بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتحليلات

«غصن الزيتون».. بين التفاهمات الخفية والمصالح المتبادلة

الوسوم

تشهد الدولة السورية حالة من التكالب الاستعماري تحت مظلة الشرعية الدولية عبر التدخل العسكري لبعض القوى الإقليمية، على رأسها تركيا التي تحاول استغلال حالة الفوضى وعدم الاستقرار لتحقيق أهدافها التوسعية، وفرض نفسها كطرف فاعل في أي تسوية سياسية مقبلة، في ظل انشغال الدول العربية بتحدياتها الداخلية، الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على سيادة الدولة السورية.

أصبح الميدان السوري ساحة للتنافس بين القوى الدولية الإقليمية، تسعى كل منها إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية من خلال تصفية حسابتها مع خصومها، وشعرت تركيا أنها الوحيدة التي لا تزال تعاني تهديدات “حزب العمال الكردستاني” خاصةً مع انحسار النفوذ الداعشي وتحييد عدد من التنظيمات الإرهابية لصالحها، هذا بجانب الدعم الأمريكي المستمر للأكراد، ومحاولة أطراف دولية  تكريس وجود إقليم كردي مجاور لها، من خلال فرض دستور يعترف بالفيدرالية والحكم الذاتي ما يشكل تهديدًا على أمنها القومي.

تسعى الدراسة إلى تسليط الضوء على أبعاد العملية العسكرية في “عفرين”، وشرعية التدخل العسكري، والتحرك الكردي لمواجهة هذه العملية، في سياق توضيح الأهمية الاستراتيجية لـ”عفرين”، ومحفزات التحرك التركي تجاها، وأبرز ردود الفعل الدولية حول العملية، وأخيرًا، التفاهم الروسي التركي حول “عفرين”.

أولًا- أبعاد العملية العسكرية التركية في «عفرين»:

شنت القوات التركية عملية عسكرية كبيرة خارج حدودها الجنوبية أطلقت عليها “غصن الزيتون” في 20 يناير/ كانون الثاني موجهة إلى منطقة “عفرين” الكانتون الكردي الواقع في شمال غرب سوريا، وبدأت الحملة العسكرية التركية، بضربات جوية قامت بها الطائرات الحربية التركية من طراز F-16، لاستهداف مواقع وحدات حماية الشعب الكردية وحلفائها من قوات سوريا الديمقراطية، سبقه قصف مدفعي كثيف واشبتاكات عنيفة، لخلق مجال أمني على عمق 30 كيلومتر.

انطلقت العملية بمشاركة 72 طائرة تابعة لسلاح الجو التركي، ارتكزت ضرباتها على المواقع المحاذية لنقاط التماس في ريفي حلب الشمالي والغربي، ونُفذت الهجمات الأولى من قبل الجيش السوري الحر، لتكون المرة الثانية التي يلعب فيها الجيش السوري دورًا بارزًا في دعم المصالح التركية في شمال سوريا، تمثلت في عملية “درع الفرات” في أغسطس/ آب 2016 لطرد تنظيم “داعش” من مدينة “جرابلس”.

شاركت عدد من الميليشيات المسلحة في التدخل العسكري إلى جانب تركيا المنضوية تحت مسمى الجيش السوري الحر أبرزها؛ ميلشيا “لواء السلطان مراد” وهى نتاج لاندماج مجموعات “لواء السلطان محمد الفاتح”، ولواء “الشهيد زكي التركماني”، ولواء “أشبال العقيدة” مع قوات “السلطان مراد” بدعم تركي كامل، حركة “نور الدين الزنكي” المنفصلة عن “هيئة تحرير الشام” التي تحالف معها، كما أنها تحظى بدعم من أنقرة في ريف حلب، بالإضافة إلى حركة “أحرار الشام” إحدى الجماعات السلفية التي نشأت نتيجة اتحاد كتائب أحرار الشام وحركة الفجر الإسلامية وجماعة الطليعة الإسلامية وكتائب الإيمان، معتمدة في تمويلها على أنقرة وشبكات أخرى عربية.

