بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتقارير

إخفاق مستمر.. آليات التحرك السعودي الإقليمية ومؤشرات الفشل

الوسوم

كشفت الانتفاضات الشعبية التي ضربت المنطقة العربية مطلع عام 2011، عن الكثير من هشاشة وضعف بعض الأنظمة المؤثرة في المنطقة، إلى جانب استغلال الخارج لهذه الاضطرابات، من أجل تحقيق أهداف جيوسياسية وجيواقتصادية، كان من الصعب تنفيذ الكثير منها قبل 2011، وحاولت بعض الدول العربية تصدر المشهد، مستغلة فراغ القوى داخل المنطقة أحدثته الثورات والاضطرابات في الشرق الأوسط، أرادت هذه القوى محاولة تسيير الأمور لصالحها، وادعاء القدرة على حماية الأمن القومي، فإذ بها تساهم في زيادة انتكاساته وضعفه.

من بين هذه القوى، المملكة العربية السعودية، التي خشيت من امتداد موجة ثورات الربيع العربي إليها، أو إلى إحدى جيرانها ذات الامتداد الحيوي للمملكة، حاولت القوة الخليجية ومعها آخرين من دول مجلس التعاون في البداية احتواء الربيع العربي، لتتبع سياسات أفضت إلى الكثير من الأزمات، ظنا منها أنها مؤهلة لقيادة المنطقة العربية، والتعامل مع أزمات الشرق الأوسط، لتخلق المزيد من التعقيدات، وزيادة تدخل الدول الأجنبية في شؤون المنطقة، بما يضعها رهن التوافق والصراعات خارج المنطقة، وتحويلها إلى ساحة لتصفية النفوذ.

أولا- تحركات السعودية في المنطقة العربية:

حاولت السعودية تقديم نفسها كقوة إقليمية، مستغلة الفراغ الاستراتيجي الذي أصاب المنطقة العربية، إلا أنها  لا تمتلك مقومات القوة الإقليمية مجتمعة سواء هي أو غيرها في منطقة الشرق الأوسط، لأنها تتطلب مقومات اقتصادية وعسكرية وثقافية لا تمتلكها المملكة، بجانب شرط القبول الإقليمي لها وهو ما لا تقبل به قوى منافسة مثل إيران وتركيا ومصر ودولة الاحتلال الإسرائيلي، ورغم افتقاد المملكة لمقومات القوة الإقليمية إلا أنها حاولت تصدير نفسها في عدة دول، أبرزها:

اليمن:

أطلق ولي العهد السعودي وزير الدفاع محمد بن سلمان “عاصفة الحزم”، ظنا منه أنه قادر على حسم التعقيدات اليمنية، بآلته العسكرية، الغير محترفة، فلم تقدر المملكة على خوض أي حرب بمفردها، وحتى مع استعانتها بـ15 دولة في التحالف العربي بخلاف التعاون مع بريطانيا والولايات المتحدة، إلا أن الحرب أوشكت على إنهاء عامها الثالث دون تحقيق أهدافها، أو على الأقل الدفع نحو إطار تفاوضي، مما يدفع إلى استنزاف المملكة بشريا واقتصاديا وماليا.

ووفقا لتقرير سعودي صدر يوم 28 فبراير 2017، أكد مقتل وإصابة نحو 700 مدني من السعوديين والمقيمين، بينهم 80 قتيلا في جنوب المملكة خاصة، إلى جانب إطلاق أكثر من 40 ألف مقذوف عبر الحدود، منذ بداية الحرب في مارس 2015، فيما قالت تقديرات عن عام 2016، أن عدد الجنود السعوديين القتلى، داخل الأراضي اليمنية وعلى الحدود، يصل نحو 90 جنديا، وهذه أرقام ضعيفة مقارنة بحجم الخسائر التي تتعرض لها المملكة سواء في العتاد أو الجنود.

أما ماليا فقد استنزفت الحرب المملكة، حيث اضطرت إلى خفض دعمها لمواطنيها، وزيادة الضرائب سواء على المواطنين أو المقيمين، وحتى رفعت أسعار رسوم الحج، ومع كل ذلك لم يشفع لها في تغطية النفقات المتزايدة للحرب، ليعلن ولي العهد عن شن حملة مكافحة الفساد لاستعادة أموال من أمراء الأسرة الحاكمة ووزراء ورجال أعمال، قيل إنهم حصلوا عليها بدون وجه حق، وقد حصل بالفعل على حوالي 106 مليار دولار نتيجة التسوية مع هؤلاء المقبوض عليهم.

ويكشف إنفاق المملكة العسكري خاصة منذ تدخلها في اليمن على حجم الخسائر العسكرية، وعدم القدرة على حسم الحرب، فمع دخول الحرب عامها الرابع، خصصت السعودية 31.8% من موازنة عام 2018 للقطاعين العسكري والأمني، بقيمة 83 مليار دولار، حصل القطاع العسكري وحده على 21.5 % من الموازنة، بقيمة 210 مليار ريال (56 مليار دولار)، وفي تقرير صادر عن المعهد الدولي لأبحاث السلام “سيبيري” في أبريل 2015، قدر قيمة ميزانية التسلح السعودية لعام 2014، بـ 80.8 مليار دولار، كما كشفت الأرقام الرسمية المعلنة، أن الإنفاق على الدفاع وصل في عام 2017 إلى 191 مليار ريال (50.8 مليار دولار)، رغم أن الأرقام قد تكون أكبر من ذلك بكثير ما توضحه تقارير محايدة مثل “سيبري”، الذي كشف في تقرير عن عام 2017 أن السعودية ثاني أكبر مستورد للسلاح عالميا بعد الهند، خلال الفترة بين 2012- 2016، بزيادة تقدر بـ 212% مقارنة بالفترة بين 2007- 2011.

