بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةدراسات

الإسلام وفرنسا.. بين الاحتواء وزيادة الاغتراب والتطرف

الوسوم

اقرأ في هذا المقال

  • كشف الرئيس الفرنسي عن خطة جديدة لإعادة هيكلة الإسلام، وفرض نسخة فرنسية من الإسلام على المسلمين الفرنسيين، معتقدا أنه بذلك سينجح في إدماجهم وإبعاد الشباب عن دائرة التطرف التي ضربت قلب أوروبا، إلا أنه يدرك كغيره خطأ هذا الأمر، الذي يستوجب الرجوع عنه وعدم الإصرار على تنفيذه

دفعت زيادة العمليات الإرهابية داخل القارة الأوروبية، والتحاق الكثير من مواطنيها بالجماعات الإرهابية، دول القارة للبحث عن استراتيجيات أمنية وعسكرية بشكل خاص لمجابهة الأمر، ولم تفلح كثيرا هذه السياسات، وظنت الأنظمة السياسية أن المشكلة في الدين نفسه “الإسلام”، باعتبار من ينفذون مثل هذه الأعمال، مسلمين متطرفين، وأرادت الدول الأوروبية احتواء التطرف فكريا، ولم يقتنع الكثير منها بجدوى الأمر، لتبدأ مرحلة “تأميم الدين” ذاته وخلق نسخة منه تتوافق والقيم والمبادئ الأوروبية.

كانت باريس أولى العواصم الأوروبية التي أعلنت بشكل واضح عن هذا الأمر، فقد طرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خطة، لخلق إسلام فرنسي، بمعنى خلق نمط من الإسلام يتوافق والقيم الفرنسية العلمانية، وليس التعامل مع الإسلام كدين مستقل موجود داخل الجمهورية الفرنسية، فهو يريد “فرنسة الإسلام”، حيث يمثل المسلمون الديانة الثانية في فرنسا، بحوالي 5 مليون مسلم، فيما يبلغ عددهم في القارة الأوروبية حوالي 20 مليون نسمة، ويريد ماكرون من خطته تأميم الدين لصالح الدولة، وفرض سيطرة الدولة على المؤسسات الإسلامية القوية التي تنظم شؤون هذه الأقلية، حيث يريد الرئيس الشاب تنظيم هيكلية المؤسسات الإسلامي، وفي مقدمتها المجلس الإسلامي الفرنسي، ما لاقى اعتراضات واسعة.

فمثل هذه السياسات التي تستغل حالة الإسلاموفوبيا، لن تساهم في الحد من التطرف وإنما في زيادته، لأن التطرف واللجوء إلى العنف من قبل الأقليات المسلمة في الدول الأوروبية، جاء بعض منه نتيجة سياسات هذه الدولة سواء في الداخل وعدم إدماجهم بشكل كافي، إلى جانب فرض قيود على المظاهر الدينية الخاصة، بخلاف التدخلات العسكرية خلال الفترات الماضية في شؤون الدول التي جاءوا منها، أو يشعرون بوجود روابط دينية وثقافية معها، مثل العراق وسوريا وفلسطين.

أولا- أسباب تصاعد الإسلاموفوبيا في أوروبا:

صعدت الإسلاموفوبيا “الخوف من الإسلام”، بشكل كبير منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، التي استهدفت الولايات المتحدة بشكل مباشر، تلاها الخطاب التحريضي من قبل الإدارات الأمريكية وغيرها من الدول الأوربية ضد الفكر المتطرف الذي تم لصقه بالمسلمين بشكل حصري، وإعلان واشنطن حربها على منطقة الشرق الأوسط، لتدخل أفغانستان في أكتوبر 2001، والعراق في 2003، وما زالت تتحرش بدول أخرى في المنطقة مثل إيران، مخلفة آلاف القتلى وملايين اللاجئين والنازحين من ديارهم، وتخريب هذه الدول.

