بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةدراسات

إسترداد الهوية الاقتصادية للدولة المصرية (العوامل والمداخل) (2)

سبق وأن تناولنا في الجزء الأول من هذه الدراسة وتحت عنوان ” إشكالية الهوية الإقتصادية للدولة المصرية ” مفاهيم الهوية الاقتصادية للدولة المصرية، مع إبراز أهم الأسباب المسئول عن طمس الهوية الاقتصادية للدولة، وبخاصة خلال العقود الخمسة الأخيرة. وإلى جانب ذلك، فقد تم في الجزء الأول عرض عدد من النماذج الدولية ذات الهوية الاقتصادية. وفي الجزء الثاني من هذه الدراسة ستتم محاولة تناول أهم شروط وعوامل إسترداد الهوية الاقتصادية المفقودة مع تصور أهم مداخل إسترداد هذه الهوية.

أقرأ أيضا إشكالية الهوية الاقتصادية للدولة المصرية – في ضوء بعض النماذج الدولية (1)

أولاً :  شروط إسترداد الهوية الاقتصادية للدولة المصرية:

إن السياسة الاقتصادية التي عرفتها مصر خلال العقود الأخيرة فرضت تحديات جمة – وهي فترة طويلة حتى بالنسبة للتغيرات الهيكلية الحاسمة إذا ما تمت على نحو جدي- أدت رغم ما حققته من تغييرات كيفية، ليس فقط إلى الوصول إلى اللاهوية، بل إلى تعميق التخلف والتبعية.

وعليه، فإن بناء الهوية الاقتصادية أو إعادة بنائها أو تحديثها، ليست عملية بمعزل عن الواقع المحلي والعالمي. فإمكانية تحقيق النتائج التي لا يمكن أن تتحقق بشروط وضعها أشخاص معزولون عن الحقائق وأسرى للأيديولوجية تعد آمال بلا أقدام، وقد رأينا كيف عالجت الصين ذلك ووصلت إلى التنمية بالمزج بين خبرائها الأيديولوجيين ورجال الأعمال والخبراء الأجانب. ووصلت لتصبح واحدة من أقوى دول العالم. كما أنه من غير المتصور أبدا أن إعادة بناء الهوية أو التحول يأتي عبر رفع نسب النمو فقط، دون تحقيق أثر إيجابي ينعكس على الطبقة الوسطى والطبقات الأكثر إحتياجاً.

وتبدأ الخطوات الأولى في إسترداد الهوية الاقتصادية عبر إدارة عملية التنمية، والتي هي بمثابة العامل الرئيسي في نجاح أو فشل أي إستراتيجية تحاول النهوض الاقتصادي والاجتماعي والسياسي أيضاً. وكذلك ففي أي دولة ومهما كان حجم مواردها، ثمة دلال وتجارب متميزة ورائدة في هذا الصدد، تشير إلى أن القضاء على مظاهر التبعية المقرونة بالتخلف هي أولى شروط إسترداد الهوية الاقتصادية للدولة المصرية. وإلى جانب ذلك توجد شروط أخرى نوجزها فيما يلي:

• وجود رؤية اقتصادية ممتدة لا تتغير بتغير رؤية الفرد يضعها خبراء ومتخصصين في كافة المجالات لتحقيق عملية التنمية. وتنطلق من سياسات وطنية تعمل على مجابهة التغريب الكامل سواء في مستواه السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، وتعمل على تشكيل قطاعات الاقتصاد الوطني بما لديه من موارد وقدرات.

• إعادة بناء قدرات الدول المعرفية والمهارية، حيث يعرفها UNDP على أنها المهارات والمعارف والموارد اللازمة لأداء الوظيفة. وتعبر أيضاً عن عملية يطور خلالها الأفراد والجماعات والمنظمات والمؤسسات قدراتهم . ويساهم بناء القدرات والمهارات على مساعدة الدول في تنفيذ خططتها وأنشطتها بالشكل الأمثل، بما يعمل على تكوين شخصيات وجماعات ذات أدوار فاعلة.

• بناء المؤسسات وتحديثها بشكل مستمر، والمعني هنا هي المؤسسات الاقتصادية والسياسية. وبعبارة أخرى، تفعيل دور المؤسسات في عملية بناء الاقتصادات وجعلها تقوم على أسس مؤسساتية ودون الفردية.

• إعادة تخصيص وتوزيع الموارد نحو قطاعات الإقتصاد الحقيقي، والتي إذا ما أُحسن توجيهها فإنها تؤدي إلى زيادة كل من الناتج وترفع قدرات الاقتصاد في مواجهة الصدمات سواء الداخلية او الخارجية . كما أنها ترفع من مستوى المعيشة، بما ينعكس إيجابياً على حالة الرضا العام في المجتمع . ولأن تخصيص وتوزيع الموارد يعتمد علي سلم الأولويات التي تضعها الدولة معياراً يحكم سياساتها التخطيطية والتنفيذية، لتحقيق فعالية أكبر لسياسات الإنفـاق العام في التأثير علي التنمية الإقتصادية، فإنه لابد وأن تتوفر للجهاز الإداري القائم علي رسم وتنفيذ هذه السياسات كفاءة عالية في المفاضلة بين الحاجات ومتابعة تنفيذ تلك السياسات بشكل مستمر.