ورغم ما تكبدته المملكة من خسائر جراء حربها، إلا أنه لا يقارن بحجم الدمار الذي تسبب فيه الصراع الدائر هناك والمشاركة فيه المملكة بجانب حلفائها، حيث تفشت الأمراض والأوبئة، باليمن مثل الكوليرا الذي أصاب حوالي  مليون شخص وقتل 2000 آخرين، مع تعرض الشعب اليمني، لخطر المجاعة حيث يعاني 20 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي فيما يوجد حوالي 7 مليون فرد مهددون بالمجاعة.

وكشف تقرير صادر عن منظمة “هيومن رايتس ووتش” العالمية، عن أحداث عام 2016، عن مقتل 4125 مدنيا على الأقل، وإصابة 7207، أغلبهم في غارات التحالف الجوية، في الفترة من مارس 2015 إلى 10 أكتوبر2016، فيما أكد تقرير آخر صادر عن وزارة حقوق الإنسان اليمنية في مارس2017، مقتل 10 آلاف و811 شخصا، بخلاف إصابة 37 ألفا، و888 آخرين، خلال الفترة من يناير 2017 إلى يناير 2017، وبلغ عدد الإصابات بين المدنيين حوالي 27 ألف و77 جريح، بينهم 3875 امرأة، و3334 طفلا و19 ألف و868 رجلا، ونتيجة لما سببه الصراع الدائر الآن المتورط فيه كثيرون قدرت عملية إعادة إعمار اليمن بأكثر من 100 مليار دولار، لإصلاح ما أفسده هذا الصراع البائس.

سوريا:

دخلت المملكة على خط الأزمة في سوريا مبكرا، في محاولة منها لإخراج النفوذ الإيراني من سوريا ودعم وصول قوى سياسية موالية لها إلى السلطة، وفي سبيل تحقيق ذلك لم يقف الأمر عند المحاولات السياسية وعزل النظام السوري إقليميا ودوليا، بل وصل الأمر إلى التدخل عسكريا بدعم جماعات الإرهاب والمعارضة المسلحة أهمها “جيش الإسلام”، وتأييد التدخلات العسكرية الأجنبية في الشأن السوري، ما أثبت خطأه اليوم، بإقرار الجميع بضرورة الحل السياسي للأزمة، فسيطرة المعارضة اليوم على الأراضي السورية لا تتعدى 11.96%، فيما لا يملك داعش أكثر من جيوب متفرقة لم تبلغ مساحتها حتى نهاية يناير الماضي 8.5%، بينما استعادت الدولة السورية أكثر من 53.73% من الأراضي مجددا، بينما يسيطر الأكراد على حوالي 25%.

3- القضية الفلسطينية:

حاول ولي العهد السعودي، تقديم نفسه لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كطرف قادر على إنهاء القضية الفلسطينية، وحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلا أن الأمر أكبر من المملكة، فهي قوى فاعلة لا يمكن لها أن تقبل بحل الأمر على حسابها، وقادرة على إفشال أي اتفاق سعودي أمريكي، ما عرف بصفقة القرن بين ترامب وابن سلمان، التي كثرت الشائعات حولها إلا أن المسؤولين الفلسطينيين كشفوا عنها علانية، من بينهم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، الذي قال إنه تم عرض مدينة ابو ديس عاصمة للدولة الفلسطينية بدلا من القدس الشرقية، خاصة بعد اعتراف واشنطن بالقدس المحتلة عاصمة لدولة الكيان، ما يعني فعليا الاعتراف بسيطرتها الكاملة عليها، فيما قال آخرون انه سيتم إقامة وطن بديل للفلسطينيين الموجودين في قطاع غزة في سيناء المصرية كإحدى بنود الصفقة.

أما أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، صائب عريقات كشف تفاصيل صفقة القرن، في يناير الماضي، قائلا إنه تشمل الآتي:

خلال شهرين أو ثلاثة، سيتم إعلان موافقة إدارة ترامب على ضم الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس المحتلتين.

سيطرح رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو ضم 15% من الأراضي المحتلة عام 1967، ويقترح ترامب ضم 10%.

إدارة ترامب تريد أن تكون عاصمة فلسطين في ضواحي القدس “خارج إطار 6 كيلومترات مربعة” عام 1967.

إقامة دولة فلسطين منزوعة السلاح مع قوة شرطة قوية، وتعاونا أمنيا ثنائيا وإقليميا ودوليا، يشمل مشاركة الأردن ومصر وأمريكا.

وجود قوات إسرائيلية على طول نهر الأردن والجبال الوسطى من الضفة الغربية لحماية الدولتين، فيما تُبقي إسرائيل صلاحيات الأمن القصوى بيدها لحالات الطوارئ.

انسحاب القوات الإسرائيلية تدريجيا خارج المناطق (أ) و(ب) وفق تصنيف اتفاق أوسلو، مع إضافة أراض جديدة من المنطقة (ج)، وإعلان دولة فلسطينية على هذه الحدود.

اعتراف دول العالم بـدولة إسرائيل كوطن قومي للشعب اليهودي، وبدولة فلسطين كوطن قومي للشعب الفلسطيني.

