بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

مقالات

صفقة القرن وخطة فرض الأمر الواقع

تعامل البعض مع المبادرة الأمريكية للسلام أو “صفقة القرن” على أنها مستبعدة الحدوث، وأن الإدارة الأمريكية غير جادة في تحقيق التسوية، إلا أن الأمر يبدو أكبر من ذلك، ويتخطى مسألة صناعة السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى إعادة هيكلة الوضع الإقليمي برمته، ما يدفعنا الى القول باحتلال “صفقة القرن” أولوية متقدمة في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

وبدأت قصة “صفقة القرن” مع الحملة الانتخابية لدونالد ترامب، والبعض يرجعها إلى مشروع جيورا إيلاند الذي تم تقديمه من خلال أحد مراكز الأبحاث الإسرائيلية، إلا أن نقطة التحول الرئيسية في الملف هو تبني الإدارة الأمريكية لمبادرة للتسوية تقوم على فكرة تبادل الأراضي.

تسعى إدارة ترامب لطرح هذه الخطة في إطار مبادرة للسلام الإقليمي تنطلق من حل القضية الفلسطينية، حتى يتم إزالة الحرج عن القيادات الخليجية وتمهيد الأرض لهم للتطبيع الرسمي مع إسرائيل، وأجرت الإدارة الأمريكية عدة لقاءات مع مسئولين فلسطينيين وإسرائيليين لاستطلاع رأيهم في المبادرة المزمعة، ورفض الجانب الفلسطيني فكرة تبادل الأراضي كما تمسك بالقرارات الأممية والاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لفلسطين وبالطبع حق اللاجئين في العودة للبلاد.

بينما تجد هذه المبادرة ترحيبا من القيادات الخليجية التي تحاول أن تستميل إسرائيل في صراعها المعلن مع دولة إيران، إلا أنها تجد رفضا من قبل الأردن ومصر، لأن كلاهما يخشى من تداعيات الحل غير النهائي للقضية الفلسطينية، خاصة مع وجود عدد كبير من الفلسطينيين  في الأردن، وتخوف مصر من الإضرار بأمن حدودها الشرقية، فضلا عن رفض الأطراف الفلسطينية الداخلية لهذه المبادرة سواء حركة حماس أو حركة فتح.

وفي المقابل تستفيد إسرائيل من هذه المبادرة من عدة أوجه، أولها الانتهاء من هاجس إقامة دولة للفلسطينيين، علاوة على محاولة لعب دورا قياديا في ملف تسوية نزاعات الشرق الأوسط، ويعتبرا هذا هو الهدف الأهم بالنسبة لإسرائيل، ما يفسر أيضا التساهل الإسرائيلي مع العمليات العسكرية المصرية في سيناء، التي تتعدي اشتراطات اتفاقية كامب ديفيد المؤسسة للسلام بين الدولتين، كما دعمت إسرائيل تسليم مصر لجزيرتي تيران وصنافير للسعودية، رغم أن الأخيرة لم تكن عضوة في مفاوضات السلام، إلا أنها بهذا تدخل كطرفا مباشرا في عملية السلام، ما ترتضيه إسرائيل، التي تحاول التحالف مع دول الخليج بغية موازنة الصعود الإيراني في الإقليم.

ويبدو أن الأمر هام أيضا بالنسبة للإدارة الأمريكية، التي جاء انتخابها عقب دعم واسع من اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، وتسعى لضمان تأييد هذا اللوبي في الانتخابات الرئاسية المقبلة، فضلا عن  أن المبادرة تأتي على هوى الإدارة الأمريكية، التي تسعى لإيقاف الصعود الإيراني والروسي في المنطقة، وهو الصعود الذي يجد من القضية الفلسطينية أحد وسائل كسب الدعم الشعبي في الدول العربية، وظهر هذا مع إصرار الإدارة الأمريكية على القيام بعدة جولات للحوار حول ملف التسوية مع الفلسطينيين وقيادات دول مثل مصر والأردن والسعودية والإمارات.