ثانيًا- شرعية التدخل العسكري التركي:

بررت أنقرة شرعية تدخلها في سوريا وفقًا للمادة (51) من مثياق الأمم المتحدة القاضي بحق الدفاع عن النفس؛ باعتبار أن الهدف التركي من هذه العملية هو إقامة حزام أمني بعمق طوله 30 كم يحول دون وقوع أي هجمات عليها في المستقبل غير أن رئيس الأركان التركي “خلوصي آكار” حدد هدفًا أكثر طموحًا بإعلانه أن “العملية ستستمر حتى يتم تحييد الإرهاب الأخير في منطقتنا”، وتخشى أنقرة من أن تكون النزعات الانفصالية للأكراد دافعًا لـ14 مليون كردي تركي، وتشكل تهديدًا للحدود التركية الجنوبية حيث نشاط “حزب العمال الكردستاني” منذ سنوات.

لم تكن المرة الأولى التي تقوم بها أنقرة بالتدخل العسكري في سوريا؛ فقد شهد الميدان السوري لأول مرة في أغسطس 2016 تدخل عسكري لأنقرة بغطاء جوي من قبل طائرات التحالف الدولي إلى مدينة “جرابلس” الحدودية بحجة تحريرها من التنظيمات الإرهابية، كما استمرت في منع إقامة حزام كردي متنامي على امتداد الحدود التركية السورية الذي يمتد من عفرين إلى القامشلي في شمال سوريا.

تزامن مع هذه التحركات بعد السيطرة على مدينة “جرابلس” تعرض مدينة “الباب” لغارات مكثفة في بداية 2017 لتطويق النفوذ الكردي، واستمرارًا للتدخلات التركية، بدأ الجيش التركي في 7 أكتوبر 2017 شن عملية استطلاع تمهيدًا لإقامة مراكز مراقبة في إطار العملية العسكرية التي تمت في محافظة إدلب بالاعتماد على عناصر فصائل الجيش الحر المنضوية تحت قوات “درع الفرات” التي تهدف لإقامة منطقة رابعة لخفض التصعيد تماشياً مع محادثات أستانا الأخيرة.

ثالثًا- التحرك الكردي لمواجهة التدخل العسكري:

جاء رد الفعل الكردي رافضًا لهذه العملية، ليس هذا فحسب بل رافضًا العرض الروسي بتسليم “عفرين” إلى الدولة السورية لتجنيبهم المعركة مع أنقرة، ما كشف عنه القيادي الكردي في حزب “الاتحاد الديمقراطي” “إبراهيم إبراهيم”، معتبرًا ذلك عدوانًا روسيًا قبل أن يكون تركيًا، محملاً موسكو مسئولية ما يجري في عفرين، فرغم مطالبة الأكراد الدولة السورية بالتدخل لمنع هذا الهجوم إلا أنهم يرفضون عودة المؤسسات الحكومية إلى المنطقة أو تسليمها، الأمر الذي تطالب به دمشق كشرطًا للتدخل.

والجدير بالذكر؛ أن الأكراد في الشمال السوري يتلقون ضربات قاسمة من تركيا تعد الأعنف إلا أنهم يحاولون التصدي لها بكل حزم، فما قام به الأكراد من تقدم في السنوات السابقة لا يُمكن أن يضحوا به في لحظات.

استطاع الأكراد خوض معارك ضارية ضد التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتهم تنظيم “داعش”، وتمكنوا من استعادة “كوباني” الأمر الذي انعكس على تحركاتهم بشكل إيجابي فقد أعلنوا الحكم الذاتي على عدة مناطق في الشمال السوري وهي “عين العرب كوباني والجزيرة وعفرين” بعد خروج “داعش” منها بمساعدة الدعم الأمريكي، كما أنهم تجنبوا الصدام مع الدولة السورية التي أكدت مرارًا رفضها الكامل لنظام الفيدرالي.