اللاجئين سيتم إيجاد حل عادل لهم، لكنه ليس التعويض والعودة إلى ديارهم.

وتكشف هذه البنود عن الظلم الواضح للفلسطينيين، إلا أن الأمر المقلق هو وجود دول عربية داعمة لهذا الأمر، لكن دولا رئيسية لن تقبل بها مثل مصر، فلا يمكن تمرير الصفقة على حسابها، أيضا حركات المقاومة الفلسطينية وكذلك السلطة الفلسطينية أعلنوا رفضهم عن هذا التوجه، بما يضع تحركات ولي العهد السعودي في مأزق، فهو يريد كسب ود إدارة ترامب من أجل المساعدة في حرب اليمن أو على الأقل الصمت عما يجري هناك، والتعاون في مواجهة النفوذ الإيراني بالمنطقة.

4- أزمة قطر:

قادت السعودية تحركات خليجية عربية في ملف آخر، وهي محاولة عزل قطر وفرض عقوبات عليها، من أجل فرض سياسات معينة عليها، حيث أعلنت 4 دول عربية (السعودية والإمارات والبحرين ومصر)، في يونيو 2017، عن قطع علاقتها الدبلوماسية والاقتصادية مع الدوحة وفرض حظر بري وبحري وجوي عليها، في وضع أشبه بالحصار.

قدمت قائمة مطالب مكونة من 13 بندا، رفضت قطر تنفيذها معتبرة تدخلا في شأنها الداخلي وانتهاكا لسيادتها، أدرك النظام القطري أن الأمر لن يقف عن حد فرض العقوبات، وإنما قد يلحقه تحركات عسكرية استخباراتية من الرباعي العربي، للإطاحة بالنظام القطري.

لجأت السعودية إلى تحريك وقيادة التحركات العربية ضد دولة من دول مجلس التعاون الخليجي، الذي كان يعتبر من أقوى المنظمات العربية التكاملية وصل الحديث فيها عن  عملة موحدة وكيان عسكري موحد، لكن جاءت هذه الخطوة لتهدم في جدار مجلس التعاون والمنطقة العربية، وليس وضع لبنات جديدة للبناء، ضمت قائمة المطالب بنودا من الصعب القبول بها، أبرزها:

1- إعلان قطر رسمياً خفض التمثيل الدبلوماسي مع إيران وإغلاق البعثات الدبلوماسية الإيرانية في الدوحة، وقطع أي تعاون عسكري أو استخباراتي مشترك مع إيران.

2- إغلاق قطر على الفور للقاعدة العسكرية التركية التي يجري بناؤها حالياً، ووقف أي تعاون عسكري مع تركيا داخل الأراضي القطرية.

3- قطع قطر لكل علاقاتها مع “المنظمات الإرهابية والطائفية والإيديولوجية”، ولا سيما جماعة الإخوان المسلمين وتنظيم داعش والقاعدة وفتح الشام (المعروف سابقاً باسم جبهة النصرة) وحزب الله اللبناني.

4- وقف جميع وسائل التمويل للأفراد أو الجماعات أو المنظمات التي تم تصنيفها بأنها إرهابية من قبل السعودية والإمارات ومصر والبحرين والولايات المتحدة ودول أخرى.

5- تسليم “الشخصيات الإرهابية” والهاربين والأفراد المطلوبين من السعودية والإمارات ومصر والبحرين إلى بلدانهم الأصلية، وتجميد أصولهم وتقديم أي معلومات مطلوبة حول إقامتهم وتحركاتهم وأموالهم.

6- إغلاق شبكة الجزيرة والمحطات التابعة لها.

7- وقف التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان ذات السيادة، ووقف تجنيس المواطنين المطلوبين من السعودية والإمارات ومصر والبحرين.

8- دفع قطر تعويضات عن الخسائر في الأرواح والخسائر المالية الأخرى الناجمة عن سياسات قطر في السنوات الأخيرة.

9- تقديم قطر كافة التفاصيل الشخصية حول جميع أعضاء المعارضة الذين دعمتهم قطر وتفاصيل كل الدعم الذي قدمته قطر لهم في الماضي.

10- إغلاق قطر جميع المنصات الإخبارية التي تمولها، بشكل مباشر وغير مباشر.

11- الموافقة على جميع المطالب خلال 10 أيام من تقديمها إلى قطر، أو تصبح القائمة لاغية.

دفعت هذه الخطوة بقيادة السعودية الدوحة إلى التمادي أكثر وشعورها بالخوف من التربص السعودي بها، لتلجأ إلى تعزيز علاقتها أكثر مع إيران، وكذلك تركيا، فعلى الفور عقب الأزمة تم تفعيل الاتفاقيات العسكرية، وبدأت تركيا في نقل جنودها إلى الدوحة والمقدر وفقا للاتفاق بـ 5 آلاف جندي بخلاف العتاد الحربي، والوجود الاستخباراتي.

لم تكتف قطر بالاستعانة بالجيش التركي، وإنما أقامت شبكة تحالفات عسكرية، ستضع المنطقة رهن التوافق والإرادات الخارجية.