• الخروج من الحلقة المفرغة للديون الخارجية، والتي شكلت عبئاً على عملية التنمية. فضلا عن دورها في تحجيم قدرات الأجيال القادمة في إدارة مواردها المالية والتنموية. وساعدت على ترسيخ التبعية خلال عقود طويلة. ويمثل الخروج من هذه الحلقة عامل مساهم وبشكل كبير في توسيع طاقة الدولة على إتخاذ قراراتها بكل حرية وعدم الرضوخ لأي قوة إقليمية أو دولية. كما يمكنها أن تأخذ لنفسها طريقاً تحقق من خلاله التنمية التي تراها مناسبة لشعوبها.

• تحقيق الإكتفاء الذاتي، وهو شرط ضروري وحيوي لإسترداد القرار الاقتصادي، الذي يكون بمثابة حجز زاوية لإسترداد الهوية الاقتصادية. ويعرف الأمن الغذائي بأنه قدرة المجتمع على توفير إحتياجاته الغذائية الأساسية لأفراده وضمان الحد الأدنى من تلك الاحتياجات بانتظام سواء عبر إنتاج السلع الغذائية أو عبر حصيلة كافية من عائدات التصدير لإستخدامها في إستيراد ما يلزم لسد النقص في الإنتاج الغذائي بصورة تضمن عدم تعرض المجتمع لأية أزمات أو ضغوط من أي مصدر كان وفي أي وقت. ومن ثم فإن تحقيق الأمن الغذائي، يعد علامة مميزة وسبيل للقضاء على التبيعة الغذائية للدولة المصرية، وهو ما من شأنه أن يساعدها على إتخاذ قراراتها بكل حرية ودون أية ضغوط من هنا أو هناك.

• تقنين هجرة العقول العلمية والكفاءات والعمل على تحقيق الإستفادة القصوى منها سواء كانت في الداخل أو الخارج. وترى بعض الاتجاهات الفكرية أن الغرب ينظر لقضية هجرة العقول من زاوية أنها ( إعادة لإنتاج التخلف في العالم الثالث أو النامي)، فهو يستقطب النخب العلمية والفكرية والسياسية القادرة على تطوير هذه المجتمعات على جميع المستويات، لتنتهي النتائج بالإجمال لمصلحة الاقتصاد الغربي؛ حيث تربي دول العالم الثالث النخب التي لديهم في الجامعات الغربية، ويدفعون مقابل ذلك المليارات، ثم يقوم الغرب بتوظيف هذه الكفاءات لمصلحة الاقتصاد والمجهود الحربي والسياسي والثقافي الغربي، بل ينظر الغرب إلى القلة الذين يعودون إلى أوطانهم على أنهم سفراء جيدون لنمط الحياة الغربي في بلدانهم الأصلية.

• التخلص من آثار برامج سياسات الثبيت والتكيف الهيكلي بنظام “الكوبي باست”، والتي أدت إلى نتائج كارثية وثبطت العديد من الاقتصادات، وأودت بالعديد من البلاد إلى تعميق حدة الإنقسام الطبقي والتأثير على التماسك الاجتماعي.

ثانياً : عوامل إسترداد الهوية الاقتصادية للدولة المصرية:

تتعدد وتتنوع العوامل المسئولة والتي يمكن الإرتكاز عليها لإسترداد الهوية الاقتصادية للدولة، ولا تقتصر على جانب واحد فقط، بل تمتد لتشمل جوانب اقتصادية واجتماعية وسياسية :

2/1 العوامل السياسية، وتتركز هذه العوامل في وجود حياة مستقرة سياسياُ مدعومة بألية الغنتقال الديمقراطي للحكم تنامي مؤشرات الحكم الرشيد الذي يركز على مصالح الشعوب لا الفرد. كما أن الإستقرار السياسي أحد الأهداف الرئيسية التي تسعى إليها كافة النظم السياسية في العالم، وذلك لما يشكله الإستقرار من تأثيرات إيجابية على جميع مناحي الحياة في أبعادها الإجتماعية والاقتصادية والسياسية، كما يرتبط بقاء الأنظمة السياسية بإستقرارها وقدرتها على الإستجابة لمتطلبات وإحتياجات المجتمع المختلفة. وإضافة لما تقدم، فإن وجود نظام سياسي مستقر تتداول فيه السلطة على ضوء رغبات وتطلعات الشعوب، يحد من التدخلات الخارجية ويساعد في تحقيق التنمية الاقتصادية. وتوصلت العديد من  الدراسات إلى أن الإستقرار السياسي وتحسن مؤشرات الإقتصاد الكلي ( ثنائية الإستقرار والنمو )، يلعبان دوراً كبيراً في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر رغم وجود معوقات أمام زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر ( مثل المعوقات الإدارية والتشريعية، وضعف الطاقة الاستيعابية، وانتشار الفساد الإداري، وضعف البنى التحتية، وضعف إنتاجية العنصر البشري، وعدم الاستقرار السياسي، وعدم إرساء التقاليد الديمقراطية والحكم الرشيد).

