بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتقارير

الديمقراطية والتنمية في مصر.. دروس من العالم الثالث

الوسوم

تتطلب علمية التنمية الارتكاز على كيان مستقر وليس مضطرب. ولأن العلاقة بين الاستقرار والتنمية ليست واضحة تمام الوضوح، ذهب البعض إلى أن الاستقرار يسبق التنمية، فيما رأى أخرون أن التنمية هي من تسبق الاستقرار، وما بين هذا الطرح وذلك يبقى تحقيق كل من الاستقرار والتنمية أهدافاً أساسية تسعى جميع الدول سواء في العالم النامي أو المتقدم نحو تحقيقها. وعليه، فقد ذهبت دراسات عدة تبحث وترصد العلاقة الجدلية بين الديمقراطية والتنمية، وتجيب على الأسئلة الرئيسية التي مفادها هل تسبق الديمقراطية التنمية أم أن التنمية هي من تسبق الديمقراطية؟ أم أن كلاهما يسير بشكل متوازن ؟. ولعل هذا ما أورده إعلان فيينا عام 1993 مؤكداً على أن هناك تفاعل بين الديمقراطية والتنمية وأنهما مصطلحان مكملان لبعضهما البعض وكلاهما يسعى لتحقيق طموحات وأمال الشعوب، وعلى ضوء ما تقدم، فسيتم عرض عدد من النقاط الخاصة بتناول العلاقة بين الديمقراطية والتنمية سواء في النظرية أو على مستوى حالات تطبيقية.

أولاً- العلاقة الجدلية بين الديمقراطية والتنمية في النظرية والدراسات التطبيقية:

  ينصرف مفهوم الديمقراطية إلى كونه نظام سياسة اقتصادي اجتماعي له أطره التحليلية وعوامله الذاتية، ويقوم على ثلاثة أركان كما يلي: 

احترام حقوق الإنسان في الحرية والمسواة وما يتفرع عنها من حقوق كحق العمل وحق التعبير.

الأفراد سواسية أمام القانون سواء في مناصبهم أو انتماءاتهم.

التداول السلمي للسطلة في ظل نظام شرعي يحافظ على حكم الأغلبية ويحترم حقوق الأقلية.

وقد أصبح أي نظام سياسي يوصف بأنه ديمقراطي إذا ما كان اختيار متخذي القرار الحقيقيين فيه، يحدث في انتخابات عادلة ونزيهة ودورية يتنافس فيها المرشحون على الأصوات بحرية، وهذا التعريف هو حدّ أدنى للديمقراطية ولكنه، يشترط ضمنيا أن يتمتع أفراد الشعب بحقوقهم المدنية في التعبير والاجتماع والتجمع وهى الحقوق الضرورية لإجراء عملية انتخابية حقيقية.

فيما ينصرف مفهوم التنمية كما عبر عنه ” إبراهيم العيسوي” على أنه مفهوم مركب متعدد الأبعاد ينطوي على أهداف اقتصادية وغير اقتصادية، يتخلله عناصر رئيسية في مقدمتها تحقيق النمو الاقتصادي والقضاء على الفقر وسد فجوة الدخل والتحرر الإنساني من قيود المرض والجهل والخروج من أسر التبعية.

وفي الآونة الأخيرة ذهب البعض، إلى أن مفهوم التنمية قد تطور في العقود الستة الأخيرة حتى أصبح النظر للتنميـة على أنها عملية لتوسيع الحريات الحقيقية التي يتمتع بها البشر، ويتجـاوز هـذا المفهوم الحديث المفهوم الكلاسيكي للتنمية بوصفها نمو الناتج القومي الإجمالي أو زيادة متوسط دخل الفرد أو التصنيع والتقدم التقني أو التحديث الاجتماعي، ورغم أهمية وضرورة هذه المؤشرات- كزيادة الناتج القومي الإجمالي وزيادة متوسـط دخل الفرد- إلا أن التنمية تعتمد على اعتبارات أخرى، كالأوضـاع الاجتماعيـة وعلاقات القوى التي تسمح بالتمتع الحقيقي بخدمات الصحة والتعليم والتوظيـف، وممارسة الحقوق المدنية والسياسية، وفرص المشاركة في القـضايا العامة، ومساءلة واضعي السياسات والحكومات.

وتبرز علاقة الحكم بالتنمية من منظور أن نوعية الحكم أو إدارة شئون البلاد تعد محدد من محددات نجاح التنمية أو فشلها، وطبقاً للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة فإن مقومات الحكم الجيد تضمن ما يلي : 

• المشاركة، بمعنى أن يكون للناس دور فعال في إدارة شئون مجتمعهم. وهو ما يقتضي أن تتاح فرص كافية ومتساوية لكافة الناس – ذكوراً وإناثاُ- لعرض قضاياهم والتعبير عن مصالحهم، وإعلان رأيهم في النتائج المتوقعة من قرارات معينة، كما تتاح لهم فرص حقيقية للتأثير في عملية صنع القرار.

• الشفافية، ويقصد بها توفر المعلومات وسهولة الحصول عليها من جانب المواطنين، فضلا عن صحة المعلومات ودقتها واكتمالها وإتاحتها في الوقت المناسب.

• المحاسبة ( المساءلة)، وتعنى أن يكون الموظفون العموميون خاضعين للرقابة والمساءلة عن ممارستهم للسطات الممنوحة لهم، وأن يتقبلوا تحمل المسئولية (ولو جزئياً) عن القصور أو عدم الكفاءة، ويعدلوا قراراتهم على ضوء ذلك النقد.

• حكم القانون أو سيادة القانون، ما يقتضي توافر ترتيبات قانونية وقضائية واضحة وفعالة فيما يتصل بممارسة الأفراد والجماعات وأهل الحكم لصلاحياتهم في كل المجالات، مع كفالة المساواة أمام القانون للجميع سواء في التمتع بفرض الحماية القانونية لحقوقهم، أم في التعرض للعقاب بمقتضى العقوبات السارية.