ففي يناير الماضي فقط، وقعت قطر 3 اتفاقات عسكرية وأمنية مع بريطانيا، وحلف شمال الأطلنطي “الناتو”، والولايات المتحدة الأمريكية، بالنسبة لاتفاقها مع الحلف، قالت قطر إنه مجرد اتفاقية للتعاون الأمني مع الحلف، سيتم من خلالها وضع قاعدة لحماية عملية تبادل المعلومات السرية، وهذ الاتفاق يمثل مصلحة للطرفين، فمن ناحية يبحث الحلف عن مصادر تمويل لنشاطاته ومن جانبها تريد قطر، خلق أكبر قدر من التحالفات خاصة العسكرية والأمنية، من أجل توجيه رسالة للرباعي العربي، بأنها لن تقف وحيدة.

أما فيما يخص تحالفها مع بريطانيا، نص الاتفاق على تأسيس أسطول عمليات مشترك، قيل إنه جاء لضمان الجاهزية القتالية للبلدين، بجانب التعاون في محاربة الإرهاب، والتعاون في إرساء الاستقرار في الإقليم وخارجه، ومساعدة قطر في حماية أجوائها خلال فعاليات بطولة كأس العالم 2022 التي تستضيفها الدوحة. أنهت قطر الشهر باتفاق حماية مع الولايات المتحدة نص على التزام واشنطن بالتصدي لأي تهديدات خارجية تتعرض لها الدوحة، مقابل صفقات سلاح وضخ المزيد من الاستثمارات في الاقتصاد الأمريكي.

ويتضح من تحركات قطر، فشل سياسة القادة السعوديين مجددا، فبدلا من الضغط على قطر للتخلي عن سياساتها التي لا تتوافق مع الرياض، لجأت إلى تفعيلها أكثر وعلانية، ما ينعكس سلبا ليس فقط على قطر ودول الخليج بل على استقرار المنطقة برمتها مستقبلا، وفرض المزيد من حالة العسكرة “militarizing” على إدارة العلاقات في المنطقة وفتح باب التدخلات الخارجية، فهذه الدول ستستغل الأخطاء السعودية والفراغات الاستراتيجية التي تحدثها من أجل سدها، فالأمر لن يعد خلافات عربية- عربية يمكن حلها، وإنما سيصبح أمرا دوليا، فمن يريد التفاهم مستقبلا مع قطر، عليه المرور أولا إلى حماتها.

ثانيا- أنماط وآليات التحرك السعودي:

اتبعت المملكة عدة أدوات في سياستها الخارجية من أجل تحقيق أهدافها الإقليمية، وتمثلت هذه الآليات في التالي:

1- التدخل العسكري المباشر:

لجأت السعودية إلى اتباع آلية التدخل عسكريا بشكل مباشر في بعض الأزمات، وهذا الأمر غير مرتبط بثورات الربيع العربي فقط، إنما سبق أن تدخلت بشكل كبير خلال حرب اليمن في ستينات القرن الماضي، حينما اندلعت ثورة ضد المملكة المتوكلية اليمنية شمال البلاد، في عام 1962، عقب دعم مصر  للجمهوريين، ونشبت حربا أهلية بين الداعمين للمملكة المتوكلية وبين المواليين للجمهورية، واستمرت الحرب حتى عام 1970، ورغم انسحاب مصر من اليمن وترك الجمهوريين بسبب حرب 1967، إلا أن الأمر انتهى بانتصار الجمهورين، ولتضيع جهود المملكة، ومعها الأردن وبريطانيا في دعم الملكيين.

أيضا تدخلت السعودية بشكل مباشر خلال حرب الكويت حينما غزا الرئيس العراقي السابق صدام حسين، في أغسطس 1990، حيث شاركت المملكة ضمن تحالف دولي لتحرير الكويت، ضم أكثر من 30 دولة، بقوات قاربت مليون عسكري، لينتهي الأمر بتحرير الكويت في فبراير 1991، وكانت المملكة تخشى من اجتياح القوات العراقية لها، لذا عملت على الحشد دوليا من أجل إنهاء الاحتلال العراقي للكويت، وقد نجحت في هذا الأمر، إلا أن ذلك دفع بسبب السياسات الخاطئة لصدام في عودة الوجود العسكري الغربي خاصة الأمريكي بكثافة في منطقة الخليج، ليساهم هذا الوجود بعد ذلك في إسقاط نظام صدام حسين عام 2003، إبان الغزو الأمريكي  للعراق.

عادت القوة العسكرية السعودية للظهور بقوة مجددا، لوقف الربيع العربي من دخول مجلس التعاون الخليجي، حينما شاركت إلى جانب باقي دول المجلس باستثناء سلطنة عمان، في إرسال قوات “درع الجزيرة” إلى مملكة البحرين، من أجل وقف الاضطرابات، التي كادت تعصف بالنظام الحاكم، ومن ثم يمتد الأمر إلى باقي دول المجلس، ولهذا تصدت بقوة إلى هذا الأمر، ونجحت حتى الآن في وأد هذه التحركات والمحافظة على استقرار النظام البحريني.

لم تكد تنتهي من أزمة البحرين، لتجد حدودها الجنوبية، معرضة للخطر، عقب محاولة إسقاط حكومة عبدربه منصور هادي، من قبل جماعة أنصار الله بالتعاون مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح، لم تعط للسياسة قدرا كبيرا لمعالجة الأمر، عقب وصول قوات “أنصار الله- صالح” إلى عدن، بعد الاستيلاء على صنعاء وغيرها، أطلق وزير الدفاع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، عاصفة الحزم، بطلب من حكومة هادي، محاولا حشد أكبر قدر ممكن من الدول الداعمة للحرب.