تورطت الأنظمة الغربية في الترويج لحالة الإسلاموفوبيا، للتغطية على تحركاتها العسكرية في دول الشرق الأوسط، ما ارتد عليها لاحقا ليغذي خطابات التطرف والإرهاب

وساهم مجموعة من العوامل في صعود الإسلاموفوبيا، تمثلت أبرزها في التالي:

1- تنامي العمليات الإرهابية:

سادت موجة من الهجمات الإرهابية في القارة الأوروبية عقب هجمات 11 سبتمبر، مستهدفة بشكل أكبر الدول المشاركة في الحرب على أفغانستان والعراق، وقام بها جهاديون تابعون لتنظيم القاعدة الإرهابي، ومن أهم هذه العمليات، تفجيرات مدريد في مارس 2004، التي استهدفت شبكة قطارات العاصمة، لتتسبب  في مقتل 191 شخص وإصابة 1.755 أخرين، ومثلها تفجيرات لندن في 7 يوليو 2005، حيث ضربت سلسلة عمليات انتحارية متزامنة في العاصمة البريطانية استهدفت القطارات والحافلات العامة، لتسفر الهجمات عن مقتل حوالي 50 شخصا وإصابة 700 آخرين.

اتسمت العمليات الإرهابية التي سادت القارة الأوروبية عقب هجمات سبتمبر، باستهداف وسائل النقل العامة التي تشهد تواجد أكبر قدر من المدنيين، إلى جانب قيام تنظيم القاعدة بها، وذلك بسبب تضيق الخناق عليه في معاقله بأفغانستان، وإلى حد ما العراق، حيث تحول فكر القاعدة إلى استباحة قتل المدنيين الأبرياء، وعدم الاقتصار فقط على ضرب الأهداف العسكرية والأمنية.

ساهمت العمليات العسكرية الأوروبية التي شاركت فيها فرنسا، في إيجاد مبرر لهجمات الجماعات الإرهابية، التي كانت تقول إن هجماتها ضدهم ردا على استهدافهم واستهداف ما يدعون أنها بلادهم ودينهم

كان هجوما مدريد ولندن الأبرز، وهدأ الأمور في القارة الأوروبية، لأكثر من 5 سنوات، حتى وقع هجوم آخر  يوم 11 ديسمبر 2010، حيث انفجرت قنبلتان بالعاصمة السويدية ستوكهولم؛ قتل فيها الانتحاري العراقي وأصيب شخصين، وقد جاءت العملية احتجاجا على الصمت تجاه حملات الإساءة للرسول، التي نشطت خلال هذه الفترة وقبلها.

هدأت الأمور مجددا لتستيقظ أوروبا على هجوم طفيف في مارس 2011، وقع في ألمانيا، قتل خلاله جندين أمريكيين بالقرب من قاعدة أمريكية متمركزة هناك، مثله عام 2012 شهد 4 هجمات محدودة، منهم  ثلاثة عمليات استهدفت عسكريين فرنسين، والرابع استهدف حافلة في بلغاريا تقل إسرائيليين قتل فيه 5 أفراد وأصيب 32 آخرين. كانت أغلب هذه الهجمات وصولا لعام 2011، مستوحاة من القاعدة، إلى أن برز تنظيم جديد فاق الجميع في الدموية في 2014، وهو تنظيم “داعش” الذي استهدف الدول الإسلامية والعربية قبل الأوروبية، معلنا عن تنفيذ أول هجوم له في 24 مايو 2014، فقد استهدف المتحف اليهودي بالعاصمة البلجيكية بروكسل، قتل خلال العملية 4 أشخاص، نفذها جزائري من أصل فرنسي.

وشهد عام 2015، عمليات عدة لداعش داخل أوروبا، منفذا حوالي 9 عمليات منهم 7 فقط داخل فرنسا، أشهرها تفجيرات باريس في نوفمبر 2015، قتل خلالها 130 شخصا، إضافة إلى 350 مصاب، وبالمثل وقعت 8 عمليات في عام 2016، استهدفت توسيع نطاق العمليات بشكل  أكبر، ففي 22 مارس قُتل أكثر من 30 شخصا في سلسلة تفجيرات ضربت بروكسل، وبعدها في 14 يوليو دهس متشدد من أصل تونسي بشاحنة حشودا في مدينة نيس الفرنسية، قتل خلال العملية 84 شخصا، وأصيب العشرات، وفي 19 ديسمبر دهست أيضا شاحنة يقودها داعشي حشدا من الناس في العاصمة الألمانية برلين، قتل خلال العملية 12 شخصا وأصيب 50 آخرين.