وعلى الجانب الآخر؛ أعلنت الدولة السورية شجبها للعدوان التركي على الأراضي السورية، وتحديدًا إطلاق العملية العسكرية في عفرين، كما نفت الدولة السورية أي تنسيق مع أنقرة بشأن هذه العملية.

وهنا لابد من توضيح نقطة مهمة؛ وهي متى تتدخل الدولة السورية لمواجهة العدوان التركي في عفرين؟

يرتبط التدخل السوري بعدد من المحددات تتجلى أبرزها؛ في عدم قدرة سكان المنطقة على مواجهة العدوان، وطلب بشكل صريح من الجيش السوري بالدفاع عن المنطقة، على الرغم من أن عفرين جزء من الأراضي السورية إلا أنه ليس من مصلحة الجيش التدخل بدون موافقة الأكراد لأن الصدام بينهم وبين الجيش سيصب في مصلحة الأتراك.

بالفعل استجابت الدولة السورية لطلب “وحدات حماية الشعب” الكردية السورية بعد شهر من الهجوم التركي على “عفرين”، وأرسلت وحدات شعبية ودعمتها بضباط من الجيش السوري، على دفعات للمساعدة في صد الهجوم.

بعد ساعات من انتشار العسكريين السوريين في عفرين، قصفتها المدفعية التركية من جهة إعزاز غرب سوريا، التي تسيطر عليها القوات التركية والجماعات المتحالفة معها، أجبرتها على التراجع رغم وصولها إلى المدنية، كما هددت تركيا باستهداف أي قوات تدخل إلى عفرين لدعم “وحدات حماية الشعب“.

مثل هذا القصف مرحلة أكثر تعقيدًا في المواجهة المباشرة بين تركيا وسوريا، بعد أن تمكنت القوات التركية والمليشيات التابعة لـ “الجيش السوري الحر”، من تدمير 782 هدفاً للجماعات الكردية، منذ انطلاق العملية حتى الآن، مع  تحييد 1931 مسلحًا، والسيطرة على  103 موقعًا، بينها 75 قرية، و6 مزارع، و20 جبلاً، ومركز ناحية، وتلة استراتيجية، وقاعدة عسكرية.

وفي هذا السياق؛ أعلن نائب رئيس الوزراء المتحدث باسم الحكومة التركية “بكر بوزداغ” عن اجتماعين لوزراء خارجية كل من تركيا وروسيا وإيران في موسكو وآستانة، في 14 و16 مارس/ آذار المقبل.

تأتي هذه الخطوة بعد أيام من مهاتفة “أردوغان” لنظيره الروسي فلاديمير بوتين، والإيراني “حسن روحاني” بحث خلالها تطور الأوضاع في “عفرين”، وشدد خلالها أردوغان أن عملية “غصن الزيتون” لن تتوقف، وستتوسع حسب الحاجة في الشمال السوري.

تزامنت مع تأكيد وزير الخارجية التركي “مولود جاويش أوغلو” أنّ مسألة إخلاء مدينة “منبج” من الوحدات الكردية، والجهة التي ستدير شؤونها، ستكون من أولويات الاجتماع القادم بين تركيا والولايات المتحدة في مارس/ آذار 2018.

رابعًا- الأهمية الاستراتيجية لمدينة «عفرين»:

تعتبر عفرين إحدى المدن الاستراتيجية في محافظة حلب ف،من الناحية الجغرافية؛ تتميز بكونها منطقة جبلية، وتشكل الجسر الجغرافي لوصول المشروع الكردي على البحر المتوسط، وتتألف من اثنين من الكانتونات هما (عفرين والشهباء)، تمثل ولاية شبه كردية، تم إنشاؤها بمشاركة السكان العرب المحليين، التي يحكمها حزب الاتحاد الديمقراطي.

بدأت الدعاية التركية بحملات مضادة على “عفرين”، بسبب استخدام حزب العمال الكردستاني “عفرين” وجبال “آمانوس” الواقعة على طول الحدود الشمالية الغربية بين تركيا وسوريا، كأحد أهم نقاط تمركزه وتسلل مقاتليه لتنفيذ عمليات داخل تركيا.