ورغم التكلفة الباهظة لحرب السعودية باليمن، التي قدرت بحوالي 700 مليار دولار، إلا أنها لم تنجح حتى الآن في تحقيق أهدافها، فالسعودية تنفق حوالي 230 مليون دولار شهريا على الضربات الجوية فقط، كما تراجع احتياطي النقد الأجنبي من 737 مليار دولار في 2014، إلى 487 مليار في يوليو 2017 بسبب انخفاض أسعار النفط إلى جانب العامل الأكبر وهو حرب اليمن.

2- حروب الوكالة:

شاركت المملكة في حرب بالوكالة من أجل تحقيق مصالحها، أو في إطار التعاون مع حلفائها، فسبق أن شاركت مع الولايات المتحدة في إفشال تدخل الاتحاد السوفيتي في أفغانستان عام 1997، عبر دعم حركة طالبان والجماعات المسلحة، ليس بالمال أو العتاد فقط وإنما السماح بسفر سعوديين لمناطق القتال، حيث كانت تتخوف من انتقال المد السوفيتي إليها، لينتهي الأمر بعد 10 سنوات بخروج السوفيت خاسرين من أفغانستان، لكن كان لهذا الأمر تداعيات سلبية على المملكة، حيث عاد مقاتليها من أفغانستان، بجانب عمل البعض منهم من الخارج، وشكلوا جماعات مسلحة ظنا منهم أنهم قادرون على إسقاط النظام، وأبرز هذه الجماعات تنظيم “القاعدة في جزيرة العرب”.

لم تعي المملكة درس دعم أفغانستان، لتدعم جماعات سورية معارضة، إلى جانب مشاركة سعوديين في مناطق القتال بسوريا، رغم تجريم الملكة لهذا الأمر، من أجل إسقاط النظام السوري بالقوة، ما لم يتحقق لها، لتخرج خالية الوفاض، وتتخلى عن نغمة إسقاط النظام القوة، وتقر بأهمية وأولوية الحل السياسي، الذي دعت إليه العديد من الدول العربية منذ بداية الأزمة خاصة مصر وسلطنة عمان والجزائر، والآن تميل الظروف الدولية والإقليمية إلى صالح الحل السياسي، وليس العسكري.

3- التمويل:

مثلت الوفرة المالية لدى المملكة، جراء ارتفاع أسعار النفط، دعما كبيرا لتحركات الرياض الخارجية، حيث استغلت هذا الأمر في خلق نفوذ لها داخل مناطق عدة، سواء داخل الدول العربية، أو القارة الأفريقية، إلى جانب استثمار معظم هذه الأموال لدى الغرب، فاستثماراتها في الولايات المتحدة فقط تتجاوز 700 مليار دولار، كما تحتل المركز الرابع عالميا في قائمة الدول المانحة للمساعدات الإنمائية، وسابع أكبر مانح للمساعدات الإنسانية، فخلال عام 2014، أظهر تقرير المساعدات الإنمائية الصادر عن الأمم المتحدة، أنه في عام 2014 بلغ إجمالي حجم المساعدات الإنمائية الرسمية السعودية 14.5 مليار دولار .

ووظفت السعودية الوفرة المالية لديها، بشكل سياسي كبير عقب اندلاع موجة الربيع العربي، فقد كشف تقرير لصندوق النقد الدولي في مايو 2015، أن المملكة رصدت مساعدات مالية مباشرة مقدمة للدول العربية بلغت 85 مليار ريال (22.7 مليار دولار) خلال الفترة من يناير 2011 إلى أبريل 2014، وتركز الجانب الأكبر من المساعدات إلى الدول التي شهدت اضطرابات من أجل المساعدة في احتوائها وعدم اتساع رقعتها.

وجاءت مصر في مقدمة الدول المتلقية للمساعدات المالية المباشرة، حيث بلغ إجمالي المساعدات المالية السعودية المرصودة لمصر 24.4 مليار ريال (6.5 مليار دولار) في الفترة من يناير 2011 إلى أبريل 2014، قال التقرير إن مصر استلمت منها 22.3 مليار ريال (5.9 مليارات دولار) حتى مايو 2015، فيما جاءت اليمن في المرتبة الثانية، حيث بلغ إجمالي المساعدات المالية السعودية المرصودة لليمن 14.3 مليار ريال (3.8 مليارات دولار) خلال الفترة من يناير 2011 إلى أبريل 2014، واستلمت اليمن منها 4.4 مليارات ريال (1.2 مليار دولار) فقط نتيجة الأحداث الدائرة في اليمن مؤخراً، وتمثل المساعدات المالية السعودية لليمن نحو 8.4% من إجمالي الناتج المحلي اليمني.

بينما تأتي المملكة الأردنية الهاشمية في المرتبة الثالثة، حيث بلغ إجمالي المساعدات المالية لها 11.2 مليار ريال (3مليارات دولار) خلال الفترة ذاتها، استلمت منها 7.2 مليارات ريال (1.9 مليار دولار) حتى مايو 2015، تلاها البحرين في المرتبة الرابعة، حيث رصدت المملكة لها 10.7 مليارات ريال (2.8 مليار دولار) خلال الفترة ذاتها أيضا ضمت القائمة سلطنة عمان والسودان والمغرب.