كان عام 2017 الأكثر من حيث العدد وكذلك الضحايا حيث شهد حوالي 10 عمليات إرهابية، ضربت نطاقا أوسع من الدول أهمها السويد وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا، وكان النمط المسيطر هو الدهس بالشاحنات، حيث كان من الصعوبة على داعش تنفيذ عمليات تفجيرية أو إطلاق نار كما حدث في تفجيرات باريس، أما الشاحنات فمن الصعب السيطرة عليها أو مراقبتها، ويمكن بسهولة الحصول عليها وتنفيذ الهجوم، وإيقاع أكبر قدر من الضحايا المدنيين.

يتضح من تسلسل هذه العمليات، لجوء تنظيم داعش لعمليات أكثر تدميرية وبأساليب مختلفة عن القاعدة، فهو من ناحية يعتمد على الأوروبيين ذاتهم لتنفيذ العمليات وإن كانوا من أصول إسلامية، إلا أنهم نشأوا في هذ البلدان ويحملون جنسياتها، بخلاف استغلال حديثي الإسلام والمهاجرين، أما القاعدة فكان يعتمد على عناصره بشكل أساسي في تنفيذ عملياته المحدودة خلاف داعش، ما ساهم في فرض العديد من القوانين التي استهدفت حصار المتطرفين بما أثر سلبا على المسلمين الأوروبيين، بخلاف تصاعد خطاب الكراهية من قبل اليمين الأوروبي ضد المسلمين والمهاجرين، بعد ظهور داعش.

2- صعود اليمين المتطرف:

ساعد تنامي موجات الهجرة واللاجئين إلى أوروبا بجانب العمليات الإرهابية، في دعم صعود اليمين المتطرف، حيث زاد عدد اللاجئين والمهجرين القادمين من مناطق الصراع في الشرق الأوسط، بعد موجات الربيع العربي في 2011، ما لاقى اعتراضات كبيرة داخل قطاعات واسعة من الأوروبيين، استغله اليمين المتطرف في الترويج لنفسه، وتصعيد حالة الاسلاموفوبيا باعتبار أغلب القادمين من الشرق الأوسط مسلمين، وساعدهم في هذا الأمر تورط الكثير من اللاجئين المسلمين في تنفيذ عمليات إرهابية.

فداخل فرنسا أكثر الدول الأوربية تعرضا للهجمات الإرهابية بعد 2011، صعد اليمين المتطرف بشكل لافت خاصة “الجبهة الوطنية الفرنسية” بزعامة ماري لوبان، حيث سيطرت على أكثر من ربع مقاعد البرلمان، ونافست بقوة في انتخابات الرئاسة 2017، لتتغلب لوبان على أحزاب عتيقة ومنافسين أقوياء، لتواجه إيمانويل ماكرون في الجولة النهائية وتحصل على أكثر من ثلث أصوات الناخبين، ورغم الهزيمة، إلا أن ما حصلت عليه أكد على قوة اليمين المتطرف، وقد وظفت لوبان خطاب الخوف من المهاجرين والمسلمين، ما ساعد في جذب الكثير من الأصوات لها، وتكرر الأمر في ألمانيا والنمسا والسويد ودولا أخرى، مستغلين أيضا خطاب الخوف من المهاجرين والمسلمين، بجانب الغضب من سياسات الاتحاد الأوروبي، وطريقة تعامل الأحزاب التقليدية الحاكمة مع الشأن الداخلي.

3- الفشل في احتواء المسلمين والمهاجرين:

لم تفلح بعض السياسات المتبعة من قبل الدول الأوروبية في احتواء المسلمين ودمجهم في المجتمعات الأوروبية، ما خلق شعورا بالعزلة لدى الكثيرين، بخلاف بعض القوانين التي استهدفت المظاهر الدينية كالنقاب وغيرها، ما أشعر الأقليات المسلمة بوجود استهداف لهم، ما نجحت الجماعات الإرهابية في توظيفه وجذب المتطرفين إليها سواء للانضمام إليها في مناطق الصراع بالشرق الأوسط، أو تنفيذ عمليات إرهابية داخل الدول الأوروبية.

وبالمثل ساعد الفشل في احتواء اللاجئين والمهاجرين، في تصاعد نبرة الإسلاموفوبيا باعتبار أن أغلبهم من دول الشرق الأوسط، حيث خشيت هذه الدول من تأثير موجات الهجرة على ثقافتهم الوطنية، والتأثير على هوياتهم القومية، ما دفع دول أوروبا في الاتفاق مع دول شرق أوسطية مثل تركيا ومصر وغيرهم للحد من وصول المهاجرين إليهم، بجانب التشدد في قبول اللاجئين وترحيل الكثير منهم.