تخشى تركيا تمكين الأكراد من إقامة جيب قوي لهم في كل من عفرين وإدلب، لأن هذا الكيان الناشئ سيكون مانعًا جغرافيًا وسياسيًا بين تركيا وسوريا من ناحية والعالم العربي من ناحية أخرى، فضلًا عن اتباعه سياسات خارجية معادية لأنقرة من شأنها إثارة الفوضى، وهناك السيناريو الأسوأ المتمثل في تحول هذا الكيان إلى منطقة تدريب للمقاتلين تكون أنقرة وجهة عملياتهم.

خامسًا- محفزات التحرك التركي تجاه منطقة «عفرين»:

جاء التحرك التركي ردا على سياسات الدول الكبرى الفاعلة في الأزمة السورية، علاوة على سياسات الدولة السورية، تجسدت أبرزها في التالي:

1- إعلان الولايات المتحدة عن خطط لتدريب قوة حدودية قوامها 30 ألفًا جندي نصفهم من مقاتلي “قوات سوريا الديمقراطية” في منطقة شمال سوريا، وأثار ذلك غضب “أردوغان” الذي وعد “بخنق” القوة قبل أن تأتي إلى حيز الوجود.

2- استهداف موسكو وقوات تابعة للدولة السورية المليشيات الموالية لأنقرة في مناطق خفض التصعيد، التي تم الاتفاق عليها مع روسيا وإيران في محافظة إدلب، وتتحمل تركيا مسؤوليتها، أدى الهجوم إلى إضعاف موقف أنقرة بشكل كبير في سوريا، كما سبب إزعاجًا لتركيا دفعها إلى إجراء حوار مع السفير الروسي في أنقرة في 9 يناير/ كانون الثاني.

الأمر الذي قوض من سيطرة ونفوذ تركيا في سوريا، لذا جاءت الخطوة بعد شهور من تصريحات “أردوغان”، في 13 يناير/ كانون الثاني بإطلاق عملية عسكرية موسعة في عفرين لتطهيرها من وحدات “حماية الشعب الكردية” الذراع العسكري لحزب “الاتحاد الديمقراطي الكردي”، إذا لم يستسلم عناصرهم للقوات التركية خلال أسبوع واحد بالتزامن مع أعنف قصف تشنه المدفعية التركية على مناطق تابعة لحزب “الاتحاد الديمقراطي الكردي” في الشمال السوري.

سادسًا- أبرز ردود الفعل الدولية حول العملية العسكرية في «عفرين»:

جاءت ردود الفعل الدولية حول هذه العملية ما بين الشجب والإدانة والدعوة لضبط النفس؛ فرغم تأكيد وزارة الخارجية الروسية عن قلقها إزاء العملية العسكرية مؤكدة على وحدة الأراضي السورية، اعتبرت وزارة الدفاع الروسية أن العملية العسكرية في “عفرين”، جاءت نتيجة للاستفزازات الأمريكية، إلا أن القوات التركية دخلت “عفرين” بعد اتفاق مع روسيا، وانسحاب وحدات الجيش الروسي من هذه المنطقة، فضلاً عن اتفاق الكرملين على إبقاء المجال الجوي مفتوحًا للطائرات التركية.

اتسمت الاستجابة الأولية للولايات المتحدة للعملية بفهم حذر يهدف إلى التقليل إلى أدنى حد من التأثير على العلاقة المتوترة مع تركيا، وفي 20  يناير/ كانون الثاني، أكد الجنرال “جوزيف فوتيل” رئيس القيادة المركزية الأمريكية، أن عفرين لم تكن جزءًا من العمليات الأمريكية في سوريا وفقًا لاتفاق خط التفاهم بين الولايات المتحدة وروسيا، وفي 22 يناير/ كانون الثاني، اعترف “جيمس ماتيس” وزير الدفاع الأمريكي أن تركيا لديها “مخاوف أمنية مشروعة”، هو ما برهن عليه وزير الخارجية الأمريكي “ريكس تيلرسون” أن واشنطن “تعترف وتقدر حق تركيا المشروع في حماية مواطنيها من العناصر الإرهابية”.