• الفاعلية، وتعني فاعلية الحكم التوصل إلى الاستخدام الأمثل والأفضل للموارد، أي تخصيص وإدارة الموارد استجابة للحاجات الجماعية، وهذا يعني توفر القدرة والكفاءة من جانب مؤسسات الحكم، فضلاً عن توفر الشعور بهموم الناس ومصالحهم لدى هذه المؤسسات.

• الإنصاف، ما يعني كفالة معاملة عادلة وغير متحيزة للمجتمع دون تمييز، إلى جانب التوزيع العادل لثمار التنمية ولأعبائها.

وثمة جدل حول مساهمة الديمقراطية في التنمية أو تأثير التنمية على الديمقراطية، حيث تشير توصيات الأمم المتحدة إلى أن الحكم الديمقراطي يعد أمراً أساسياً لتحقيق مكاسب إنمائية في القرن الحادي والعشرين. وتوجد مناظير عديدة وأبعاد جمة تناولت العلاقة الجدلية بين الديمقراطية والتنمية. وانطلق المنظور الأول من فرضية مفادها أن التنمية متغير مستقل، في الوقت الذي تعتبر الديمقراطية متغير تابع، ووفق هذا المنظور تحقق الديمقراطية عن طريق عدة شروط في مقدمتها النمو الاقتصادي وارتفاع مستوى التعليم والصحة وارتفاع حالة المساواة في توزيع الدخل والثروة، وهذا ما وجد في نظريات التحديث والتنمية السياسية في ستينات وسبعينيات القرن الماضي، وذهب المنظور الثاني إلى أن الديمقراطية شرط أساسي لعملية التنمية بمعنى أن أنها متغير مستقل، بينما التنمية تتبعها وتقوم على أركانها، وقد ساد هذا الطرح في ثمانينات القرن الماضي ولازال متناول حتى الأن في ثوبه الذي تطور ليشمل فكرة الحكم الراشد أو الرشيد، فيما اختص المنظور الثالث بطرح مسألة الأولوية وأيهما يسبق الآخر، بل اعتبر ان التنمية هي جوهر الحرية كما طرح أمارتيا صن في كتابه “التنمية حرية”، وبالتالي فإن الاهتمام بمسألة الديمقراطية والحرية، ليست فقط وسيلة حيوية لتحقيق التنمية، ولكنها تمتد إلى مفهوم الحرية الإنسانية بشكل عام.

وترتبط الديمقراطية بالتحرر الاقتصادي الذي جعل بالبعض يقول إن « اقتصاد السوق والديمقراطية السياسية وجهان لعملة واحدة لأنهما يشتركان في الحد من السلطة المطلقة للدولة»، وليس معنى ذلك أن هناك انسجاما كاملاً بين الاثنين، لكن يوجد على الأقل اتفاق واضح المعالم حول مصالح مشتركة، فالديمقراطية ورأسمالية السوق «تشبهان شخصين مرتبطين في زواج عاصف يمزقه التنازع، ولكنه يستمر لأن كلا الطرفين لا يرغب في الانفصال عن الآخر» حسب تعبير روبرت دال.

وتبرز علاقة ذات اتجاهين بين الديمقراطية والتنمية، حيث يمكن أن تساهم الديمقراطية في تحقيق التنمية، عبر إرساء دعائم المؤسسية وتطبيق القانون، ومع سيادة الديمقراطية باعتبارها النظام الذي يحسن التعامل مع قضية التنمية لأنها تنشئ علاقة  سياسية بين المواطنين وصانعي القرار وتجبر الأخير على التصرف وفق ما تفتضيه مصلحة المجموع، وعليه، فإنه يجب  النظر إلى تطور الديمقراطية وممارستها جنباً إلى جنب مع عملية بناء الهوية الوطنية، إذ تعتبر السمات الأساسية للديمقراطية أمر ضروري لفهم الحكم الرشيد والممارسات الخاصة بالتخطيط وتنفيذ التنمية، حيث تحدد الرؤى الانتخابية على ضوء استراتيجيات التنمية تارة، وأخرى على ضوء إدارة الأزمات الاقتصادية .

وفي الاتجاه الآخر من التنمية إلى الديمقراطية، حيث تفترض نظرية التحديث أن مستويات عالية من التطور الاقتصادي يساهم في استقرار الديمقراطية وقتما تتأسس لأنها تُضعف الاستقطاب عبر تخفيف الصراع الطبقي وتكريس عدم التطرف في الصراع السياسي، وبما أن زيادة مستويات التنمية يقلل من حجم اللامساواة، فان الصراعات التوزيعية تصبح أقل اهتماماً والرؤى لتطوير السياسة بين الناس تصبح أكثر تدرجاً، كذلك تعجل التنمية الاقتصادية من نمو المجتمع المدني، وإلى جانب ما تقدم تساهم التنمية في ترسيخ الديمقراطية عبر سد  فجوات التنمية وفي مقدمتها الاقصاء الاجتماعي والاقتصادي، ومنح الفرص للجميع في التعليم والصحة، فضلاً عن إدماج الفقراء، ومعنى هذا وجود نظام للأمن الإنساني والمجتمعي يرسي دعائم  الديمقراطية من خلال التنمية ويسهم في تعزيز المساءلة والرقابة والشفافية.

وتؤثر التنمية الاقتصادية على الديمقراطية من حيث تغيير قيم السكان، عبر آليات التعليم والصحة، وقبول الفكر العقلاني وترسيخ الثقافة السياسية للديمقراطية، وينتج عن التنمية الاقتصادية مستويات أعلى من الدخل والأمن الاقتصادي لغالبية السكان، كما تمارس التنمية الاقتصادية دوراً مؤثراً وحيوياً فيما يتعلق بالحد من صراع الطبقات إذا ما كان هناك توزيع عادل لثمارها، وفي الأخير، فإن التنمية الاقتصادية يمكن أن تؤدي إلى ظهور تنظيمات (حكومية وغير حكومية) التي لا تعد فقط منظمات تراقب وتحاسب الحكومات، بل إنها تزيد من المشاركة السياسية وتعزيز العمل السياسي ونشر وعي العمل به.