4- تصعيد الأنظمة الغربية للإسلاموفوبيا لتبرير العمليات العسكرية:

اتضح هذا النمط بشكل أكبر بعد هجمات 11 سبتمبر  في الولايات المتحدة، من أجل تبرير الولايات المتحدة وبعض حلفائها الأوروبيين تدخلاتهم العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، بزعم مكافحة الإرهاب، لذا كان لابد من تغذية خطاب “الإسلاموفوبيا”، من أجل الاستمرار في الحصول على التأييد الشعبي لهذه التدخلات التي أثبتت فشلها، بل زادت من وحشية وعدد التنظيمات الإرهابية وتفتيت وإضعاف دول المنطقة، ما يتضح اليوم في العراق وأفغانستان وسوريا.

ثانيا- خطط فرنسا في احتواء الإسلام خارج سيطرة الدولة:

وضعت الحكومات الفرنسية خططا عدة لمحاربة الإرهاب والتطرف، أثرت في جزء كبير منها على المسلمين هناك، مثل قوانين منع ارتداء النقاب، ومنع ارتداء البوركيني (ملابس نسائية مخصصة للبحر تخطي الجسد بأكمله)، واعتقدت الحكومات الفرنسية أنها من خلال هذه الخطط ستحتوي التطرف، بل المسلمين كافة في فرنسا، وإخضاعهم للدولة لأنها ترى في ابتعادهم عن قيم الجمهورية الفرنسية العلمانية تهديدا لها، وجاء الرئيس ماكرون إلى الإليزيه في مايو 2017، ليزيد من حدة القوانين التي تستهدف المسلمين، رغم وعوده الانتخابية بالقضاء على الإسلاموفوبيا، ومن ضمن الآليات المتبعة من قبل الحكومة الفرنسية لاحتواء المسلمين في الداخل، التالي:

1- وضع خطط فرنسة الإسلام:

كشف ماكرون، مطلع فبراير 2018، عن خطته لـ”وضع أسس تنظيم الإسلام” في فرنسا، خلال العام الجاري، وسيتم خلالها تأطير الإسلام وإيجاد سبيل لشرحه، أي أنه سيتم وضع قوالب محددة للمسلمين في بلاده تتناغم والقيم العلمانية للجمهورية الفرنسية، ما سيصطدم بالطبع مع الكثير من القيم الإسلامية، ورغم عدم إفصاحه بشكل كامل عن محتويات الخطة، إلا أنه سيتبع التدرج في تنفيذها، والتقدم فيها خطوة خطوة، لأنه يدرك مدى صعوبة التنفيذ الكامل دفعة واحدة، فمن المؤكد أنها ستزيد من حالة الاحتقان لدى أصحاب الديانة الثانية في البلاد، بخلاف التأثير في علاقات باريس الخارجية مع الكثير من الدول الإسلامية.

وأكد ماكرون أنه يسعى لـوضع أسس ما أسماه “تنظيم الإسلام الفرنسي” خلال النصف الأول من العام الجاري، أي أنه يريد “فرنسة الإسلام”، وليس وجود الإسلام في فرنسا، معتبرا أنه هدفه من الأمر حماية “قلب العلمانية”، للحفاظ على الوحدة الوطنية وحرية المعتقد، وهذا لن يحدث، لأن ما يخطط له غير صحيح، فما الفائدة من فرض قيود على الأزياء الإسلامية، وغيرها سوى إيجاد مبرر للمتطرفين الذين ينجحون في جذب العديد من الشباب المسلم الفرنسي غير الواعي، وضحية الخطابات التحريضية التكفيرية، كما وقع الفرنسيون ضحية خطابات الإسلاموفوبيا عقب الهجمات الإرهابية، ففي تظاهرة للفرنسيين في كورسيكا في ديسمبر 2015، عقب هجمات نوفمبر رددوا هتافات، “العرب ارحلوا”، وعقب هجوم “شارلي إيبدو” في يناير 2015، وقع 128 عملا معاديا للمسلمين، خلال 12 يوما فقط.

