بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةدراسات

الأداة التمويلية في السياسة الخارجية للإمارات

الوسوم

تعد دولة الإمارات من أبرز القوى الصاعدة في إقليم الشرق الأوسط، وربما تكون أبرز قوة مالية صاعدة في العالم خلال هذه الفترة، وتعد الإمارات “دولة صغيرة” بمعايير العلوم السياسية، وتعتمد هذه النوعية من الدول على توظيف الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية في السياسة الخارجية بدلا من الأدوات العسكرية .

وتعضد حالة التشابك الدولية من فرص الدول الصغيرة في ممارسة أدوار دولية أكثر تأثيرا عن ذي قبل، نظرا لأن هذه الحالة التشابكية أدت إلى تغيير عناصر مفهوم ” القوة” نفسها، وأصبحت تعتمد على بعض المحددات الجديدة مثل درجة النفاذ والمركزية بين الشبكات المختلفة، عوضا عن المحددات التقليدية للقوة مثل حجم الدولة والقدرات العسكرية والاقتصادية وغيرها من العوامل.

وفي هذا السياق نحاول في هذه الورقة تحليل استخدام الإمارات للأدوات التمويلية على وجه الخصوص في سياستها الخارجية، والوقوف على مدى نجاح هذه السياسة في تحقيق أهداف ومصالح السياسة الخارجية لدولة الإمارات، ما سنحاول استنتاجه من خلال تقسيم هذه الورقة لمحورين رئيسيين؛ الأول يتناول بشكل موجز أبرز أهداف السياسة الخارجية الإماراتية ومبادئها، ثم ننتقل في المحور الثاني لنتناول أشكال التوظيف الإماراتي للأدوات التمويلية في سياستها الخارجية، ما يمهد للحُكم على مدى نجاح الإمارات في توظيف الأدوات الاقتصادية في خدمة أهداف سياستها الخارجية.

أولا- أهداف ومبادئ السياسة الخارجية الإماراتية:

وفقا لأنور قرقاش وزير الشؤون الخارجية الإماراتي يعد المكون الاستثماري والاقتصادي عنصرا أساسيا في توجهات الإمارات الخارجية، ويرتبط “عضويا” بالبُعد السياسي، وذكر الوزير في كلمته بمناسبة اليوم الوطني الـ 44 لدولة الإمارات أن أهداف السياسة الخارجية تتمثل في حماية الإمارات من التهديدات الخارجية، علاوة على إعادة الاستقرار إلى منطقة الشرق الأوسط وتحويلها إلى بيئة اقتصادية ناجحة.

وعن مبادئ السياسة الخارجية الإماراتية، ذكر الوزير أن على رأسها مواجهة الأفكار المتطرفة وأسبابها الجذرية، من خلال مواجهة جماعات الإسلام السياسي، وتعتمد الإمارات على التنسيق مع الدول الغربية في مواجهة هذه الجماعات، كما نصت كلمة الوزير على احتواء السياسة الخارجية الإماراتية على مبادئ تنمية التجارة الخارجية ومواكبة هموم التنمية الإنسانية في العالم .

 ويمكن القول إن الكلمات السابقة عكست توجهات السياسية الخارجية الإماراتية بصفة عامة، وتتمثل هذه التوجهات في دعم النظام الإماراتي من خلال مواجهة الجماعات والدول غير الراضية عن الوضع الحالي، وتكثيف الاعتماد الإماراتي على الأدوات الاقتصادية في سبيل تحقيق هذه الأهداف، وتعد مواجهة تيارات الإسلام السياسي هي البوصلة الرئيسية للسياسة الإماراتية.

كما تحرص الإمارات توظيف الأدوات الاقتصادية في تعزيز مكانتها الدولية، وتعزيز علاقتها بالدول الكبرى في العالم، فضلا عن تكوين تحالفات في بعض الدول التي تعد مسرحا للصراعات في الشرق الأوسط، وتعتبر الإمارات من أكثر الدول التي تعتمد على الأداة الاقتصادية في سياستها الخارجية، فهو التميز النسبي للدور الإماراتي في النظام الدولي.