وعلى ضوء ما تقدم،  فقد اهتمت دراسات عديدة بدراسة العلاقة بين الديمقراطية والتنمية من بينها دراسة (عبد القادر،2007)، التي توصلت إلى أنه مع توسيع مؤشر التنمية البشرية ليشمل على مكون الديمقراطية على أساس مؤشر بيت الحرية لعينة من 150 دولة لعام 2005، انخفض عدد الدول ذات التنمية المرتفعة من 59 دولة إلى 46 دولة، وارتفع عدد الدول ذات التنمية المنخفضة من 19 دولة إلى 33 دولة حسب تعريف الديمقراطية لمؤشر بيت الحرية.

وعلى أساس مؤشر مجلة الإيكونوميست للعينة الدولية المذكورة لعام 2005، انخفض عدد الدول المصنفة على انها ذات تنمية مرتفعة من 59 إلى 41 دولة وارتفع عدد الدول ذات التنمية المنخفضة من 19 دولة إلى 35 دولة، وانتهت نتائج الدراسة إلى أن توسيع مؤشر التنمية ليشمل مكون الديمقراطية-مهما كان قياسه – يدعوا للتحفظ الشديد حول الإنجازات التنموية التي تحققها مختلف الدول، كما تعكسها مؤشرات التنمية المتعارف عليها.

وركزت بعض الدراسات على كون الديمقراطية والتنمية مصدر للأمن الإنساني، وإنه من المتعارف عليه أن تطبيق الديمقراطية يعني توليد أنماطاُ من الممارسات التي تساهم في بعث الثقة وتحسين الوضع الاقتصادي وتحقيق مستويات أعلى للمعيشة وزيادة الشفافية والمسائلة والمحاسبة، ما أكدته دراسة (عبيرات والأزهر،2007)، التي انتهت إلى أن الديمقراطية والتنمية إحدى مداخل الأمن الإنساني، وذهبت دراسة (Westall,2015، إلى وجود علاقة متداخلة بين الديمقراطية والتنمية المستدامة، وأدرجت عدد من الأسس التي يمكن من خلالها تحقيق أهداف التنمية المستدامة. وخلصت إلى أن النظام الديمقراطي يعد عاملاً مساعداً في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

كما تناولت دراسة (بوزيد ،2013) العلاقة بين الحكم الراشد والتنمية المستدامة، حيث أبرزت الدراسة مقومات الحكم الراشد وأهمها (العدالة والمساءلة والتمثيل والشرعية) وانعكاساتها على قضايا الفقر والنمو الاقتصادي وتحسين المستوى المعيشي، كما انتهت دراسة ( جودة وجبر، 2017)، إلى أن أي إنجاز للتنميٌة لا يمكن تحقٌيقه إلا من خلال حكم راشد يقوم علًى المصارحة والشفافٌية والدٌيمقراطٌية الشعبٌية، وقادر علًى وضع وتنفٌذ الخطط المحققة لآمال الشعب، والنأي بالأهداف القوميٌة عن التجاذبات السٌياسٌية والاستقطاب الشخصًي، والرؤي الضٌيقة،  وأظهرت دراسة(  (SIKUKA,2017  وجود علاقة تربط بين الديمقراطية والتنمية، إلا أن هذا الربط ليس واضحاً تماما في معظم البلدان الأفريقية، مقارنة بما هو عليه في أجزاء أخرى من العالم. وختمت الدراسة أنه ينبغي أن تطبق العلاقة بين الديمقراطية والتنمية بحذر، لأنها تختلف من بلد إلى آخر ومن قارة إلى أخرى.

وانطلاقاً من أن الديمقراطية أداة هامة لتحقيق نتائج التنمية والسمات الأساسية للديمقراطية مثل المشاركة والشمولية والاستجابة لمطالب المواطنين والمساءلة كلها تساهم على نحو مباشر وغير مباشر في التنمية، خاصة عندما تقترن بقدرات الدولة مثل السلامة والأمن وسيادة القانون والوصول إلى العدالة وتقديم الخدمات الأساسية في مجالات التعليم والرعاية الصحية، فقد تحولت النظرة إلى العلاقة بين الديمقراطية والتنمية من المقايضة إلى المسايرة.

ثانياً- إعادة النظر في نهج الديمقراطية والتنمية.. من المقايضة إلى المسايرة:

ركزت الدراسات أعلاه على العلاقة بين الديمقراطية والتنمية من المنظور الضيق وكذلك بالنظر إلى هذه العلاقة كونها علاقة مقايضة التي تعني أن تحقيق التنمية يعني التضحية بالديمقراطية والعكس بالعكس، إلا أنه وجهة النظر تلك لم تستمر طويلاً ولم يكن لها ما يؤيدها في نظر البعض، بل كان العكس هو الصحيح في وجود علاقة سلبية بين الأنظمة الشمولية والتنمية الاقتصادية، ومع تطور الوعي العالمي بأهمية السلام والأمن وإرساء دعائم الديمقراطية من أجل التنمية، وكذلك ما أثبتته دراسات عدة أن الفقر والبطالة والتدهور الاقتصادي أكثر التهديدات التي تواجه كل من الديمقراطية والتنمية، خاصة في الديمقراطيات الناشئة، وعلى ضوء ذلك،  فقد وجدت العلاقة بين الديمقراطية والتنمية أن المسايرة يمكن أن يكون النهج الأمثل، انطلاقاً من كون التنمية الاقتصادية أمر أساسي للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسياسي، ما يسهم بدوره في الحفاظ على الديمقراطية، أي أن فرص تحقيق الديمقراطية تتوازى وتساير فرص تحقيق التنمية، بالتعويل على الأثر الفعال من الديمقراطية إلى التنمية والعكس، وتواجه الديمقراطية عقبات عدة أغلبها في التنمية في مقدمتها (عدم المساواة في توزيع الدخل، الفقر المدقع، انعدام الأمن الغذائي، البطالة والإقصاء والتمييز).