محاولة الدولة إخضاع الدين لسيطرتها في أي نظام تبوء بالفشل، بل العكس ينتج خطابات عنيفة في محاولة منها لدفع هذا التغول

وكشفت صحيفة “Journal du Dimanche” الفرنسية التي أجرت الحوار مع ماكرون، بشأن خطته الجديدة للمسلمين، أنها ستشمل الآتي:

استحداث هيئة جيدة لتمثيل المسلمين الفرنسيين مع تخصيص تمويل كاف لدور العبادة الإسلامية.

وضع برنامج لإعادة تأهيل وتدريب تشرف عليه وزارة الداخلية للأئمة والوعاظ لنشر ما قيل إنه نسخة معتدلة للإسلام داخل فرنسا.

إصلاح المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية المعنى بتمثيل المسلمين في فرنسا.

استحداث منصب “إمام فرنسا الأكبر”.

الحد من تأثير الدول العربية على إسلام فرنسا لأنها تبعده عن الحداثة.

2- عقد تحالفات إقليمية:

تسعى الحكومات الفرنسية لعقد شراكات مع الدول الإسلامية المؤثرة، للتعاون معها في منع وصول المتطرفين إليها، لكن أغلب هذه الشركات أمنية قائمة على رصد وتتبع المتطرفين، وليس التعاون معها في نشر دعوة إسلامية معينة داخل فرنسا تتوافق وقيمها، بل العكس، تريد باريس قطع الصلات بين الهيئات الإسلامية الفرنسية والدول الأجنبية المسلمة التي تمول هذه المؤسسات، وبناء مساجد وتكوين الأئمة الموالين لهم والمخالفين للتعاليم الفرنسية.

فهناك اتهامات لبعض الدول الخليجية والمغاربية بتمويل أفكار تمثل البيئة الحاضنة للتطرف، فسبق أن اتهمت المرشحة اليمينية الخاسرة ماري لوبان أمام ماكرون، السعودية وقطر بتمويل المساجد التي تحض على التطرف، وأيضا انضم إليها فرانسوا فيون المرشح الرئاسي المحافظ عن حزب “الجمهوريين” العتيق، وبعد توليه الرئاسة طلب ماكرون من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في نوفمبر 2017، وقف تمويل منظمات متطرفة، وهذه التنظيمات تحصل على دعم سعودي، تري باريس أنه تنشر  قيما مخالفة للجمهورية الفرنسية.

3- التدخل الخارجي لاحتواء الجماعات الإرهابية:

تدخلت فرنسا في دولة مالي، في يناير 2013، إحدى الدول الأفريقية التي تمثل لها مصالح استراتيجية، وقالت باريس إن العملية جاءت لطرد الجماعات الإسلامية مثل أنصار الدين، وحركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا، من إقليم أزواد لمنعها من التقدم نحو العاصمة باماكو بعد أن سيطرت على مدينة كونا القريبة من العاصمة.

تحركت فرنسا منفردة، وقالت إن هذا جاء بطلب من حكومة مالي، فهي تتخوف من سيطرة الجماعات الإسلامية على مناطق غرب إفريقيا التي تمثل امتداد حيوي لمصالحها، مثل النيجر  ومالي والسنغال وكوت ديفوار، حيث تحصل منهم على اليورانيوم والنفط وغيرها من الثروات الطبيعية.

فالحكومات الفرنسية لا تتحرك على مستوى الداخل فقط، إنما على مستوى الخارج أيضا حيث تخشى من سيطرة جماعات إسلامية، على مناطق حيوية لها، ولم تكتف بهذا الأمر بل دعمت تشكيل قوة مجموعة دول الساحل المسماة “جى 5” من أجل محاربة الإرهاب، وتضم مالي وتشاد وبوركينا فاسو والنيجر وموريتانيا، وقد رصد لها تمويل يقدر  بـ423 مليون يورو.

وإلى جانب ذلك أعلنت عن مشاركتها في “التحالف الدولي ضد داعش”، بقيادة الولايات المتحدة، لمحاربة التنظيم الإرهابي في العراق وسوريا، منذ انطلاقه في 2014، وما زالت مستمرة فيه، حيث تسعى لاستهداف المتطرفين الفرنسيين بشكل خاص المشاركين في صفوف الجماعات الإرهابية، منعا لعودتهم مجددا إلى فرنسا، بجانب المساهمة في القضاء على التنظيم، فهي أكثر الدول الأوروبية تعرضا لهجمات داعش سواء من حيث العدد أو  الخسائر.