وبدأت الإمارات في تكثيف الاعتماد على الأداة الاقتصادية مع تغيير النخبة الحاكمة عقب وفاة الشيخ زايد مؤسس الدولة، حيث استهدفت النخبة الجديدة ممارسة دورا إقليميا مؤثرا، وغيرت من توجهات الدور الخارجي للإماراتي لصالح دورا أكثر تدخلا في أوضاع الإقليم، خاصة عقب أحداث الربيع العربي، لذا أخذت في تقديم الدعم المالي لحلفائها الدوليين والإقليميين، وتنوعت وسائل وأشكال هذا الدعم خلال هذه الفترة، ما سنتناوله بشكل أكثر تفصيلا في المحور التالي.

ثانيا- تحليل استخدام الأداة الاقتصادية:

تعددت أشكال استخدام الإمارات للأدوات المالية والاقتصادية، وفقا لطبيعة الطرف الثاني المتلقي للتمويل، ونجد أنها انقسمت للأشكال الأتية:

1-تمويل العمليات العسكرية:

بسبب صغر قوتها العسكرية النسبية التي تمنعها من الانخراط في أكثر من نزاع مسلح في الإقليم بشكل متزامن، فضلا عن تجنبها التورط المباشر في أحد النزاعات– باستثناء اليمن-، وبسبب تزايد الانخراط العسكري للدول الكبرى في الإقليم، وانتشار عمل الميليشيات المسلحة؛ لجأت الإمارات إلى تقديم الدعم والتمويل العسكري للاثنين، ومن أبرز نماذج هذا التمويل ما يلي:

أ. تمويل بعض القوى العسكرية الليبية:

أظهرت وثائق تابعة لمجلس الأمن الدولي قيام دولة الإمارات بتمويل بعض عمليات الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، فضلا عن تقديم الدعم اللوجيستي لبعض حلفائها الداخليين في ليبيا، وأشرفت الإمارات على عمليات نقل الأعتدة والذخائر إلى الداخل الليبي، ورصدت تقارير مجلس الأمن الدولي وجود شبكة كبيرة تقوم من خلالها الإمارات بتقديم الذخائر والأليات العسكرية بينها مدرعات لنقل الأفراد وبعض المساعدات الإنسانية إلى الداخل الليبي، وكان من أبرز هذه الشحنات قيام الإمارات بإرسال 93 من ناقلات الأفراد المدرعة و 549  من المركبات، وتمت هذه العمليات في ظل الحظر الدولي المفروض على نقل السلاح لليبيا، وعلى صعيد أخر قدمت الإمارات 58 طائرة مقاتلة من طراز ميراج 2000 إلى حكومة ما بعد القذافي، وكذلك أكثر من 13 ميون دولار إلى ليبيا.

كما ادّعت الحملة الدولية لمقاطعة الإمارات أن الأخيرة دفعت أكثر من 760 مليون دولار بين عام 2015 و2017 موزعة على حركات وجماعات إرهابية مسلحة في سوريا وباكستان وليبيا والصومال ومصر وأفغانستان وغيرها، ولم يتسن لنا التأكد من مدى صحة هذه البيانات.

ب. تمويل عمليات فرنسا:

كنموذج ثاني لشكل تمويل العمليات العسكرية، تلجأ الإمارات إلى تمويل بعض العمليات التابعة للقوى الغربية ولقوات التحالف الدولي بغرض استمالة هذه الأطراف، وضمان عدم وقوفها حائلا أمام بعض المصالح الإماراتية، وأعلنت الإمارات مساهمتها بـ30 مليون دولار أمريكي لصالح العمليات العسكرية الفرنسية في منطقة الساحل الأفريقي، ليبدو بشكل واضح أن فرنسا ستخوض الفصل الجديد من حربها في منطقة الساحل الأفريقي بأموال سعودية وإماراتية، وهو ما اعترف به الرئيس الفرنسي “فرنسوا هولاند”، حيث أكد أنه حصل على دعم مادي يقدر بنحو 400 مليون دولار من ولي عهد أبوظبي؛ بغرض تمويل حرب الجيش الفرنسي ضد إسلامي مالي .