ثالثاً- نظره على واقع الديمقراطية والتنمية في مصر:

لقد ظل التوجس من الديمقراطية باعتبارها صناعة غربية لا تتوافق مع خصوصيات الشعب المصري ونظام الحكم لديه، وأضحت عملية غير مرغوبة فيها، وبات من المألوف والشائع خلال العقود الماضية أن أي فكرة تتعلق بالإصلاح السياسي أو الديمقراطية سواء من الداخل أو الخارج تواجه بأقصى درجات العنف والإقصاء في أحيان كثيرة.

وعلى النقيض، ظلت الأوتوقراطية تتغذى وترسخ، ما جعل من الصعب للديمقراطية أن تجد سبيلاً لها تسلكه في داخل الشعب المصري. ومع مرور الوقت تنامت البيروقراطية وتحولت إلى صفوة ونخب وكيان له قواعده الراسخة، وذهب نزيه الأيوبي في كتابة الدولة المركزية في مصر بقوله “إن الجيوش هي من أهم المنظمات البيروقراطية وأكثرها هيراركية ( السلطة الهرمية)، وعندما يتولى الضباط الحكم في أعقاب انقلاب أو حركة ثورية، فإنهم يكونون أكثر نزاهة أو أكثر راديكالية في بعض الأحيان، ولكنهم يظلون دائما متشككين في جدوى السياسة بكل ما تتضمنه من اختلافات وصراعات فكرية ومصلحية، ويظلون متخوفين بصفة خاصة من فكرة الديمقراطية والليبيرالية التي لا يعرفون إلى أين ستقود، ومن هنا، فإذا قام العسكريون بإدخال تغييرات اجتماعية واقتصادية راديكالية، مثلما فعل الضباط في مصر في الخمسينيات والستينيات، فإنهم  يقومون بهذه العمليات دائما بأسلوب يرتكز على إعطاء الأوامر وتنفيذها، وعلى التوجيه من أعلى إلى أسفل، وعلى المبالغة في أهمية الأمن والنظام، وعلى حد تعبير عاطف السعداوي، فإنه قد ترسخ لدى المواطن المصري بأن الخضوع للسطلة هو السبيل الوحيد لتقييم المكاسب الاقتصادية ودرء المخاطر الخارجية عنه.

وظلت العملية الديمقراطية في مصر مسألة لا يجب الحديث عنها بعد قيام ثورة يوليو، وأدمجت جميع الأحزاب إلى تنظيم واحد حيث صدر قرار حل الأحزاب في 16 يناير عام 1953، ما عرف بتأميم الحياة السياسية، جاء هذا القرار بعد اقتناع قادة الثورة بأن الأحزاب هي سبب مباشر في بقاء الاحتلال وأن أغلبها كان يوصف بالعميل للاحتلال أو بالمولاة للقصر، ودخلت الحياة السياسية في سرداب عميق لم تخرج منه إلا مع فناء رئيس الدولة.

وبعد نصر أكتوبر العظيم، بدأت الدول المصرية متمثلة في رئيسها “السادات” تتحول من سياسة الحزب الواحد إلى الانفتاح السياسي والتعدد الحزبي، ففي أغسطس عام 1974 أصدر الرئيس السادات ورقة تطوير الاتحاد الاشتراكي التي دعا فيها إلى إعادة النظر في تنظيمه وهدفه، وفي يوليو عقد المؤتمر القومي العام الثالث للاتحاد الاشتراكي وخلص إلى رفض التعدد الحزبي ووافق على تعدد الاتجاهات داخل الحزب الواحد فيما أطلق عليه بعد ذلك اسم المنابر، التي وصل عددها إلى 40 منبرا، ووصفت هذه المرحلة من تاريخ الحركة الحزبية في مصر بمرحلة العودة إلى التعددية، إلا أنها لم تدم طويلاً. 

وفي مارس عام 1976 تمت الموافقة على تأسيس 3 منابر تمثل اليمين “الأحرار الاشتراكيين” واليسار “التجمع الوطني الوحدوي” والوسط “تنظيم مصر العربي الاشتراكي”، ثم صدر قرار في نوفمبر 1976 بتحويل هذه المنابر إلى أحزاب سياسية، وفي يونيو1977 صدر قانون تنظيم الأحزاب الذي يقضي بالتحول إلى النظام التعددي مع عدم إلغاء الاتحاد الاشتراكي الذي أعطيت له الكثير من الصلاحيات ومنها حق الموافقة على تأسيس الأحزاب الجديدة عبر المادة السابعة من قانون الأحزاب فيما قبل تعديل 1981، ثم اتبع الرئيس السادات هذه الخطوات بتأسيس حزب جديد أطلق عليه الحزب الوطني الديمقراطي ودعا من خلاله أعضاء حزب مصر الاشتراكي إلى الانضمام إليه و تولى رئاسته، كما أجرى الرئيس الراحل أنور السادات في عام 1981 وقبل وفاته تعديلا في قانون الأحزاب يسمح للجنة شئون الأحزاب- التي تأسست بموجب القانون 40 لعام 1977 ويتولى رئاستها رئيس مجلس الشورى ويدخل في عضويتها وزراء الداخلية والعدل وشئون مجلسي الشعب والشورى وثلاثة من القضاة السابقين- بحق الموافقة على طلبات تأسيس أحزاب جديدة دون غيرها.

ولأن الحياة الحزبية الصحية من أهم سمات التطور الديمقراطي للمجتمع، ويحتاج انطلاقها إلى تضافر الجهود بين مختلف القوى السياسية، ولها دور في الممارسة العملية، ليكون لدينا تعددية حقيقية، تتنافس فيها عدة أحزاب قوية، تمتلك المقومات الفكرية، والقدرات التنظيمية، والإمكانات المالية، وتتمتع بالديمقراطية الداخلية البعيدة عن الشخصنة والفردية، وتمثل قواعد جماهيرية حقيقية، فلا تكن مجرد صالونات النخبة، فالتعددية الحزبية الناضجة شرط أساسي لانطلاق التجربة الديمقراطية، إلا أن ما حدث في مصر لم يكن إلا كعكة كبيرة يستولي عليها من في السلطة ويلقي بفتاتها لبعض المقربين، فيما يلعب الأخرون دور الممتعضين ظاهراً والراضين بشرف حضور القسمة، حتى وإن لم يقتسموا منها.