وتعتبر  فرنسا أن هذه النسخة من الجماعات الإرهابية “إسلام متطرف”، وقد تعهد ماكرون في أغسطس 2017، بـ”مكافحة الإرهاب الإسلامي” معتبرا أنها  “أولى” أولويات الدبلوماسية الفرنسية، وتستغل فرنسا حربها على الجماعات الإرهابية بتوسيع دائرة المشتبه بهم من المسلمين ما يؤثر سلبا عليهم ويضعهم في صدام مع الدولة، بجانب استغلال التنظيمات الإرهابية لهذا الأمر وجذب أنصار جدد.

4- إصدار قوانين وخطط مكافحة الإرهاب:

أقر البرلمان الفرنسي، في أكتوبر 2017، مشروع قانون لمكافحة الإرهاب، عزز من صلاحيات الشرطة في مجال المراقبة، بما ينتهك الحريات المدنية، كذلك سيدفع إلى زيادة التمييز ضد المسلمين، فقد منح وزارة الداخلية سلطة إغلاق دور العبادة، إذا ما رأت أجهزة الأمن أن شيوخها يحرضون على العنف أو يبررون أعمال الإرهاب، والسماح بفرض الإقامة الجبرية على أشخاص دون أمر مسبق من القضاء، وهذه مفاهيم واسعة لا يمكن ضبطها، ستؤدي لزيادة عزلة الكثير من المسلمين وشعورهم بالاستهداف.

وإلى جانب القوانين، طرح رئيس الحكومة الفرنسية إدوار فيليب، يوم 23 فبراير 2018، خطة  باسم “الوقاية من أجل الحماية” مكونة من 60 بندا لمجابهة التهديد الراديكالي، من بينها:

فرض رقابة على المدارس الخاصة غير المتعاقدة مع الدولة، والتشدد في إعطاء التراخيص الإدارية للمدارس المرتبطة بالمكونات الدينية.

إلزام المدرسة مهمة تعليم الطلاب التمسك بالعلمانية وتأهيل الأساتذة وتوفير مفتشين أكاديميين متخصصين وتبادل المعلومات مع الأجهزة الأمنية.

تعاون الحكومة بشكل أفضل مع مشغلي شبكة الإنترنت لنزع المواد التي تروج للإرهاب والتطرف أو بث الأفكار والدعايات الأيديولوجية المرتبطة بهما.

تفعيل التدابير العقابية، ومنها طرد الموظفين العامين، الذين يشتبه في تبنيهم للتطرف أو متطرفين بالفعل.

التعاون مع السلطات المحلية البلدية، لتأهيل الموظفين العاملين فيها للتعرف على علامات التطرف.

الطلب من المؤسسات والشركات المساعدة في الكشف عن أصحاب الميول المتطرفة.

تجميع السجناء المتطرفين في أجنحة معزولة عن بقية السجناء، وتريد الحكومة، حتى نهاية العام الجاري عزل 450 محكوماً عليهم في جرائم تطرف والوصول لاحقاً إلى عزل 1500 شخص.

فيما يخص القاصرين العائدين من سوريا والعراق، سيتم إقامة ثلاثة مراكز لاستقبال هؤلاء لإعادة انخراطهم في المجتمع الفرنسي.

والكثير من هذه البنود تفتح المجال للبلاغات الكيدية، والزج بالكثير من الأبرياء بزعم علاقتهم بالتطرف، والتعامل مع أغلب المسلمين باعتبارهم متطرفين إلى أن يثبت العكس، ما يضعهم في دائرة الشك الدائم.

ثالثا- تداعيات التحرك الفرنسي لاحتواء المسلمين:

اتبعت الحكومات الفرنسية آليات داخلية وخارجية لمكافحة التطرف، والسيطرة على الأقلية المسلمة داخلها، ويلاحظ ارتباط آليات محاربة التطرف بشكل كبير بالمسلمين والتضيق عليهم، إلى جانب السماح بظهور خطابات تحريضية أدت إلى نتائج سلبية، وليس المساهمة في التصدي لعدو الجميع وهو التطرف والإرهاب.

