في القاهرة ومدن الأقاليم المختلفة، وتزايد نبرة تحميل المهاجرين محليا مسؤولية هذا التدهور فهذا افتراض يمكن دحضه بسهولة شديدة إذ أن أغلب هذه الخدمات لا تزال غير موجودة بالأقاليم، كما ترتبط أعمال البنية التحتية للمدينة تحديدا بهذه الهجرات فشركات المقاولات الرئيسية في هذا البلد كادرها الأساسي وبالذات من فئة العمال والصنايعيةالقادمون من الريف وفي الغالب الأعم يعملون بنظام المدة ويتحملون مخاطر ومشاق غير عادية مقابل أجور غير عادلة بالمرة، إذ لا تتجاوز يومية العامل في أغلب هذه الشركات 60-80 جنيه مصري، وبلا تأمينات صحية أو اجتماعية ولا أوراق تثبت عمل الشخص بها ولا يقوى على هذه الأعمال وهذه الأوضاع ولا يقبل بها سوى مهاجري الصعيد وهناك قناعة كاملة لدى الشركات بهذا الوضع، إذ يحقق لها أرباحا لا يمكنها تحقيق نصفها لو التزمت بوجودها في دولة يحترم فيها البشر والقانون.

كما أن جزءا هاما من عملية بناء المدينة ذاتها مرتبط بهجرة أصحاب رؤوس الأموال وكبار المزارعين الذين أضرتهم سياسات الدولة المركزية بتحويل النمط الاقتصادي السائد صوب سياسات جوهرها “العقار أفضل استثمار”، فتخلي تلك الحكومات المتعاقبة على حكم الدولة عن دعم الزراعة وافتراضها أنها سبب رئيس في مشكلة المياه وتخلف الاقتصاد أو تأخره وتوجهها نحو الخدمات التي تتركز بطبيعتها في مدن وخدمات لوجستية مرتبطة عادة بخدمات الشحن والتفريغ والموانئ التي هي نتاج الطبيعة الجغرافية التي لا يمكن للمرء التحكم فيها بعيدة عن مناطق التركز الطبيعية والتاريخية الرئيسية للسكان، بحيث أصبحت القلة المسيطرة على الاقتصاد تقوم برسمه وفقا لما يحقق أرباحها وليس وفقا لاحتياجات البشر وتركزهم، فلم يجد الكثير من هؤلاء الملاك في الريف مفر من بيع أجزاء من ملكياتهم سعيا وراء النمط السريع للكسب الذي روجت له الحكومات المتعاقبة، فتحولوا لبناء وتجارة وتداول العقارات في بلد المضاربات، وهو الفعل ذاته الذي تسميه حكوماتنا المبجلة التطوير العقاري عندما تقوم به هي أو أحد أعضاء شبكة المصالح المسيطرة الكبار بينما تسميه نموا عشوائيا عندما ينتج عن الحركة العشوائية للبشر الناجمة عن سياسات وقناعات تلك الحكومات.

أيضا فالهجرة المحلية وخارج حدود الدولة هي ظاهرة عالمية ربما أعادت الرأسمالية العالمية إنتاجها بفجاجة إذ يتحرك البشر وفقا لحركة رؤوس الأموال التي أصبحت أكثر قوة من حركات ومحاولات التخطيط والتنظيم والضبط التي تقوم بها الدولة للمجتمع بل أصبحت الدولة أداة من أدوات رأس المال هذا لزيادة تراكمه سواء بسياسات أو بفساد وشبكات مصالح لا يمكن فهم تحركات البشر في دولة مثل مصر دون إدراك أبعاد هذه الشبكة وتفاعلاتها مع الدولة والمجتمع.