كما مولت الإمارات الأنشطة والعمليات الفرنسية في ليبيا، وكشفت المخابرات الفرنسية عن تنسيقها القوي مع الإمارات بواسطة السفير الليبي في أبو ظبي، وتملك باريس علاقات وثيقة مع المليشيات في الزنتان، ومن أبرز قادة الميلشيات التي تعاملت معهم المخابرات الفرنسية هو عثمان مليقطة، قائد كتيبة «لواء القعقاع»، إحدى أكبر الميلشيات المسلحة المحلية، وسبق وأن كلفها المجلس الانتقالي السابق بمهمة تأمين الشوارع والأحياء ، ويجدر الإشارة إلى مساهمة الإمارات في عمليات حلف الناتو إبان الثورة الليبية في 2011.

ويمتد التمويل الإماراتي لمثل هذه الأنشطة في منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة، وفي سوريا على سبيل المثال قامت أبو ظبي خلال عام  2013 بتزويد سوريا ببعض الأسلحة الصاروخية وتقنيات الاتصالات الحديثة، كما ساهمت في إنشاء قاعدة محمد نجيب في الصحراء الغربية المصرية.

2-دعم اقتصاد الحلفاء:

يتمثل الشكل الثانية لاستخدام الأداة المالية الإماراتية في القيام بدعم الميزانية العامة لأقرب حلفاؤها، حرصا على بقاء النظام الحاكم في هذه الدول، والذي بالضرورة تجمعه مع الإمارات بعض التوجهات والمصالح المشتركة، وأبرز مثالين على هذا الشكل هو تقديم الإمارات للدعم المالي لكلا من مصر والأردن.

واستقبلت مصر وحدها من الإمارات حوالي 14 مليار دولار في شكل قروض ومنح واستثمارات في الاقتصاد المصري منذ 30 يونيو وحتى عام 2015 فقط، وتوزع هذا المبلغ بين منحة قيمتها مليار دولار، ووديعة بقيمة ملياري دولار، و4.9 مليار دولار لإقامة مشاريع خدمية، إضافة إلى تمويل شراء كميات من الوقود لتأمين احتياجات مصر من الطاقة حتى 2015، كما مولت الإمارات بعض  المبادرات والمشروعات المتنوعة بهدف تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مصر، فوفقًا للبنك المركزي المصري تحتل دولة الإمارات العربية المتحدة المركز الأول من حيث الاستثمارات العربية المباشرة الموجودة بمصر، بقيمة 401.2 مليون دولار، وبحسب مسؤولين إماراتيين فإن بلادهم قدمت لمصر أكثر من 14 مليار دولار حتى 2015.

كما قدمت الإمارات للأردن منحة بقيمة 1,25 مليار دولار ضمن البرنامج الخليجي لدعم الأردن خلال الفترة من 2011:2015، وبلغت قيمة الاتفاقيات والبرامج التي تم اعتمادها مع صندوق أبو ظبي للتنمية لتمويل المشاريع التنموية الأردنية ذات الأولوية من هذه المنحة 783,47 مليون دولار للأعوام 2012-2016، وتخطت الاستثمارات الإماراتية في الأردن تبلغ أكثر من 15 مليار دولار، وهذا يدل على عمق العلاقات الثنائية بين البلدين.

3-استقطاب جماعات الضغط ووسائل الإعلام:

يتم استخدام الأداة المالية من قبل الإمارات أيضا في استقطاب أعضاء جماعات الضغط في الديمقراطيات الغربية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، علاوة على محاولة التأثير في تشكيل الرأي العام لدى بعض الدول الأخرى، ومن أبرز الأمثلة على هذا الشكل ما يلي:

أ. ليبيا: أنفقت أبوظبي على منابر إعلامية ليبية بغية تبني توجهاتها والتأثير في الرأي العام الليبي، ووصل إجمالي ما أنفقته الإمارات في هذا الصدد حوالي 74 مليون دولار بحسب بعض الدراسات، وأوردت الدراسة، بحسب موقع “إمارات 71″، أن هذا المبلغ قد تم انفاقه على 7 منابر إعلامية ليبية وهي بوابة الوسط، وراديو الوسط fm، وصحيفة ليبيا الحدث، وبوابة أفريقيا الإخبارية، وقناة 218، وقناة ليبيا 24، وقناة ليبيا روحها الوطن”HD”، وأشارت نفس الدراسة إلى أن بوابة وراديو الوسط الإخبارية تابعة لليبرالي الليبي المعارض لنظام القذافي “محمود شمام” وتتخذ من القاهرة موقع رئيسيا لها، وتلقت هذه الجهة ما يناهز 5 ملايين دولار من قبل الإمارات بحسب نفس الدراسة.