ومن المرجح أن تؤدي سياسات الدولة الفرنسية لاحتواء المسلمين ومحاربة التطرف إلى:

1- ظهور نسخة جديدة من التطرف:

لجأت فرنسا إلى فرض قيود على المظاهر التقليدية للمسلمين، إلى جانب رغبتها في “فرنسة الإسلام”، قبل ظهور داعش، وساهمت هذه السياسات في استقطاب الجماعات الإرهابية للشباب الفرنسي من أصول إسلامية، حيث يوجد أكثر من 1000 فرنسي انضموا لداعش فقط، وهنا اللوم لا يقع فقط على كون هؤلاء مسلمون، إنما فشل الدولة في احتوائهم ودمجهم، كما حدث في عدة دول عربية، وبالتالي استمرار الدولة في محاولة مأسسة الدين وإخضاعه لها سيدفع إلى زيادة التمرد والتذمر خاصة في أوساط الشباب.

فداعش وإن كان انتهى عسكريا إنما أفكاره لا زالت باقية وتبحث عمن يحفظ بقائها، حيث عاد بعض المقاتلين الأوروبيين إلى بلدانهم دون اكتشاف أمرهم، فمنهم من سينفذ عمليات إرهابية، وجزء آخر سيتولى استقطاب المزيد من الشباب، حفاظا على أفكار التنظيم، وهو ما يخشاه الجميع سواء الدول الإسلامية أو الأوروبية، وما زال هناك فشل في احتواء هذا الأمر.

2- فقدان السيطرة على المؤسسات الاسلامية:

أكد رئيس المجلس الإسلامي الفرنسي أحمد أوغراش وجود “نوايا سيئة”، في خطة ماكرون لإصلاح المؤسسات الإسلامية، مشيرا إلى حرب إعلامية في فرنسا على الإسلام، ما يعني رفض أكبر المؤسسات الإسلامية في فرنسا لخطط الدولة للهيمنة على الدين وإخضاعه لها، ومن شأن هذا الأمر أن يخلق جدارا عازلا بين هذه التنظيمات والدولة، بما يعقد الأمور أكثر، فهذه المنظمات يتعاون معظمها مع الدولة، ومحاولة تطويعها لتكون جزءا من الدولة، سيفقدها مصداقيتها، إلى جانب تفريغها من مهمتها، وهذا يدفع إلى إنشاء مؤسسات موازية متطرفة، حتى وإن كانت سرية بما يزيد من مخاطر اتساع شريحة المتطرفين، وفقدان الدولة السيطرة عليهم.

3- تعميق حالة الاغتراب والتهميش:

تعاني الكثير من الأقليات المسلمة حالة من الاغتراب، لشعورهم أنهم غير مرغوب في ثقافتهم، وعدم وجود تحركات جدية من قبل الدولة لدمجهم، إما لخوف الدولة من تأثيرهم على ثقافتها، أو لرفض الكثير من هؤلاء الذوبان في ثقافة الدولة بالكامل، خوفا من فرض الدولة قيمها الثقافية والاجتماعية عليهم.

وكشفت برقيات سربها موقع ويكليكس عام 2010 عن هذا الأمر، قال فيها إن برقيات دبلوماسية صادرة عن السفارة الأمريكية في باريس أكدت إقصاء الدولة الفرنسية للمواطنين المسلمين، محذرة من تأثيراتها على إضعاف فرنسا، كما حذر سفير الولايات المتحدة السابق لدى فرنسا كريغ ستانليتون في برقية سرية عام 2005، من آثار إقصاء مسلمي فرنسا، مؤكدا أن السلطات الفرنسية لم تنجح في إدماج هذه الأقلية التي يقيم أغلبهم في الضواحي الفقيرة خارج المدن الكبرى، وطالبت السفارة الأمريكية في برقية أخرى في أغسطس 2005، بضرورة إدماج المهاجرين وإعطاء مكان للمسلمين في الهوية الفرنسية.

لن تساهم سياسات الحكومة الفرنسية في احتواء المسلمين إلا في زيادة مسببات التطرف والعنف خاصة لدى شريحة الشباب المستهدف من قبل الجماعات الإرهابية

ونتيجة لهذه السياسات، وقعت أحداث الضواحي الفرنسية في أكتوبر 2005، حيث أشعل الشبان المسلمون مئات السيارات في أطراف المدن الفرنسية الكبرى، وأكدت واشنطن وقتها أنهم لم تكن تحركهم أفكار أيدولوجية، وإنما الإحباط بسبب الإقصاء والتهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

ومن الواضح رغم التحذيرات القديمة، إلا أن الحكومات الفرنسية المتعاقبة فشلت في معالجة الأمر، ما ساعد في زيادة حالات التطرف وسط الشباب، حيث تعتبر  فرنسا الأكثر تصديرا للمقاتلين الأوروبيين إلى مناطق الصراع.