ومع الرفض الواضح من قبل الفلسطينيين، انتقلت الإدارة الأمريكية الى الخطوة التالية في خطتها، وهي خطوة فرض الأمر الواقع، ما تمثل في الإعلان عن نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس في خطوة مباغتة لمعظم الأطراف، وحرصت مختلف الأطراف العربية على رفضهم لهذا الإجراء، إلا أن ذلك لم يُثني الإدارة الأمريكية عن الإعلان عن تنفيذ الإجراء في مايو المقبل، مع حلول الذكرى السبعين لقيام إسرائيل.

وقصدت الإدارة الأمريكية بهذه الخطوة إيصال رسالة واضحة للفلسطينيين وهي انتهاء فرصة إقامة دولتهم للأبد حال رفضهم للمبادرة الأمريكية، وعزز من هذا الشعور موافقة الكونجرس الإسرائيلي على تطبيق القانون الإسرائيلي على منطقة الضفة الغربية، التي سبق وأن اعترفت بها إسرائيل كمنطقة للحكم الذاتي للفلسطينيين، وهذا كان يعني أن الوضع الفلسطيني سيزداد سوءا في حال رفض المبادرة.

ونعتقد أن خطة الأمر الواقع قد تمضي لقيام تحالف معلن بين بعض الدول العربية وإسرائيل دونما إتمام التسوية الفلسطينية، ومن الممكن أن تقوم الإدارة الأمريكية بإجراء بعض الضغوطات على الجانب الفلسطيني، سواء في غزة من خلال تحميل المواطنين معاناة أكبر من المعاناة الحالية، أو في الضفة بفرض عقوبات على السلطة الفلسطينية، كما تعمل الإدارة الأمريكية على تفريغ الفلسطينيين من أي تحالفات إقليمية حالية، بشكل يجعلهم بمفردهم أمام إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

وعلى جانب أخر يتعرض أبو مازن لضغوط مختلفة، فمن ناحية هناك تقارب بين خصومه السياسيين (حماس ودحلان)، ومن ناحية أخرى يخشى على فقدان الدعم المادي المُقدم من جانب بعض دول الخليج، ناهيك عن الضغوط الإسرائيلية المتوقعة في حال إصرار السلطة الفلسطينية على عدم الموافقة على التسوية، وترددت بعض الأقاويل عن إبداء السلطة موافقة مبدئية على المبادرة مع اشتراط أن تتضمن النص على أن الحل المطروح هو تمهيد لقيام دولة فلسطينية على حدود 67.

وعلى جانب أخر تجد حركة حماس نفسها بعيدة عن المسار السياسي بين الإدارة الأمريكية والسلطة الفلسطينية، في وقت تعلن فيه المقاومة بعد قرار نقل السفارة، وقيام إسرائيل ببعض التجاوزات في المسجد الأقصى، ولم تسلم الحركة من الضغوط الخارجية أيضا، ورغم قيامها بالمناورة بإظهار بعض الانفتاح على جماعة دحلان إلا أن هذا الوضع لا يؤمن وجودها في مسار التسوية، خاصة مع حالة العداء الإسرائيلي الشديدة للحركة، وسيطرة جناح الصقور على الحركة التي لن تسمح بأي حال بتمرير المبادرة الأمريكية.

لذا يدفع الوضع الفلسطيني الداخلي الإدارة الأمريكية على تنفيذ سياسة الأمر الواقع، وإرغام الفلسطينيين على القبول بمبادرة لا تلبي أدنى طموحاتهم، وسيظل تمرير هذه المبادرة بفحواها الراهنة مرهونا بقدرة الفلسطينيين على تحمل الضغوطات المرتقبة، وهو وضع ينبئ بتصاعد الأوضاع في الأراضي المحتلة خلال الفترة المقبلة.

إغلاق