4-أمريكا:

يتكثف الانفاق الإماراتي في الولايات المتحدة الأمريكية، بغية التأثير في شبكات الضغط الأمريكية، ومحاولة استمالة السياسيين الأمريكيين، ووفقاً لشبكة “ان بي سي” الأمريكية، فان الإمارات دفعت نحو 333 الف دولار لإحدى شركات البيانات بغرض تشويه سمعة قطر وتنظيم حملة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال 2017 وربطها بالإرهاب، وتعد هذه الشركة من أحد الشركات التي دعمت حملة ترامب الانتخابية، ودخلت دائرة اهتمام المحقق الأمريكي في قضية التدخل الروسي بالانتخابات الرئاسية الأمريكية.

كما أعلن مدير عام «مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية» (كير) عن تمويل الإمارات لحوالي 33 منظمة معادية للإسلام في الولايات المتحدة،، وتنفق هذه المنظمات حوالي 60 مليون دولار سنويا على الأقل لترويج حملات الإسلاموفوبيا، مبينا أن هذا المبلغ تم تقديره حسب بيانات الضرائب التي تدفعها المنظمات المذكورة للدولة.

وترتبط الإمارات في الوقت الراهن بعقود سارية مع 13 مجموعة ضغط أمريكية على الأقل، وفقًا لبيانات وزارة العدل، وتهيمن “مجموعة كامستول” (Camstoll group) على معظم عمليات الضغط الإماراتية بعقد بقيمة 6.5 مليون دولار، تليها مجموعة “هاربر” (Harbour) بعقد قيمته 4.5 مليون دولار، وأظهرت الوثائق المسربة من البريد الإلكتروني للسفير الإماراتي في واشنطن عن التعاون الإماراتي مع مؤسسة “الدفاع عن الديمقراطيات” (FDD)، وهي مجموعة بحثية ومؤسسة ضغط تنتمي إلى تيار المحافظين الجدد ومقربة من إسرائيل.

وتستميل الإمارات بعض مراكز الأبحاث الأمريكية كجزء من سياستها، ومنها معهد دراسات الشرق الأوسط ومركز التقدم الأمريكي ومعهد أسبين ومعهد شرق غرب ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، علاوة على دعم بعض الكتاب الأمريكيين القريبين من اللوبي الإسرائيلي والمحافظين الجدد، من أمثال “إيلي لايك” من مجلة “ديلي بيست”، و”ألانا غودمان” من مجلة “فري بياكون”، و”إليوت إبرامز” أحد أهم المستشارين السياسيين السابقين في الأوساط المحافظة ، و”جينيفر روبين” من “واشنطن بوست”، و”مايكل روبن” من معهد “أميركان إنتربرايس”،وكانت الوثائق المنشورة عن هذه التبرعات في نهاية عام  2014قد كشفت عن دعم الإمارات لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، والتي قدمت له أكثر من مليون دولار أمريكي للمساعدة في بناء مقرّ المركز الجديد ويقع مقره بشكل قريب من البيت الأبيض.

كما تراعي دولة الإمارات الأبعاد الإنسانية في الانفاق داخل الولايات المتحدة، ورصدت ورقة بحثية تابعة للكونجرس الأمريكي عن قيام الإمارات بتقديم بعض المنح للولايات المتحدة لأغراض إنسانية خلال الأعوام القليلة الماضية، منها 150 مليون دولار تبرعا لأحد مراكز السرطان، و100 مليون تبرعات من الحكومة الإماراتية مع إعصار كاترينا، و150 أخرى لصالح أحد مراكز العناية الطبية بالأطفال، وغيرها.