4- إثارة الخلاف مع دول الجاليات الإسلامية الضخمة:

قد تؤدي السياسات الفرنسية تجاه الأقليات المسلمة إلى خلافات مع الدول الإسلامية، فمثلا التضييق على المساجد الممولة من بعض هذه الدول واتهامها بدعم المتطرفين، قد تؤدي لتوتر في العلاقات بينهما، كذلك زيادة حدة الاستقطاب، فمثلا دفعت الرسوم المسيئة للرسول في الدنمارك وفرنسا، إلى توترات مع بعض الدول العربية والإسلامية، لغض الدولة الطرف عن مثل هذه الإساءات، وبالمثل في حال استهداف الأقليات سيدفع لخوف هذه الدول خاصة المنظمات الدينية بها التي قد تدفع في اتجاه الضغط عليها واتخاذ مواقف منها، بما قد يؤثر على الجهود المشتركة لمكافحة التطرف.

ختاما يمكن القول إن محاولة فرنسا أو غيرها من الدول الأوربية، خلق نسخة إسلامية فرنسية أو أوروبية، لن تفلح في معالجة التطرف، إنما ستعمق من حالة العزلة والتطرف، و20 مليون مسلم وأكثر في أوروبا رقم ضخم لا يمكن تجاهله، بل وجب التعامل معه بأساليب مغايرة وليس تكرار السياسات القديمة تحت أسماء وخطط جديدة كالتي أعلنت عنها الحكومة الفرنسية.

فوجب عليها الاهتمام بالأقليات ومحاولة تقليل عمليات التهميش والاقصاء السياسي، والامتناع عن محاولات إخضاع الدين لسيطرة الدولة أو لقيم معينة، فالقيم الدينية تستطيع التعايش مع الأنظمة السياسية، لكنها لن تقبل بالتغول عليها، وإن تم سيتم تشويهها واتباع أساليب احتواء زائفة وغير حقيقة، لن تحقق المطلوب من محاربة التطرف والإرهاب.

المصدر
هجمات دامية شهدتها أوروبا منذ بداية الألفية، هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، 24/3/2017 إيمان عنان، تداعيات صعود اليمين المتطرف في أوروبا، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، 19/12/2016جذور أزمة اللاجئين في أوروبا، مركز كارنيجي للشرق الأوسط، 1/10/2015ماكرون: ننتظر من الرياض وقف تمويل مجموعات متطرفة، الجزيرة نت، 30/11/2017، الجبير يرد على هجوم فرنسي ضد بلاده، روسيا اليوم، 17/1/2017، مسلمو فرنسا غاضبون من قانون الإرهاب الجديد، قناة يورو نيوز، 4/10/2017، ماكرون: مكافحة الإرهاب الإسلامي تتصدر أولوياتنا، قناة الحرة، 29/8/2017 التدخل الفرنسي في مالي: الأسباب والمآلات، مركز الجزيرة للدراسات، 17/1/2013، خطة فرنسية جديدة لمكافحة التطرف لا تعتمد فقط على المعالجة الأمنية، الشرق الأوسط، 24/2/2018، ويكيليكس: فرنسا تقصي مسلميها، الجزيرة نت، 12/12/2010، رئيس المجلس الإسلامي الفرنسي يحذر من "نوايا سيئة" يبيتها ماكرون، روسيا اليوم، 17/2/2018، الحد من التأثير العربى.. ملامح «الإسلام الفرنسى» الذى يسعى إليه ماكرون، مبتدأ، 13/2/2018، المسلمون في أوروبا بين الاندماج والرفض، قناة يورو نيوز، 25/8/2017، الإسلام الأوروبي: صراع الهوية والاندماج، مركز المسبار للدراسات والبحوث، الطبعة الأولى 2010

الكاريكاتير والسياسة.. تشريح ظاهرة الإسلاموفوبيا في رسوم تشارلي إبدو

تداعيات صعود اليمين المتطرف في أوروبا

هجمات داعش ضد بريطانيا: بين تطور آليات الاستهداف وإطالة أمد المواجهة

إغلاق