وشهد أيضاً النصف الثاني من السبعينات وتحديداً منذ العام 1974 ” عام الانفتاح الاقتصادي” رؤية مغايرة للديمقراطية والتنمية وأعلنت الرأسمالية أو اقتصاد السوق هو النظام المتبع لدى الدول المصرية، وما فتئ عقد الثمانينيات يعلن عن بدايته حتى اغتيل رئيس الانفتاح، لكن جذور النظام الرأسمالي على صعيد العملية السياسية والتنمية يكاد يكون قد اتضحت معالمه وقوة دعائمه واستشرت في مفاصل وأركان الدولة، ولأن نتائج حقبة هي مقدمات لأخرى فقد ظل هناك مبرر سياسي لتمديد حالات الطوارئ ولتقييد أي تحركات سياسية على أرض الواقع  على الرغم من اتساع الدائرة الحزبية ووجود عدد أكبر من الأحزاب.

ومع تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي في بداية تسعينيات القرن الماضي، دعا البعض إلى ربط الإصلاح الاقتصادي بالإصلاح السياسي على ضوء أن الديمقراطية صوناً للرأسمالية، ولعل الواقع في مصر لم يشهد تطوراً يجسد وجود علاقة واضحة بين صعود الليبرالية الاقتصادية ومطلب الإصلاح الديمقراطي، وظلت العملية السياسية في مصر، تحاط بعدد من المشكلات منها، اختلاط العلاقات السياسية بالعلاقات الشخصية، بما تضمنه ذلك من شللية ومن ولاء للأشخاص، وانكماش الضمانات الديمقراطية، والتغير المستمر في القيادات والكوادر، وتحول التنظيم في نظر المواطنين إلى أداة للحكومة يبرر مواقفها أكثر من دفاعه عن مصالحها،  ناهيك عن أن مصر كانت إما تقع تحت وطأة الاحتلال الغاشم أو تدخل في حروب خارجية أو تنتابها أوضاع غير ديمقراطية لا تجعل من الحركة السياسة أمر واقعا ملموساً.

وبعد استعراض تطور النظرة للديمقراطية في مصر تستعرض المراحل التي مرت بها العملية الديمقراطية منذ ثورة يوليو 1952، يتضح أن تعثر التنمية أحد أهم الأسباب المسئولة عن تعثر الديمقراطية، ويمكن أن تعزى أسباب تعثر التحول الديمقراطي والتنمية في مصر إلى الأسباب التالية :

1- تنامي احتكار السلطة.

2- زواج السلطة برأس المال.

3- التكوين الاجتماعي للمجتمع المصري.

4- غياب الوعي السياسي في فترات طويلة.

5- انقسام المعارضة وانعدام الوحدة بين فصائلها.

6- التركيز على البعد الأمني.

7- الدعم الغربي طويل الأمد لنظم الاستبدادية.

وعن تطور التنمية في مصر، فقد شهد الاقتصاد المصري وبشكل ملحوظ في تغييرات في بعض الجوانب وتراجع في جوانب أخرى. إلا أن مجمل وضع التنمية لم يكن كما أعد له أو بالأحرى بما يخدم الجميع. فتارة ثمار التنمية يلتقطها فئة منتفعة تسيطر على الحكم وأخرى تضيع عملية التنمية مع تخبط السياسات أو حدوث اضطرابات.

وخلاصة القول، يرى الباحث أن مسار كل من الديمقراطية والتنمية قد أخذ حظاً وافراً من العشوائية والتخبط، وبالأحرى فلا توجد علاقة بين الديمقراطية والتنمية في مصر، ولعل ما يؤكد ذلك انه في الوقت الذي ارتفعت فيه مؤشرات التنمية الاقتصادية لم ينعكس ذلك على مستوى الحريات السياسية التي ظلت مياهها راكدة وازدادت الأمور سوءاً في العقود الثلاثة الماضية، نتيجة عدم كفاءة الحكومة وضعف الإدارة الاقتصادية وغياب القانون وتفشي الفساد وعدم العدالة الاجتماعية، حتى إن برنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الـهـيـكـلـي، الـــــذي تـبـنـتـه الـحـكـومـة الـمـصـريـة فـــي بـدايـة الـتـسـعـيـنـيـات لـــم يـحـقـق أهـــــداف الاســتــقــرار الاقـتـصـادي، وانـعـكـس ذلـــك سـلـبـا عـلـى عـمـلـيـات الـتـنـمـيـة الاقــتــصــاديــة وتـــدنـــي مــعــدل الـنـمـو الاقـــتـــصـــادي وكـــانـــت هــــذه الــــدوافــــع الأســـاســـيـــة لــقــيــام ثـــــورة  يـــنـــايـــر فـــي عــــام ٢٠١١، ومــــا ارتـــبـــط بــهــا من مشكلات ومـزيـد مـن عـدم الاسـتـقـرار السياسي والاقـتـصـادي على المستويين الـداخـلـي والـخـارجـي خلال السنوات الثلاث الماضية.

رابعاً- أهم تجارب ودروس العالم الثالث في مجال تعزيز العلاقة بين الديمقراطية والتنمية:

إن التحول إلى الديمقراطية المصحوبة بالتنمية أو التنمية المولدة للديمقراطية عملية تطبيق القواعد الديمقراطية سواء لتلك الدول التي طبقتها من قبل أو التي تعد بين مصاف الدول حديثة العهد بكل من الديمقراطية والتنمية، وذلك انطلاقاً من أن التحول إلى الديمقراطية من أهم عوامل توطيد الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. هذا، وأن التداول على السلطة عن طريق انتخابات تعددية وتنافسية حرة ونزيهة تفرز برلماناً يمثل مختلف القوى والأحزاب والفئات الاجتماعية، ويساهم في إقرار حقوق الانسان وسيادة القانون، ويدعم المشاركة السياسية، ويؤسس لحياة سياسية قوامها الاستقرار والاستمرار.