5-المساعدات الخارجية والاستثمار:

تحتل الإمارات المرتبة الأولى عالميا بين الدول المُقدمة للمساعدات الخارجية، ويليها الدول الاسكندنافية، وذكرت بيانات الحكومة الإماراتية أن اجمالي ما أنفقته في مجال المساعدات الخارجية هو 25.74 مليار دولار خلال 2014-2016، منها ما يزيد عن 15 مليار دولار في عام 2016.

وبإلقاء الضوء على الخريطة الجغرافية للمساعدات فإننا نجد بعض المؤشرات الهامة، أولها هو أن ما يتخطى 50% من هذه المساعدات قد تم تقديمها لدول شمال أفريقيا بما يزيد عن 3 مليار دولار، تليها منطقة غرب أسيا بقيمة 2 مليار دولار تقريبا، أي تنفق الإمارات ما يعادل 5 مليار دولار من أصل عام 6.05 مليار دولار بنسبة 82.7% تقريبا في منطقة الشرق الأوسط وحدها، والمُلفت هو أن الوجهة الثالثة للمساعدات الإماراتية هي منطقة جنوب أوروبا، وهي منطقة لا تعاني من مشكلات إنسانية مقارنة ببعض الأقاليم الأخرى، ويؤكد باقي ترتيب الوجهات ذلك، و جاء إقليم كشرق أفريقيا على سبيل المثال في المرتبة الثالثة، بينما جاء جنوب أسيا رابعا، وهو ما يشير الى سيطرة المحدد السياسي على هيكل المساعدات الخارجية الإماراتية.

شكل (1): التوزيع الجغرافي للمساعدات الإماراتية

المصدر: تقرير المساعدات الخارجية الإماراتية 2016، وزارة التعاون الدولي الإماراتية

والجدير بالذكر أن هذه المساعدات يمكن أن نضيف عليها بعض الحزم المالية الأخرى، ونعني الصادرة عن الجهات المانحة غير الجهات الرسمية لدولة الإمارات، فهناك بعض الجهات المانحة التابعة للنخبة الحاكمة في الإمارات، وكذلك المساعدات الإنسانية الطارئة أو التبرعات الخيرية.

أما على صعيد الاستثمار، فيتضح مدى تحكم الحكومة الإماراتية في وجهة الاستثمارات الخارجية من خلال استحواذها على صناديق الثروة السيادية، والأخيرة تملك نحو 75% من الأصول الخارجية لدولة الإمارات، والتي وصلت إلى 217 مليار دولار خلال العشر سنوات الأخيرة.

وبالنسبة لوجهة هذه الاستثمارات، فتعد منطقة الشرق الأوسط من أبرز الأقاليم التي تتلقي الاستثمارات الإماراتية، ووصلت في مصر إلى 20 مليار دولار، والأردن بنحو 15 مليار دولار، والمغرب 15 مليار دولار والجزائر 10 مليارات دولار، والسودان بنحو 6.5 مليارات دولار، وتونس بنحو 4 مليارات دولار، بالإضافة إلى 2 مليار دولار في ليبيا، و1.5 مليار دولار في الصومال، ومليار دولار في لبنان[1].

أما على الصعيد العالمي تعتبر الهند هي الوجهة الأولى للاستثمارات الإماراتية بقيمة 26 مليار دولار، وتليها الولايات المتحدة بـ 21 مليار دولار، ثم جنوب أفريقيا بـ 6 مليار دولار، ثم روسيا وفرنسا بـ 5 مليار دولار، وألمانيا بـ 1.5 مليار والصين بقيمة 1 مليار دولار.

وبصفة عامة تعتبر الإمارات أكثر الدول العربية المستثمرة بالخارج، ويصل حجم استثماراها إلى 87.5مليار دولار، ولديها 200 شركة تصل أصولها إلى 5 تريليون دولار تعمل في 60 دولة، علاوة على امتلاك 77محطة برية وبحرية ضمن محفظة موانئ دبي العالمية في 40 بلداً.