تسعى واشنطن إلى صرف انتباه الدولة السورية في تأمين حدودها مع الكيان الصهيوني مقابل انشغالها في حربها مع تركيا والجماعات المسلحة وذلك في إطار سياسات الدعم الأمريكي المتواصل لإسرائيل، ورغبة واشنطن في السيطرة على مصادر الطاقة الحيوية في المنطقة حتى لا تكون داعمة للدولة السورية فيما بعد الاستقرار وعمليات إعادة الإعمار.

وفيما يتعلق برغبة تركيا في توسعها نحو “منبج” أوضح قائد القيادة المركزية الأمريكية أن واشنطن لن تخطط لسحب قواتها المتمركزة قرب المدينة التي يقدر قوامها نحو ألفي جندي رغم التحذيرات التركية بنقلهم، ما يعني أن صمت واشنطن على ما تقوم به تركيا ما هو إلا استنزاف استراتيجي غير مباشر لإضعاف القوات التركية.

وفي هذا الإطار؛ أعرب “الاتحاد الأوروبي” عن قلقه إزاء حالة المدنيين على الأرض وإمكانية حدوث أزمة إنسانية جديدة، وكانت العملية موضوعًا للدورة الاستثنائية في مجلس الأمن الذي دعا إليها وزير الخارجية الفرنسي،  على الرغم من أنها لم تصدر أى بيان رسمي حول هذه القضية، فيما أعربت طهران عن قلقها إزاء العملية العسكرية داعية أنقرة إلى إنهاء عملية “غصن الزيتون” بشكل عاجل، في المقابل؛ رفضت الخارجية المصرية العمليات العسكرية معتبرة إياها “انتهاكا جديدا للسيادة السورية”.

وفي هذا السياق؛ اعتبر الأمين العام لـ”حلف شمال الأطلسي” “ينس ستولتنبرغ” إن من حق تركيا أن تدافع عن نفسها لكن “بشكل متكافئ ومدروس. موضحًا أنها أبلغت الحلف بعمليتها، رغم أن تركيا ثاني قوة عسكرية في الناتو بعد واشنطن إلا إنه لم يشارك بشكل مباشر، لكنه عزز من دورها عبر نشر بطاريات باتريوت المضادة للصواريخ في جنوب البلاد، إلى جانب طائرات استطلاع من طراز “أواكس”.

سابعًا- التفاهم الروسي التركي حول العملية العسكرية في «عفرين»:

على الرغم من أن روسيا ليست الفاعل الوحيد في الأزمة السورية إلا أن تركيا حاولت كسب ودها وإجراء تفاهمات معها للقيام بهذه العملية على ضوء تفاهمات عملية “درع الفرات” لتحرير “جرابلس”. تنتهج موسكو سياسة معتدلة تجاه سوريا تسعى إلى وحدة الأراضي السورية دون الانحياز إلى أي فصيل على حساب المصلحة الوطنية للدولة السورية، في مقابل الولايات المتحدة الأمريكية التي تزاحم الدور الروسي في سوريا من خلال دعم الفصائل الكردية وبعض المليشيات العسكرية لحماية مصالحها دون النظر إلى مصالح الدولة السورية.

حرصت القيادة التركية على موافقة موسكو بشكل فعلي على التدخل العسكري في عفرين بعد عدد من اللقاءات الرسمية جمعت المسئولين الروس والأتراك قبل أيام من بدء العملية، تجلى ثمار هذه اللقاءات في نقل القوات الروسية المتمركزة في “عفرين” قبل اندلاع الأعمال العدائية، ومنحت الإذن للقوات الجوية التركية بالعمل في المنطقة، كما وافقت على استبعاد الحزب الديمقراطي الكردستاني من المؤتمر الوطني السوري المقرر عقده في 29 يناير/ كانون الثاني 2018 في سوتشي، وهذا على عكس ما قامت به مع الولايات المتحدة الأمريكية الأمر الذي عبر عنه وزير الدفاع الأمريكي “جيم ماتيس” في 21 يناير/ كانون الثاني في أن تركيا، على النقيض من تنسيقها الوثيق مع روسيا، كانت مضطرة لمجرد إعلام الولايات المتحدة بضرباتها الجوية الوشيكة.