وعلى ضوء ما سبق، تمثل التنمية الملاذ الأول والأخير لنهوض الأمم والمجتمعات، على ضوء أن قضايا التنمية والإصلاح السياسي مترابطة ومتصلة، وأن تحقيق التنمية دون أن يصاحبها ديمقراطية أو العكس بمثابة السير بقدم واحدة. ومن ثم فإن، السير في طريق الديمقراطية والتنمية لا يعرف فقط التنظير، بقدر ما يتطلب الممارسة واستقاء الدروس المستفادة من التجارب الدولية، والتي نعرضها على النحو التالي :

•  التحول الديمقراطي والتنمية في كويا الجنوبية:

لقد استطاعت التظاهرات الواسعة في كوريا الجنوبية عام 1987، أن ترغم الحكومة على القبول بانتخابات رئاسية مباشرة والقيام بإصلاح ديمقراطي، وبالفعل أجريت الانتخابات وتمخض عنها تولى روتاري أوه مقاليد الحكم عام 1988، وسارت كوريا الجنوبية نحو مسار يجمع بين الديمقراطية والتنمية، وهكذا دارت عجلة الديمقراطية ومكنت الديمقراطية كوريا الجنوبية من أن تصبح قوة لا يستهان بها على الصعيدين السياسة والاقتصادي، وتكمن أهم نقاط قوة تجربة كوريا فيما رصدته دراسة ( شحاته وسرور ،2017 ) وهي على النحو التالي :

1- ضرورة الاهتمام بالتعليم والمؤسسات التعليمية وتدريب العمال لرفع كفاءتهم الإنتاجية.

2- ضرورة تبني سياسات تهدف إلي تشجيع الصادرات.

3- العمل علي تدعيم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

4- صياغة سياسات تتسم بالكفاءة العالية في استغلال الموارد.

5- إعطاء القطاع الخاص دوراً أكبر للمشاركة في عمليات التنمية.

6- ضرورة تدعيم الهيكل الصناعي، والدخول في الصناعات الحديثة مثل صناعات النانو تكنولوجي وصناعة الروبوتات وغيرها، فالمستقبل الصناعي يتجه نحو تلك الصناعات.

7- ضرورة الربط والتنسيق بين السياسات الاقتصادية والبرامج الاجتماعية بهدف رفع معدلات العدالة في توزيع الدخول بين الأفراد.

8- العمل علي تدعيم المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات والمشاركة في مسيرة التنمية.

9- اتجهت التنمية السياسية في كوريا الجنوبية نحو التعددية الحزبية واعتمدت على مؤسسات سياسية قوية وقدرة المجتمع الكوري على التعامل مع الاختلافات بالإضافة إلى مساهمات الشباب في النشاطات السياسية.

وخلاصة القول في التجربة الكورية، أن عناصر القوة في الاقتصاد الكوري كانت عناصر حقيقية تم بناؤها بأساس قوي من خلال الاستفادة من الظروف المحلية والعالمية التي كانت سائدة أثناء مرحلة التطور والتنمية ،كما أن الدور الكبير الذي لعبته وتلعبه الدولة من خلال تدخلها في الحياة الاقتصادية قد نجح في تهيئة بيئة صحية للاستثمار والنمو، وقد استطاع الاقتصاد الكوري استثمار المورد البشري بأفضل السبل باعتباره أهم مورد متوفر لديه، وفي هذا درس بليغ للدول النامية أن لا تستسلم للأزمات وأن تستثمرها لإيجاد سبل النجاح.

التحول الديمقراطي في البرازيل:

تأسست الحياة السياسية الحالية في البرازيل على الدستور الفيدرالي الذي صـدر عـام 1988، والذي يعد انجازا من انجازات التحول الديمقراطي الذي شهدته البلاد بعد 21عاماً من الحكم العسكري الشمولي (1964–1985)، إلا أنه لا يزال حافلاً بالاضطراب وكثرة البنود التي يعـارض بعضـها بعضا، غير أن استمرار الحكم المدني الديمقراطي في البرازيل لمدة عشرين عاماً متواصلة منذ نهاية فترة الحكم العسكري، لم يكن بالأمر السهل خاصة بعد وفاة تانكريدو دي ألميـدا نيفيـز أول رئـيس منتخب من جانب المجلس التشريعي وممثلي الولايات قبل توليه السلطة رسمياً وبعد إجبـار الـرئيس فيرناندو كولور دي ميللو أول رئيس منتخب بصورة مباشرة من جانب الشعب في عام 1992 علـى الاستقالة على إثر اتهامات بالفساد، ولم تشهد البرازيل استقراراً على المستوى السياسي سـوى مـع انتخاب فيرناندو هنريك كاردوسو رئيسا عام 1994 ثم بعده لولا دا سيلفا، ولقد تسلم لولا من سلفه كاردوسو تركة اقتصادية مثقلة بالديون الخارجية بلغت 260 مليار دولار وديون داخلية تشكل 61% من إجمالي الناتج القومي.

وفي المجمل يمكن الخروج بأن الاستقرار الاقتصادي، والنمو، والحد من الفقر، قد خلق حراكـاً جديدا في السوق المحلي في البرازيل، وكان لذلك الفضل في دمج فئات جديدة من السكان في سـوق العمل الرسمي وسوق الاستهلاك، ما جعل البرازيل أقل حساسية لصدمات الطلـب الاقتصـادي.