6-الشراكات التجارية:

يخبرنا أيضا هيكل الشركاء التجاريين ببعض توجهات الانفاق الإماراتي، وجاءت الصين في المرتبة الأولى بين شركاء الإمارات الخارجيين، وتوزعت قيمة التبادل التجاري بين الإمارات والصين بواقع 170.2 مليار درهم إماراتي نهاية العام 2016، مقارنة مع 174.6 مليار درهم في عام 2015، ونحو 175.8 مليار درهم خلال 2014، وجاء بعدها دولة الهند بقيمة 386.4 مليار درهم إماراتي

وعلى صعيد التجارة بين دولة الإمارات والهند، فقد بلغ إجمالي رصيدها خلال السنوات الثلاث الماضية نحو 386.4 مليار درهم، وشهد العام 2016 نمواً جيداً فيها بعدما وصلت قيمتها 131.8 مليار درهم، مقارنة مع 125.8 مليار في العام 2015 و128.8 مليار درهم في العام 2014.

ووصل إجمالي قيمة التبادل التجاري بين الإمارات والولايات المتحدة 312.6 مليار درهم في الفترة من 2014-2016، وقد شهدت ذروتها في العام الأخير الذي قفزت فيه القيمة إلى 111.1 مليار درهم، مقارنة مع 102.2 مليار درهم في العام 2015، ونحو 99.3 مليار درهم في العام الذي سبق.

وحلت المملكة العربية السعودية كرابع الشركاء التجاريين للإمارات وبعدها ألمانيا، كما نشرت بعض التقديرات عن وصول حجم التبادل التجاري بين إيران والإمارات إلى حوالي 30 مليار دولار، وأوضحت الإحصائيات الصادرة من الجمارك الإيرانية أن الإمارات هي أكثر دول العالم تصديرا إلى إيران، وتشكل صادراتها إلى إيران ما يقارب 29 بالمئة من إجمالي مستوردات إيران، وذلك في عام 2014.

7-الموانئ التجارية البحرية:

يعد السيطرة على حركة التجارة الدولية في قلب استخدام الأدوات الاقتصادية لدى الإمارات، وذلك بغرض تعضيد القوة النسبية للإمارات، فهي تعد بوابة واسعة لممارسة النفوذ الدولي، خصوصا في الدول الساحلية الفقيرة والتي لا تمتلك بدورها القدرات اللازمة للاستثمار في حركة النقل البحري، ويأتي هذا التوجه الإماراتي بالتزامن مع ارتفاع التنافس الدولي على حركة التجارة البحرية، ونرى هذا الارتفاع في مختلف النظم الإقليمية، حتى أن البعض يذهب الى أن التنافس الأمريكي-الصيني في منطقة بحر الصين الجنوبي هو من أهم محددات استقرار النظام الدولي.

وتشتد وطأة هذه النوعية من التنافس أيضا في النظام الإقليمي للشرق الأوسط، وتمتلأ سواحل الشرق الأوسط بالقوى العسكرية البحرية لمختلف القوى الدولية والإقليمية، لذا أصبح هاجس مد النفوذ البحري الإماراتي لأكبر مستوى ممكن من أهم أهداف السياسة الخارجية الإماراتية خلال الفترة الحالية، ورصدت بعض التحليلات قيام الإمارات بإضعاف القدرة التنافسية للموانئ الإقليمية القريبة من ميناء جيل علي الإماراتي، ومنها موانئ عدن وبورتسودان وميناء العين السخنة[2]

وفي هذا السياق عملت الإمارات على توسيع استثماراتها في الموانئ البحرية من خلال شركة دبي الدولية للموانيء وغيرها، وتسيطر هذه الشركة وحدها حاليا على 70 ميناء بحري متوزعين حول العالم، منهم 30 ميناء في شبكة دولية ساخنة وتتوزع بين مختلف دول العالم كما هو موضح في الخريطة التالية:

شكل (2): شبكة دبي للموانئ الساخنة

المصدر: الموقع الالكتروني لشركة موانئ دبي

وعلاوة على شركة دبي للموانئ الدولية، فهناك بعض الشركات الأخرى التي تخدم الهدف الإماراتي منها شركة “إس كيه إيه” الإماراتية للطيران والخدمات اللوجستية وهي تدير مطار مقديشو بالصومال، وجميعها تهدف إلى مد النفوذ الجيو استراتيجي للإمارات خصوصا في مناطق اليمن والقرن الأفريقي ومصر.