وهذا يثير تساؤل مهم حول دوافع موسكو لإجراء هذه التفاهمات مع أنقرة؛ واستطاعت موسكو تحقق أهدافها في سوريا بكفاءة وفعالية، وتسعى إلى الانطلاق لخطوة أكثر تقدمًا خاصة على المستوى السياسي، من خلال وضع صيغة للاتفاق السياسي بين الرئيس الأسد وجزء من المعارضة المسلحة خلال المؤتمر الوطني السوري في سوتشي المقرر إنعقاده في 29 يناير/ كانون الثاني 2018. فمن ناحية، فإن هذه الصيغة ستستفيد من الميزة العسكرية التي حققها الأسد في الحرب، ومن ناحية أخرى، ستضفي الشرعية على دور روسيا بوصفها لاعبًا رئيسيًا في سوريا.

تتمنى موسكو من خلال هذه العملية أن تتخلص من قوات سوريا الديمقراطية والمليشيات التابعة للأكراد، فقد استخدمتهم في التخلص من داعش واليوم تريد إزاحتهم من المشهد السياسي للقضاء تمامًا على المشروع الكردي في تكوين فيدرالية تتمكن من الوصول إلى كردستان العراق وتوصلها بالبحر المتوسط.

تأتي المرحلة الأهم وهي جني موسكو لثمار تدخلها في سوريا حيث تزامن مع الموافقة الروسية الضمنية لأنقرة بالتدخل في عفرين، وحصول شركة “غازبروم” على تصريح رسمي لبناء فرع ثاني من خط أنابيب الغاز التركي في المنطقة الاقتصادية التركية للبحر الأسود، ويعد هذا الاتفاق ذو أهمية استراتيجية بالنسبة لروسيا لأنه سيوفر طريق تصدير آخر للغاز الروسي إلى الأسواق الأوروبية كبديل للعبور عبر أوكرانيا.

تكشف هذه التحركات عن جوهر المقايضات غير المعلنة بين روسيا وتركيا التي قد تنحصر في تقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ بين القوى الإقليمية–طهران وأنقرة- برعاية دولية– روسيا- تتجلى في تسليم إدلب وعفرين لأنقرة لتطويق النفوذ الكردي وتأمين حدودها الجنوبية لتخفيف حدة الصراعات التي تقع على كاهل موسكو في سوريا، مقابل إطلاق يد طهران في الجنوب خاصة في المناطق التي تتواجد فيها قوات لحزب الله.

ففي سياق العملية العسكرية التركية في “عفرين” تستمر أنقرة في إنشاء نقاط المراقبة في منطقة حفض التصعيد في إدلب، التي بلغ عددها 6 نقاط مراقبة من أصل 12 نقطة منذ 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2017، وحتى فبراير/ شباط 2018، وذلك وفقًا لاتفاق أستانة مع روسيا وإيران في سبتمبر/ ايلول 2017.

لم تكن المرة الأولى التي يتم فيها التعاون العسكري بين موسكو وأنقرة، فقد شاركت 8 مقاتلات تركية من طراز إف 16، بالتعاون مع أربع مقاتلات روسية من طراز سو 24 وأربع أخرى من طراز سو 25 وقاذفة من طراز سو 34، في توجيه ضربات عسكرية لـتنظيم “داعش” في إطار عملية “درع الفرات”، كما ساند سلاح الجو الروسي أنقرة في السيطرة على الجزء الشمالي من محافظة “إدلب” على طول 120 كيلومتراً وبعمق 30-40 كيلومتراً داخل الأراضي السورية.