4- الوساطات:

لجأت المملكة إلى فرض نفسها كوسيط سياسي، عقب وصول الربيع العربي إلى اليمن، لتصل إلى وضع المبادرة الخليجية في أبريل 2011 لوأد الثورة اليمنية، عن طريق ترتيب نظام نقل السلطة من علي صالح لنائبه منصور هادي، فاز بها في انتخابات رئاسية في فبراير 2012، لم يستقر الأمر في اليمن، لأن الأمر أكبر من مجرد وساطات، كانت المبادرة هشة ومن غير الممكن لها الصمود إزاء تعقيدات المشهد اليمني، ليعلن موت هذه المبادرة، باشتعال الأمور مجددا في سبتمبر 2014، باتفاق أنصار الله مع علي صالح للإطاحة بنظام هادي، قائلين إنه لا يمثل اليمنيين، ليفر إلى السعودية، ومن هناك يتم إعلان عاصفة الحزم، وما زالت المملكة تتلمس السبل لمحاولة إيجاد مخرج سياسي لها من الأزمة لكنها تزداد فشلا في هذا الأمر.

وتحاول الآن الدفع بأطراف جديدة من أجل التهيئة لحل سياسي، حيث تم الكشف عن مباردة قدمها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، خلال زيارته لسلطنة عمان الشهر الجاري، لحل الأزمة اليمنية، وتتضمن الوثيقة مبادئ لحل الأزمة، بينها وقف القتال والدخول في هدنة يعقبها السماح بإدخال المساعدات الإنسانية، ثم الدخول في مفاوضات ومناقشة القضايا الخلافية، مع إلزام أنصار الله بوقف إطلاق الصواريخ الباليستية على المملكة، وهو الأمر الذي أصبح يقلق السعودية بشدة، وقد يتم الدفع بهذه المبادرة حيث تأتي بالتزامن مع استقالة المبعوث الأممي لليمن إسماعيل ولد شيخ من منصبه الشهر الماضي، وتعيين البريطاني مارتن غريفيث بدلا منه.

ثالثا- تقييم السياسات الإقليمية السعودية:

بالنظر إلى تحركات السعودية في منطقة الشرق الأوسط، بعد عام 2011، نجد أنها ساهمت في خلق العديد من الأزمات والمشكلات الاستراتيجية طويلة الأمد بالمنطقة، تمثلت في:

1-المساهمة في عسكرة الصراعات العربية:

دخلت السعودية سريعا على خط الأزمة في سوريا، حينما تحولت الانتفاضة إلى العمل المسلح، وليست وحدها في هذا الأمر، فقطر وغيرها من دول المنطقة حاولت تحقيق أهداف جيوسياسية وجيواقتصادية، عبر العمل المسلح في سوريا، وكانت الرياض من بين هؤلاء، فدعمت جماعة “جيش الإسلام” أكبر التشكيلات المسلحة في سوريا، الذي يضم أكثر من 50 لواءا مسلحا من الفصائل الأخرى، وقد قتل قائد التنظيم زهران علوش، في ضربة روسية في ديسمبر 2015، ليخلفه أخوه محمد علوش في القيادة.

وبعد فشل الاستراتيجية السعودية وغيرها في توظيف جماعات المعارضة المسلحة، تخلت عنها بشكل فعلي، ليعلن “جيش الإسلام”، في يوليو 2017، عن حل نفسه، والاندماج في ما أسماه جيش وطني جديد، ما لم يحدث حتى الآن، فالسعودية فقدت ورقتها في سوريا الآن، بعد التسبب بجانب غيرها في عسكرة المشهد السوري، في صراع امتد لـ7 سنوات، تاركة واحدة من أهم أعمدة الأمن القومي العربي، ضعيفة ومنهكة جراء حالات التصادم الداخلية وبتغذية من أطراف خارجية.

2- الإضرار بالأمن القومي العربي:

أضرت التحركات السعودية في عدة ملفات بالأمن القومي العربي. تسببت حرب المملكة باليمن في سقوط آلاف القتلى والجرحى، بجانب تفشي الأمراض والأوبئة مثل الكوليرا، وتنامي النزعات الانفصالية، حيث اتخذ الجنوب خطوات قوية للانفصال عن اليمن، فسبق أن أعلن محافظ عدن المقال عيدروس الزبيدي تشكيل “المجلس الانتقالي الجنوبي”، في مايو 2017، لاتخاذ خطوات حقيقة نحو الانفصال، ونهاية يناير الماضي، جرت اشتباكات مسلحة في عدن بين المؤيدين لحكومة منصور هادي، والموالين للمجلس الانتقالي، أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، سعى الانفصاليون في هذا المرة إلى فرض واقعا عسكريا والسيطرة على مقرات الوزارات ومطار عدن الدولي، وإعلان دولتهم الجنوبية، إلا أنه تم احتواء الأمر مؤقتا من السعودية لأن الانفصال الآن ليس في صالحها، لكن بذور الانفصال وضعت مجددا، وهي موجودة منذ توحيد شطري اليمن، في 1990، لكن تدخل السعودية سيروي هذه البذور للنمو مجددا.

وأسهمت الحرب السعودية في اليمن، لمنع سيطرة جماعة أنصار الله على البلاد، إلى إضعاف دولة عربية مجددا دون وضع سياسة حقيقة لحل الأزمة هناك، ما يعني إضعاف دولة عربية جديدة، بحاجة إلى عشرات السنوات لاستعادة عافيتها، وإلى جانب إضعاف اليمن، ستنهك القوات السعودية نفسها في حرب لن تكسبها كما فعلت مصر من قبل في ستينات القرن الماضي.