خاتمة

بعد استعراضنا للاستخدام الإماراتي للأداة الاقتصادية في السياسة الخارجية، نجد أن هناك ثمة نجاح إماراتي في تعضيد نفوذها الإقليمي والدولي باستخدام الأدوات الاقتصادية، وللحق فإن الإمارات قد بذلت جهودا واضحة في سبيل تحقيق هذا الهدف، ما يدل عليه تحول الإمارات إلى الجهة المانحة الأولى بين دول العالم، وكذلك يعكس تنوع أشكال استخدام الأدوات الاقتصادية النهج البراغماتي الذي تتبعه دولة الإمارات.

فنجد إنها فضلت التعاون المباشر مع بعض الجيوش النظامية  في الدول المستقرة نسبيا مثل مثل حالتي مصر وفرنسا، بينما تتجه إلى دعم بعض القوى المسلحة في مناطق الصراعات المشتعلة مثل سوريا وليبيا، كما حاولت في مرات أخرى دعم مراكز التأثير غير الحكومية في الديمقراطيات الغربية، ما وجدناه واضحا في حالة الولايات المتحدة الأمريكية، ونظرا لأن حكومة الأخيرة ليست بحاجة للدعم الإماراتي، لجأت الأخيرة إلى استمالة الجهات المتفقة مع التوجهات الإماراتية، ما رصدناه في دعم الجهات المحسوبة على اليمين المحافظ الأمريكي و اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة.

كما نجد ثمة حرص إماراتي في إحداث نوعا من التوازن بين القوى الدولية في العلاقات الاقتصادية، ما نستنتجه من احتلال الصين لقمة ترتيب الشركاء التجاريين للإمارات، والدعم العسكري المُقدم للعمليات العسكرية الفرنسية في أفريقيا، ويعد كلا من فرنسا والصين أبرز الفاعلين الدوليين في القارة التي تعد محط أنظار الدور الإماراتي خلال المرحلة الحالية.

كما استخدمت الإمارات الأدوات الاقتصادية في بناء شبكة اتصالات دولية بحرية قوية، ما يدل على وجود ثمة توجه اماراتي يهدف إلى ممارسة دورا دوليا أوسع من ذي قبل، وهو الدور الذي يلزمه بناء تحالفات قوية مع أغلب القوى الدولية البحرية، وتجنب إحساس هذه الدول بوجود ثمة تهديد إماراتي على مصالحها، وهو ما يقودنا إلى القول لاتباع الإمارات لسياسة شراء الولاءات بمقابل مادي، وتتنوع هذه الولاءات بداية من القوى الدولية والإقليمية ونهاية بالأفراد العاملين في مجالات التأثير كالمجتمع المدني والإعلام، كما نجحت الإمارات في استغلال حالة التشابك الدولية في مد سيطرتها على الموانئ التجارية، وبذلك قد تكون مساحة تأثير الدور الإماراتي قد تخطت بعض الدول الكبرى في عالم اليوم بالفعل.

 

المصدر
الاستثمارات الإماراتية في الخارج قوى ناعمة تعزز مكانة الدولة عالميا"، البيان الإماراتية، 3/7/عصام الزيات، " موانئ دبي: الاغتيال الإماراتي للأمم"، إضاءات، 27/11/2017Kenneth Katzman, " The United Arab Emirates (UAE): Issues for U.S. Policy", Congressional Research Service, November 2016تقرير المساعدات الخارجية 2016، وزارة الخارجية والتعاون الدولي بدولة الإمارات العربية المتحدةالموقع الإلكتروني لـ " موانئ دبي العالمية الساخنة"

أموال موجهة .. كيف تزايد النفوذ الإماراتي في المنطقة العربية؟

أفق وتحديات نمو النفوذ العسكري الخارجي للإمارات

«ظاهرة الحصار»: خيارات المواجهة المكشوفة

إغلاق