التحول الديمقراطي في جنوب أفريقيا وعلاقته بالتنمية:

يرى الباحث أن سياسة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا كانت بالأساس اقتصادية، وضحت معالمها مع ظهور الألماس (1867) والذهب (1886) ، حيث توترت العلاقة بين السكان الاصليين من الأغلبية السوداء والمهاجرين والمستوطنين الإنجليز والهولنديين وغيرهم ، وسارت الأمور نحو تغليب دولة الرجل الأبيض، ما أوجد بيئة غير مستقرة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، إلى أن تمكن نيلسون مانديلا وبعد صراع طويل من الوصول إلى مرحلة التفاوض عام 1994، بما يمكن القول معه إن مانديلا كان بمثابة الجسر الذي عبرت عليه جنوب أفريقيا من حالة عدم الاستقرار إلى الاستقرار، ومع انتخابه رئيسا للجمهورية، متطلعين ومستبشرين بواقع جديد ومستقبل أفضل.

وعليه، يمكن القول إن جنوب أفريقيا بدأت تحقيق عملية الاستقرار السياسي- كسبيل لتحقيق التنمية- بدأت من هنا النهضة الحقيقية للنموذج الجنوب أفريقي، حيث تقرر عام 1995 إنشاء لجنه الحقيقة و المصالحة التي تعتبر نموذجاً فريداً في تجاوز الماضي والتصالح مع الذات وإعادة بناء المجتمع علي أسس من المساواة والعدالة وأن فواعل الإدارة السياسية رأت أن تنحية طاغية وإزاحته لا تحقق وحده وطنية بقدر ما تعيدنا الي حالة الطبيعة الأولي التي هي حق طبيعي للجميع أي العيش في وطن يجد فيه المواطن الحرية والعدالة والمساواة والأمن لكن الشيء الذي لم يعد لوضعه هو الوئام المدني والسلم الاجتماعي والوحدة الوطنية. ومن هنا ظهرت فكره “المصالحة” وشكلت لجنة ( الحقيقة والمصالحة الوطنية) وكان هدف اللجنة هو تحقيق وحدة وطنية إلي بلد انقسم علي نفسه نتيجة لفتره الحكم العنصري التي نتج عنها أعمال عنف وتصفيات علي أساس عرقي والمصالحة في جنوب أفريقيا لم يكن لها دور في التحسن الاقتصادي للطبقة المسحوقة  ولاستمرار النظام الديمقراطي وإنما كان خلق مناخ جديد من أجل أن يطلب فيه الصفح لمن ارتكب أخطاء في حق مواطن آخر في الحقبة التي غابت في العدالة وبالتالي تصالح شعب الجنوب أفريقي مع نفسه لتبدأ حقبة التنمية علي الأصعدة الثلاث الاقتصادية والسياسية و الاجتماعية.

وعلى ضوء ما تقدم يمكن استخلاص عدد من الدروس المستفادة من التجارب المذكورة في هذه الدراسة وأهمها ما يلي :

1- أن عنصر الزمن تم اختصاره وحدث تقدم في فترة زمنية قصيرة للغاية تختلف عما كان يحدث في السابق. بما يعني أن تعزيز الاتصال بين الديمقراطية والتنمية يمكن أن يتم في فترات زمنية أقل مما كانت عليه سابقاً.

2- أن كل التجارب المتعلقة بالتحول الديمقراطية والتنمية في البلاد النامية، وإن لم يكتمل نضجها في بعض الدول، إلا أنها نجحت في أن تعبر عن ذاتها كونها ديمقراطية محلية المنشأ أو نابعة من الداخل، ما جعل جميع الأطراف الساعين نحوها يقبلون بكل تقلباتها، طالما ساعدت على تحقيق التنمية الاقتصادية أو على أقل تقدير السير في طريق تحقيقها ( حالة جنوب أفريقيا).

3- لقد أثبتت التجربة أن الدول التي تنجو فقط من التناحر والتقاتل ولا تحقق التنمية تعود أدراجاً لهذا التقاتل مرة أخرى، وفي الوقت الذي تتخلص فيه الدول من الفقر والجهل والبطالة عندما تمتلك مؤسسات اقتصادية تتميز بالكفاءة والفاعلية، تنطلق نحو التعددية السياسية.

4- إن العلاقة بين الديمقراطية والتنمية في الدول النامية، لا تنفرد بخصوصية معينة ولكنها كيف نجحت دول مثل الهند مثل كوريا مثل اندونيسيا جنوب أفريقيا.

5- إن التحول الديمقراطي في دولة ما يشجع على التحول الديمقراطي في دولة أخرى كما يصفه البعض بكرات الثلج التي يتزايد حجمها كلما تدحرجت.

6- تمثل التنمية الملاذ الأول والأخير لنهوض الأمم والمجتمعات، وذلك على ضوء أن قضايا التنمية والإصلاح السياسي مترابطة ومتصلة، وأن تحقيق التنمية دون أن يصاحبها ديمقراطية أو العكس بمثابة السير بقدم واحدة.

7- يشترط لتحقيق الديمقراطية توافر المقومات الأساسية التالية: إقرار الحقوق والحريات السياسية والمدنية. والاعتراف بالتعددية السياسية في المجتمع بكل ما يترتب عليه من نتائج. وإقرار مبدأ سيادة القانون، ودولة المؤسسات، واستقلال السلطة القضائية. وتداول السلطة من خلال انتخابات دورية حرة تجسد نتائجها إرادة الناخبين ( حالة كوريا الجنوبية).

8- أثبتت التجربة أن تطوير مفهوم سليم للديمقراطية يتطلب التأكيد على أن تحقيق الديمقراطية السياسية لن تتحقق ما لم تتحقق الديمقراطية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي أيضاً، وذلك أن الحقوق السياسية المتساوية لا يمكن أن تؤدى وحدها إلى تمتع الأفراد بقوى سياسية متساوية مادام هؤلاء الأفراد غير متمتعين بحقوق وقوى اقتصادية متكافئة.