وإلى جانب تضرر الأمن العربي بحرب اليمن، تأثر أيضا، بما يجري في سوريا التي حاول الكثيرون تحقيق مصالحهم داخلها مستغلين جماعات المعارضة، فقد كانت سوريا رقما صعبا في المواجهة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، ما أضعفها في السنوات الماضية في الرد على الانتهاكات الإسرائيلية، لكن وبعد استعادة جزء من قوتها استطاعت، يوم 10 فبراير الجاري إسقاط مقاتلة إسرائيلية طراز “إف 16″، وإصابة أخرى طراز “إف15”.

أيضا ساهمت التحركات السعودية تجاه قطر، في إضعاف الكتلة العربية، لأن ذلك دفع قطر إلى عقد تحالفات خارجية ستؤدي لنتائج كارثية على أمن المنطقة، كما فعلت الدول الخليجية الصغير عقب غزو الرئيس العراقي السابق صدام حسين للكويت، ما أدى إلى استعادة العسكري الغربي مجددا للمنطقة بطلب أصحابه، ما أدى إلى رهن المنطقة، وفق توازنات ومصالح خارجية متناقضة.

3- العودة لسياسة الدفاع بعد فشل استراتيجية المبادرة:

تخلت دول مجلس التعاون الخليجي بشكل عام خاصة السعودية والإمارات وقطر عقب عام 2011، عن سياسة عدم المبادرة ورد الفعل إلى الفعل، فمن ناحية أرادت وقف امتداد موجات الربيع العربي إليها، إلى جانب استغلال الفراغ الاستراتيجي الذي أحدثه الربيع في دول محورية بالمنطقة كمصر وسوريا، وشعرت السعودية أن بإمكانها إدارة المنطقة وتوجيهها لصالحها، فمثلا قادت عملية تجميد عضوية سوريا بالجامعة العربية، ما أضر بالدور العربي في سوريا، إلى جانب تبني الحل العسكري لإسقاط النظام السوري، ما زاد من تعقيد الأمور، بجانب أخذها المبادرة وشن حربا واسعة في اليمن.

بعد فشل رؤيتها في سوريا، انسحبت الرياض من المشهد، لتترك الأمر  للاعبين المؤثرين، وتنكفئ على حربها في اليمن، الحديقة الخلفية لها، محاولة حسمها على الأقل سياسيا، فعسكريا لم ولن تقدر، فعندما أطلقت العملية قالت إن الأمر لن يستغرق 3 أشهر، ليدخل الأمر في ثلاث سنوات وما زال متسمرا، بل زاد فشلها في وقف التهديدات الواردة من جوارها، حيث وصلت الصواريخ الباليستية لجماعة أنصار الله، إلى العاصمة الرياض، وقبلها محافظات الطائف ونجران، وتحاول الآن البحث عن مسار جديد للمفاوضات، حيث قدم المبعوث الأممي لليمن إسماعيل ولد شيخ استقالته، الشهر الماضي من منصبه، وسيخلفه الدبلوماسي البريطاني مارتن غريفيث، في محاولة لدفع مسار الحل السياسي بعد فشل الحسم العسكري، كما ضاعت ورقة كانت تعول عليها مؤخرا، وهي التعاون مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح، بعد انقلابه على التحالف مع الحوثيين، ليتم قتله، ووأد ورقة أخرى لها.

أما فيما يخص أزمة قطر، فهي الآن استنفدت كثير من أوراقها تجاهها، وما طلبته لم يتم تنفيذه بل زاد عليه، فالدوحة عززت علاقتها الأمنية والعسكرية أكثر بقطر وتركيا، إلى جانب حلفاء غربين، بخلاف تحول قطر ومنابرها الإعلامية إلى رافضين للحرب اليمنية، وإظهار انتهاكات ومساوئ الحرب، بما يضع المملكة في حرج بالغ. وقد كشف أمير الكويت صباح الأحمد في سبتمبر 2017، عن النجاح في إجهاض عمل عسكري ضد قطر، ليزيد من حرج السعودية وشركائها، فقد كانت آخر ورقة في جعبة المملكة للضغط على النظام القطري، وتم كشفها وإبطالها، وهي الآن تتبع أسلوب الحرب الكلامية والدعاية الإعلامية كما تفعل قطر ضد خصومها، لأنها لن يسمح لها بتغير النظام القطري، ويبدو أنها كانت أخذت موافقة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هذا الأمر، ليتم التراجع عنه لاحقا.

أيضا حاولت السعودية تشكيل تكتل عسكري إقليمي، تنتزع به شرعية دورها الإقليمي في المنطقة، وهو الإعلان في 15 ديسمبر 2015، عن إنشاء “التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب”، ليضم أكثر من 40 دولة، في إجهاض لمبادرة مصر التي طرحتها في مارس 2015، ونادت بتشكيل “قوة عربية مشتركة”، وبالفعل أخذت خطوات متقدمة وتم وضع البروتوكول الخاص بها، إلا أنه تم تأجيل الاجتماعات على مستوى القادة العسكريين الخاصة بها، ليتم وقفها وتخرج الرياض بمبادرتها، لكنها ظلت ضعيفة ودون قيمة، حاولت إحيائها بالدعوة لعقد أول اجتماع للتحالف، في 26 نوفمبر 2017 بعد ما يقرب من عامين على بيان التأسيس، كالعادة خرج البيان الختامي ضعيفا، كالتمثيل الذي صحاب الاجتماع، ليعلن موت المبادرة، ورفض الانضواء تحت سياسة السعودية في التعامل مع أوضاع الشرق الأوسط.

