بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

مقالات

الربيع العربي وتجارة الخوف

الوسوم

إذا كنت من غير سكان منطقة الشرق الأوسط وطالعت أخبارها مصادفة في عام 2011، كنت ستأخذ انطباعا عن وجود شعوب على الأرض على استعداد لأن تدفع حياتها ثمنا لغد أفضل للأجيال القادمة، كنت أيضا ستحترم تلك الوجوه الشابة التي خرجت إلى الشوارع، وألقت بأجسادها على الطرقات وأمام المركبات العسكرية طمعا في حياة أفضل فقط، ربما كنت ستتحدث عنهم في إحدى الجلسات وتضرب بهم الأمثال، وتدعو أصدقائك وأبنائك للاقتداء بهم، لم يكن الأمر يُنبأ بأي مخاطر على أي حال.

ثم تخيل إنك انصرفت عن متابعة تطورات المنطقة حتى مطلع عام 2017، وفجأة وجدت أن هذا الربيع المبشر قد تحول إلى موجة من العنف والتطرف الديني امتدت إلى خارج الإقليم، وبدلا من أن تُصدر شعوب الإقليم قيم النضال من أجل الحرية، صدرت المتطرفين والموتورين والمهاجرين غير الشرعيين، لاشك إنك ستتفاجأ وتتساءل ماذا قد حدث؟

الحقيقة أن الأمر مُدهش فعلا، كيف تتحول ثورات الشعوب إلى مؤامرات خارجية؟ وكيف يتحول هدف الحرية إلى التخريب والعمالة للخارج كما يروج البعض، كيف يتحول الانتماء الشديد إلى كراهية والبحث عن الهروب بأي وسيلة، الحقيقة أن الإجابة تكمن في كلمة واحدة وهي ” الخوف”.

في الوقت الذي طالب فيه الشباب بالثورة والتغيير والديمقراطية، وجدوا أن هناك قوى هائلة تقف حائلا أمام تحقيق هذه الأهداف، بل تحاول هذه القوى فيما بينها التلاعب بعواطف الشباب ودمائهم من أجل خدمة مشروعها السياسي، وأغلب من دعموا الثورات سواء مؤسسات الدول أو القوى السياسية أو الرموز كانوا يدعموها من أجل القفز عليها، وليس من أجل إيمانهم بمبادئ الثورات، وتحول الحراك الشبابي إلى كرت سياسي يتم استخدامه على طاولات التفاوض، عوضا من أن يتحكم هو في مألات الأمور والأوضاع.

وجد الشباب أنفسهم محاصرين بين أطماع سياسية لا ترى الأوطان ولا سكانها، وبين شعوب لا تكترث بالحرية قدر بحثها عن الثبات والجمود، والأكثر إنها وجدت البعض يرفع السلاح تحت اسم الثورة أو الدين أو الدفاع عن الوطن، ناهيك عن مجتمعات تعاني من الأمية والأمراض في عصر الإنسالة، كانت الفجوة واسعة فعلا، لم يكن باستطاعة الحالمين أن يغيروا من الواقع قيد أنملة كما يقولون.

فجأة وقع الشباب ضحية للخطابات الدعائية المفعمة بالتطرف، سواء الخطاب الديني الذي يكفر الجميع ويحرض على قتلهم، أو الخطاب الوطني الذي يخوّن المُخالفين، والاثنان يشتركان في قتل من يعزف خارج أسرابهم، دفع هذا كله الشباب نحو الانزواء، أو البحث عن حلول بديلة، من خلال السفر للخارج أو تحقيق بعض من التميز المهني، ولجأ البعض الأخر إلى الانخراط في أنشطة الجماعات الدينية العنيفة، أو الموائمة مع النظم السياسية الصاعدة، تاركين خلفهم أحلام أصدقائهم وتطلعاتهم القديمة.

تُرك المسرح للاعبين أخرين، انقضت قوى الجمود على قوة الحراك، لم يكن هناك أي انصاف في ميزان القوى، عادة ما ينجذب البسطاء والضعفاء إلى الأقوى والأكثر قدرة على إظهار هيبته، وفي هذه الحالة يخسر الحالمون دائما، وتحت عباءة السياسة والإرهاب تم اجهاض الثورات، حتى تلك النماذج التي بدأت مبشرة وصاعدة لم يُكتب لها النجاح، أولها كان تونس، الدولة التي وضعت الجرس الأول في عنق القط، تحت وطأة الاستقطاب السياسي بين العلمانيين والإسلاميين، انهزمت الثورة التونسية، وعوضا عن مشهد تظاهر الشباب لأسباب سياسية، نجد في تونس اليوم تظاهرات أيضا، لكنها للمهمشين والعاطلين عن العمل، كما وصل الإرهاب إلى هناك، وشاهدنا خلال عام 2017 وقوع أكثر من حادثة إرهابية في تونس.

ولم يكن الأمر في حال أفضل في دول الربيع الأخرى، انقسم الثوار الليبيون بحثا عن النفط، وأصبحت البنادق الليبية توجه إلى بعضها البعض، بعد أن اجتمعت ضد نظام معمر القذافي، وزكّت عوامل مثل التدخل الدولي وأدوار الأطراف الخارجية صعود الإرهاب في ليبيا، وأصبحنا نرى ليبيا عبارة عن فسيفساء يتنازع عليها إرهابيو داعش ومسلحي القبائل والضباط السابقون في جيش القذافي وجماعة الإخوان المسلمين المُسلحة.

وغني عن الذكر ما حدث هنا في مصر، أفضت الديمقراطية إلى مجيء جماعة الإخوان التي رفضت الاشتراك في الدعوة للثورة في بادئ الأمر، جنحت جماعة الإخوان ناحية تأمين مستقبل بقائها في السلطة بدلا من تأمين التحول الديمقراطي، وضعت نفسها على خلاف موقف المناصرين للتغيير، لجأ مناصرو التغيير إلى التحالف مع قوى الجمود، انتصرت الأخيرة، ثم اشتعلت في مصر الأوضاع الأمنية، وشاهدنا موجة من النشاط الإرهابي ربما تكون هي الأكبر في تاريخ مصر.

سوريا، اليمن، ملايين من المشردين والجوعى واللاجئين، حروبا أهلية ومأسي إنسانية، كل هذا البؤس نتج عن تطلعات في غد أفضل، ليصطدم الجميع بواقع متوحش، وبصراع سياسي ضاري، وبقوات خارجية أصبحت تملك اليد العليا في التحكم بمستقبل الأوطان.

فشل التحول الديمقراطي في النهاية تحت وطأة التصارع السياسي والبحث عن النفط والثروة والسلطة، تركت حالة فراغ وتزعزع السلطة بعد الثورات نوعا من التناحر بين الأطراف السياسية والاجتماعية، سعى الجميع في الداخل والخارج إلى الانقضاض على مستقبل الشعوب، وتركت الأخيرة المقاعد بسبب الإحباط أو الخوف، كانت تجارة الخوف هي الأكثر عنفوانا في الربيع العربي، والخوف هو أخطر الأسلحة، تعددت مصادر الخوف أيضا، سواء الخوف على طريقة داعش أو الخوف على طريقة الأنظمة المناوئة للثورات، وصلت مرحلة الخوف إلى تردد البعض في إطلاق وصف “الربيع” على ما حدث!

لربما إذا قفزنا بالزمن خمس سنوات أخرى كيف نتوقع أن تسير وتيرة الأحداث بشكل أفضل؟ حالة واحدة قد تدفعنا للتفاؤل، وهي كساد تجارة الخوف.

 

إغلاق