لكن الفارق بين مصر والبلدان التي تشهد ظاهرة هجرة داخلية مكثفة هي أن هناك حكومات تفهم مسئولياتها وتعي معني السلطة وتملك خططا للتعامل مع تحركات المجتمع وتستطيع تنظيمها وتوجيهها دون مزيد من ضجيج أو عويل، حكومات تعي أن من مهامها ضمان حرية الانتقال والحق في العمل وتسعي لتوفير وسائل انتقالات عامة آدمية وسريعة وآمنة لتستوعب تحركات هؤلاء البشر بل وتسعي لتوسيع خياراتهم في تحديد أية وسائل انتقال سيختارون وبأية كلفة لا حكومات ترفع أسعار الخدمات العامة باستمرار بينما تستمر معاناة مواطنيها من تدهور الخدمة، فيكفي حكوماتنا المبجلة أن تشير إلى مشهد رصيف 11 الذي تقوم منه معظم قطارات الوجه القبلي الذي لا يحلم مستقلي قطاراته بسلم كهربائي –كنظيره الذي ينقل رواد كافيهات بهو محطة مصر-ينقلهم ومتعلقاتهمللمسافة الشاقة بين مدخل المحطة والرصيف بل يحلمون فقط بمقعد بلاستيكي أزعم أنه سبب أمراضا لمعظم المترددين عليه باستمرار، ويحلم رواده في الأعياد بموطئ قدم يقفون فيه لمسافات قد تصل ل1000كم ولوقت قد يصل إلى 18 ساعة، بينما تتحدث حكومات الدول عن قطارات كهربية بسرعات وصلت ل500كم ساعة.

ومع افتراض أن الدول وبالذات الدول المركزية يجب أن تحترم حقوق مواطنيها في التنقل واختيار الأعمال التي تناسبهم ومناطق إقامتهم، فلو أن هناك توزيعا عادلا للنفقات العامة على التعليم والصحة والسكن والبيئة، وكذلك تخطيطا لتوزيع الاستثمارات على المحافظات المختلفة وتقسيماتها الإدارية وفقا لاحتياجاتها الفعلية ووفقا لمستويات التفاوت بينها وليست سياسات تتخذ “بالوايم أو جهجهوني” كما هو الحادث لم يكن للعشوائية تلك أن تصبح قدرا ولا أن تستمر أبدا.

بل إن هناك علم لاقتصاديات النقل وقطاع كبير من الشركات العالمية يعمل في هذا القطاع ولولا تلك الهجرات لما وجد، وربما لم تحدث تلك المضاربات العقارية في التي طالت أقاصي الريف وزادت معدلات تضخم الأراضي العقارية والزراعية بشكل مبالغ فيه وبطريقة تنذر بكارثة اقتصادية لا يمكنني إدراك أبعادها، لا أدعى إدراكا للصورة الكلية هنا لكن محاولة التفكير المجرد مع القارئ قد تتيح لنا فهما أفضل لواقعنا ومشكلاته عسى أن نقرر أن لدينا مشكلات هيكلية وأن نفكر بطريقة أكثر إبداعا وجماعية لحلها بدلا من التصريحات الهوجاء.

وخلاصة القول هو أنه لولا حركة السكان وهجراتهم الداخلية والعابرة للحدود لما وجدت المدن والدول ولما تطورت ولربما كانت هذه المجتمعات طورت ذاتها كمجتمعات منفصلة أو طورت صيغا للتعايش أفضل من الصيغة العالقة لأشباه المدن وأشباه الدول التي لم تصل لدولة قانون ولم تخرج من دولة أعراف، أو لربما بقيت بالنقاء أو الصورة المتخيلة لدى القطاع الذي يمثله الوزير الذي لم تكن هناك حاجة لإيجاد منصبه لولا تلك الهجرات المحلية والتفاعلات الناجمة عنها والتي يفترض به وبالحكومة التي يمثلها وبالدولة أن تنظمها وتضبطها على نحو يوسع خيارات مواطنيها لا يلقي باللوم عليهم لتحركاتهم الطبيعية، التي كان يمكن لأية حكومة واعية ومدركة للتطورات والأولويات أن تنشئ خطوط قطار فائق السرعة ولو بسرعة 300كم/ساعة كان بإمكانه تفريغ المدن المزدحمة الرئيسية من سكانها الوافدين وغير المحبين للبقاء فيها والمساهمة في تخفيف الضغط على الخدمات العامة المتدهورة بينما اختارت حكومات سيده أن تنشئ قناة جديدة في ظل ركود عالمي.

تطور ملحوظ في استراتيجية الحكومة للتنمية السكنية والقضاء على العشوائيات

تقنين التعدي على المجتمع المدني

أثر تزايد الدور التنموي للجيش على الاستقرار السياسي في مصر

ظاهرة حصار المدن في الشرق الأوسط.. آليات الممارسة والنتائج

إعادة هيكلة الإعلام الرسمي.. ماسبيرو نموذجًا

النفوذ العسكري التركي في المنطقة العربية.. الدوافع و الأهداف

إغلاق