ختاما، تكشف تحركات السياسة السعودية بعد عام 2011، عن تخبط في إدارة الملفات الإقليمية وعدم حسم أي ملف إقليمي لصالحها حتى الآن، خاصة منذ تولي محمد بن سلمان منصب  ولي ولي العهد بجانب وزارة الدفاع، فحرب اليمن لم ينجز فيها شيء لصالح المملكة، فها هو الجنوب اليمني يريد الانفصال وهو ما يوجه ضربة قاصمة لكل ما بذلته القوات السعودية وحلفائها هناك، فالجنوب هو الذي نجحو ا في إبقائه بعيدا عن سيطرة أنصار الله، وإذا ما تم الانفصال فإن هذا يعني وجود دولتين أحدهما في الشمال تحت قيادة الحوثيين، وستكون مجاورة للملكة وهو ما تعتبره خطرا عليها ودخلت من الجنوب من أجل إنهائه، فقد فشلت في اقتحام شمال اليمن عبر حدودها كما أنه لا تقدر على ذلك، وإذا استقل الجنوب فلن يكون هناك معنى لوجودها، كما سيتم الإطاحة برجلها منصور هادي، ولجوء الجنوبيين إلى وقف الحرب مع خصومهم في الشمال، والعودة إلى سيناريو ما قبل الوحدة اليمنية.

أما فيما يخص أزمة قطر، فكل ما طالبت به السعودية وشركائها لم يتحقق، بل زاد الأمر عليه، فرغم طلب إنهاء الاتفاقات العسكرية مع تركيا، جلبت قطر جنود الترك إلى الخليج بآلياتهم العسكرية، أما إيران أصبحت المخرج الوحيد لطائراتها وسفنها، إلى العالم ومصدر كبير للحصول على المنتجات الغذائية، وهو ما جعل الخطوة ترتد سلبيا على دول المجلس بتعميق قطر علاقتها أكثر بطهران.

وفي سوريا رغم ما أنفقته والدعم الذي قدمته، إلا أنها خرجت صفر اليدين، فهي الآن لا تملك حتى النفوذ السياسي على فصائل قوية قادرة على التفاوض بها، أو قوات على الأرض تحجز لها مكانا في الجغرافيا السورية، وإنما تركت الأمر لآخرين سيتوافقون على حلول لن تحقق أي شيء من مصالحها. وفيما يخص القضية الفلسطينية أظهر الرفض الشعبي الفلسطيني لها بجانب بعض الدول العربية للدور الأمريكي وصفقة القرن، إفشال لمساعي الرياض في تقديم نفسها كطرف قادر على إنهاء أكبر أزمة بالمنطقة والعالم.

إذا السعودية انخرطت في أكثر من أزمة تتخطى إمكاناتها هي وغيرها من دول الإقليم، فالشرق الأوسط أصبح ساحة للتنافس الدولي بين القوى الكبرى خاصة الولايات المتحدة وروسيا، والعديد من قضاياها أصبحت ذات إطار دولي وليس إقليمي، بالتالي على السعودية تقليل تورطها في أزمات الإقليم بحدة لأنه بمثابة استدراج واستنزاف لها، خاصة حرب اليمن، وعليها الثقة في شركاء آخرين لمساعدتها في تخطي أزماتها أولا وليس حل أزمات الإقليم الملتهبة.

المصدر
1- المملكة العربية السعودية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي يدشنان تقريراً حول المساعدات الإنمائية الرسمية، 15/05/20162- في تقرير حول المساعدات الخارجية والآثار الانتشارية للاقتصاد السعودي المملكة قدمت 85 مليار ريال مساعدات مالية مباشرة للدول العربية خلال 40 شهرا، صحيفة الرياض، 17/5/20153- تقرير: الرئيس السيسي عرض على السلطان قابوس مقترحا لحل أزمة اليمن، بوابة الأهرام، 7/2/20184- السعودية تعلن ميزانية 2018 بإنفاق تاريخي 978 مليار ريال، العربية نت، 19/12/20175- شراهة شرق أوسطية للسلاح.. نصيب الأسد للسعودية وقطر، العالم بالعربية، 15/2/20176- محمد عمر ، صراع النفوذ .. الخلاف السعودي الإماراتي في اليمن (تقدير موقف)، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، 13/5/20177- خريطة النفوذ العسكري في سورية، مركز جسور للدراسات، 2/2/20188- للمرة لأولى... عريقات يكشف تفاصيل صفقة القرن، وكالة سبوتنيك الروسية، 21/1/20189- عمر الحسن، القوى الإقليمية في الشرق الأوسط: إعادة التشكيل بعد الثورات العربية، الجزيرة نت، 7/6/201510- إليك القائمة الكاملة للمطالب الموجهة لقطر، شبكة "سي إن إن" الأمريكية، 24/6/201711- قطر توقع اتفاقيتين عسكرية وأمنية مع بريطانيا والناتو ، الجزيرة.نت، 18/1/201812- اتفاق أمريكي قطري على حماية الدوحة من التهديدات الخارجية، ، هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية"TRT"، 30/1/2018

صراع النفوذ .. الخلاف السعودي الإماراتي في اليمن (تقدير موقف)

المساعدات الخليجية لمصر.. تضارب في الأرقام ومصالح غير معلنة

الدور الإقليمي لمصر.. بين التطلعات وحدود التأثير

إغلاق