ختامًا؛ تمثل عملية “غضن الزيتون” تمهيدًا لعملية أكثر اتساعًا في الشرق السوري خاصةً تجاه منطقة منبج التي يتمركز فيها الأكراد، ولكن من الصعب التوقع بمآلات هذه العملية نتيجة تواجد القوات الأمريكية، حيث أن تركيا تتحرك في إطار التفاهم الروسي والمواقفة الضمنية من بعض القوى الإقليمية في ظل المعارضة الأمريكية، لذا فما زالت التحركات التركية محفوفة بالمخاطر فواشنطن لن تستمر في صمتها طويلًا فيما يتعلق بالأكراد ما دام الحراك في الميدان السوري يدار من قبل وكلاء، لذا فإن الحقيقة الوحيدة الآن هي أن تركيا لن تتراجع عن ما قامت به، بل أن الإشكالية الآن في مدى الاستمرارية.

تعد الحرب في عفرين حربًا بالوكالة بين قوات غير نظامية تدعمها القوات التركية الأمر الذي سينعكس بشكل عميق قد يؤدي إلى إطالة أمد هذه الحرب واستنزاف القوات التركية في ظل الطبيعة الجبلية لعفرين، بالإضافة إلى إمكانية تنفيذ بعض الجماعات المرتبطة بالأكراد عمليات انتقامية في الداخل التركي، ما قد يؤدي إلى تراجع شعبية أردوغان قبيل الانتخابات الرئاسية في 2019؛ حيث تقدر القوات الكردية في عفرين بحوالي 10 آلاف مقاتل، لديهم حافز أيديولوجي للبقاء والاستمرار في الدفاع عن ديارهم ضد الهجوم التركي، لذا فمن المحتمل أن تستغنى تركيا عن محاولات احتلال المنطقة بأكملها، وتقتصر على احتلال الشريط الحدودي بعرض حوالي 30 كم (الحد الأدنى للخطة).

المصدر
Bulent Aliriza, "Understanding Turkey’s Afrin Operation", Center for Strategic and International Studies, 25-1-2018."Syria slams Turkish military operation in Kurdish-held Afrin", China Daily, 21-1-2018 Mateusz Chudziak, Mariusz Marszewski, "The Turkish military operation in Afrin, northern Syria", Ośrodek Studiów Wschodnich, 24-1-2018Turkey launches operation against Kurdish militia in Syria", Middle East Eye, 20-1-2018د. نصر محمد عارف، " في عفرين سقط صغار اللاعبين"، الأهرام، 29 يناير 2018.آية عبدالعزيز، " دوافع متعددة.. ركائز التحرك الإقليمي في إدلب"، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، 24 أكتوبر 2017 على عاطف، "فرصة أم تهديد؟ توجهات الصحف الإيرانية حول التدخل التركي في عفرين السورية"، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 29 يناير 2018 "ماذا يحدث فى عفرين؟ 9 أسئلة وأجوبة تشرح لك التدخل التركى فى سوريا"، 25 يناير 2018"واشنطن لأنقرة: لن نسحب القوات من منبج.. والأتراك مستمرون"، مركز كاتيجون، 30 يناير 2018"مسؤول: الأكراد رفضوا "صفقة روسية" بتسليم عفرين للنظام"، العربية. نت، 29 يناير 2018 سعيد عبدالرازق، "أنقرة متمسكة بـ«تطهير» منبج... وتتهم واشنطن بـ«الكذب» حول عفرين"، الشرق الأوسط،25 فبراير 2018نذير رضا، "القصف التركي على قوات النظام يبطئ تقدمها نحو عفرين"، الشرق الأوسط، العدد 14330، 21 فبراير 2018سعيد عبد الرازق، "أنقرة تهدد بمحاصرة عفرين خلال أيام"، الشرق الأوسط، العدد 14330، 21 فبراير 2018"الناتو يعتبر أن من حق تركيا الدفاع عن نفسها في شمال سوريا بشكل مدروس"، فرانس 24، 25 يناير 2018

دوافع متعددة.. ركائز التحرك الإقليمي في إدلب

النفوذ العسكري التركي في المنطقة العربية.. الدوافع و الأهداف

أكراد سوريا .. بين طموح الفيدرالية و الاستغلال الأمريكي

إغلاق