المصدر
إبراهيم العيسوي، التنمية في عالم متغير دراسة في مفهوم التنمية ومؤشراتها، منتدى العالم الثالث مكتبة مصر 2020، دار الشروق، الطبعة الأولى، القاهرة، 2000، ص37و38.إبراهيم عوض، الديمقراطية في العالم وفى مصر، جيردة الشروق، 27 فبراير 2016، إيمان أحمد، قراءات نظرية: الديمقراطية والتحول الديمقراطي، المعهد المصري للدراسة السياسية والاستراتيجية، دراسات سياسية، 5مارس، 2016، ص8الأمم المتحدة، الديمقراطية والتنمية : دور الأمم المتحدة، المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، ورقة نقاش، سبتمبر ، 2013، ص17- 21حاتم محمد محسن، العلاقة بين الديمقراطية والتنمية–ايهما شرط مسبق للآخر؟، شبكة النبأ المعلوماتية، 12 ديسمبر2015حازم حسانين محمد، دور الاستقرار السياسي والاقتصادي في تحقيق التنمية المستدامة في إفريقيا ( حالتي جنوب أفريقيا ومصر)، مجلة رؤى أفريقية، مركز الدراسات الإفريقية للبحوث والدراسات، مايو ، 2017، ص21 و22.رامز جمال أسعد، اثر الأحزاب السياسية على التحول الديمقراطي في مصر”2013-2015″، دراسات بحثية، المركز العربي الديمقراطي رضوان بروسي، جدلية العلاقة بين الديمقراطية والتنمية نحو مقاربة غير معيارية، مجلة المستقبل العربي، المجلد 35، العدد 409، لبنان، 2013، ص3. سايح بوزيد، دور الحكم الراشد في تحقيق التنمية المستدامة بالدول العربية حالة الجزائر، رسالة دكتوراه، كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير والعلوم التجارية، جامعة أبو بكر بلقايد – تلمسان- الجزائر، 2013، ص 503 عبد الغفار شكر، الديمقراطية التي نسعى إليها فى مصر، الأهرام، 19 أغسطس 2017، عبد اللطيف عطية جوده وياسمين أحمد جبر، الحكمُ الرشيدُ وإنجازُ التنميةُ المستدامة، ورقة بحثية قدمت للمؤتمر العلمًي الدولًي الثالث لكليٌة الدراسات الاقتصادٌية والعلوم السٌياسٌية بعنوان " دور الدولة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة في مصر في ظل التحديات السياسية والاقتصادية الراهنة " ، جامعة الإسكندرية، 2017.عمار على حسن، جدلية العلاقة بين الديمقراطية والتنمية، مجلة الديمقراطية ،13 أغسطس 2014عميرة محمد أيوب ومالكي رتيبة، تأثير التحول الديمقراطي على الاستقرار السياسي في الجزائر، مذكرة لنيل شهادة الليسانس، كلية العلوم السياسية، جامعة بسكرة ورقلة، الجزائر، 2012-2013، ص13 المنظمة العربية لحقوق الإنسان، التنمية والديمقراطية وتطوير النظام الاقليمي العربي، بحوث ومناقشات الندوة العالمية حول التنمية والديمقراطية وإصلاح النظام الإقليمي العربي، جامعة الدول العربية، 9-10 مايو 2013، ص88 على عبد القادر على، التنموية والديموقراطية في الدول العربية، المعهد العربي للتخطيط، سلسلة لقاء الخبراء، العدد رقم 27، الكويت، 2007، ص29. محمد حسن دخيل، أنظمة الحكم في الوطن العربي دراسة مقارنة، دار مكتبة البصائر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، المغرب، 2014، ص137. مساعدي فاطمة، التحولات الديمقراطية في أمريكا اللاتينية : نماذج مختارة، دفاتر السياسة والقانون، عدد أبريل، الجزائر، 2011، ص17. مقدم عبيرات وعبد العزيز الأزهر، التنمية والديمقراطية والعولمة، مجلة العلوم الإنسانية، العدد الحادي عشر، جامعة محمد خيضر بسكرة، الجزائر، 2007، ص6.مينا إسحاق طاليوس، التحول الديمقراطي في كوريا وأثره في تغيير السياسة الخارجية، المكتب العربي للمعارف، ص9 الأمم المتحدة، مرجع سابق، ص7نزيه نصيف الأيوبي، الدول المركزية في مصر، محور المجتمع والدولة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1989. وإسماعيل نور الربيعي وأخرون، الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة ، مشروع دراسات الديمقراطية في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، 2005،ص437. نورهان أحمد قطامش، أثر التعددية الحزبية على التحول الديمقراطي في كوريا الجنوبية، المركز العربي الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية، الاقتصادية والسياسية، يونيو، برلين، 2017 عاطف السعداوي، روافد الاستبداد في الثقافة المصرية وحدود الديمقراطية المنتظرة، مشروع دراسات الديمقراطية في الوطن العربي، الطبعة الاولى، بيروت، 2005، ص438. على عبد الوهاب نجا، أثر عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي في النمو الاقتصادي في مصر خلال الفترة (1990-2012)، بحوث اقتصادية عربية، العددان /٧٣ – ٧٢ خريف - ٢٠١٥شتاء 2016.، ص8 هدير شحاته وأحمد سرور، تجارب التنمية .. كوريا الجنوبية نموذجاً، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، 1يناير ،2017 Andrea Westall, The Relationship between Democracy and Sustainable Development, Foundation For Democracy and Sustainable Development, May ,2015,p7.KIZITO SIKUKA, Is there a link between Democracy and Development in Africa? The African Centre for the Constructive Resolution of Disputes, October, 2017.

اقتصاديات محرمة.. كيف تؤثر تجارة المخدرات على الاقتصاد والتنمية المستدامة؟

تجارب دولية..المشروعات الصغيرة والمتوسطة في تحقيق التنمية الاقتصادية

عرض كتاب «ركل السلم بعيداً»: استراتيجيات التنمية والتطور قديماً وحديثاً

الإعاقة والتنمية المستدامة في مصر.. ماذا بعد قانون الإعاقة الجديد؟

إغلاق