2/2 التخلص من التبعية المالية والتكنولوجية، إذ أن ندرة أو إنخفاض روؤس الأموال– الذي يعتبر شرطأ أساسياً للقضاء على التخلف والتبعية – يحد من قدرات أي بلد على تحقيق التنمية الاقتصادية. وأن الدولة التي لديها قدرة على أن تكون مستقلة مالياً، تستطيع ان تتحكم فيما لديها من موارد. ويمكن أن يتم تطويع التكنولوجيا عبر عدة نقاط أهمها :

التحديد الدقيق لماهية مستلزمات عناصر الإنتاج المطلوبة.

• وجود قاعدة تكنولوجية وطنية.

• وجود تشريعات داخلية ومؤسسات ذات فاعلية تحمي الصناعات الناشئة.

3/2 تطوير التعليم والصحة، والذان يمثلان عماد رأس المال البشري لأي مجتمع من المجتمعات. فالدول التي تعتني برأسمالها البشري يكون بمثابة حصن لها. ويعد رأس المال البشري العنصر الحاسم في عملية التنمية، وأرجعت إليه الفضل الأكبر في معظم النجاحات التي تحققت في العديد من دول العالم ( مثل تجربة دول جنوب وجنوب شرق آسيا). ومع إنتشار النماذج الجديدة للنمو وشيوع أفكار مثل التنمية البشرية ومجتمع المعرفة والإقتصاد القائم على المعرفة، والتي أبرزت جميعها الدور الذي يلعبه العنصر البشري المؤهل في تحقيق الأهداف التنموية للمجتمعات المختلفة، وقد أصبح من المتفق عليه أن معيار نجاح أو فشل جهود التنمية في بلد ما، يتوقف  على ما يملكه من ثروة بشرية وعقول وكفاءات قادرة على قيادة عجلة التقدم. وثمة سمة ينفرد بها رأس المال البشري تجعله يحتل تلك المكانة، والتي يختلف فيها عن رأس المال المادي الذي يخضع لقانون تناقص الغلة والتقادم وهي تزايد الغلة.

4/2 إعادة صياغة دور الدولة، فقد أثبتت تجارب بعض الدول في العالم النامي أو المتقدم، التي حققت إنجازات مثيرة في مجال التنمية الاقتصادية، وتكوين هوية اقتصادية متفردة كبعض دول جنوب وجنوب شرق آسيا ( ماليزيا ) أن لتدخل الدولة دور في تنظيم الأجهزة الاقتصادية وتسيرها دوراً فاعلاً. وعليه، فثمة ضرورة لتدخل الدولة وإيجاد علاقة ما بين هذا التدخل والشروط اللازمة لإسترداد الهوية الاقتصادية المفقودة. وكذلك دورها في تحقيق كل من الكفاءة والاستغلال الأمثل للموارد.

5/2 إدارة عملية الاستهلاك سواء كان الفردي أو الجماعي، إنطلاقاً من أن التنويه بأهمية الموارد وترشيد الاستهلاك والسير برؤية تساعد في الاستخدام الأمثل للموارد، يمكن أن يكون الحل الأمثل للبلاد التي لديها موارد محدودة.

ثالثاً : مداخل إسترداد الهوية الاقتصادية للدولة المصرية:

وقد قسمها الباحث إلى مدخلين رئيسيين وهما التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية، والتي نستعرضهم في النقاط التالية :

3/1 التنمية المستقلة كمدخل لإسترداد الهوية الاقتصادية:

تعتبر التنمية المستقلة إحدى روافد الفكر التنموي الحديث، والتي توجد في الأدبيات التي تعرف ” بإقتصاديات التنمية ” ويعد بول باران أو من دعى إلى تحقيق التنمية المستقلة في تحليله لتطور المجتمع الهندي في كتابه الشهير ” الاقتصاد السياسي للتنمية ” وربطها بالسيطرة على الفائض الاقتصادي، بشكليه الفعلي والمتاح، وإستغلال أفضل إستغلال ممكن، بدءاً بقطع قنوات إستنزاف الموارد المالية من الخارج، وصولاً لربطه بمصلحة الطبقات الاجتماعية منخفضة الدخل، والتي تمثل النسبة العظمى من المجتمع. كما أكد على القضاء على كل أشكال الاستهلاك الطرفي.

ويتم النظر إلى التنمية المستقلة بإعتبارها عملية تكون خلالها الدول ذات قدرة على إستغلال مواردها والتصرف فيها بما يلائم حاجاتها، وفي إتخاذ السياسة الاقتصادية والأسلوب التنموي المتبع فيه. وتحدد هذه القدرة بناءً على عاملين رئيسيين، وهما :

الامكانات البشرية والطبيعية والمادية الرأسمالية والتقنية المتوفرة لديها؛

نوعية السياسات الاقتصادية ومدى فعاليتها في الوصول إلى النتائج المستهدفه منها.

ويذهب الباحث إلى أن عملية إسترداد الهوية الاقتصادية يمكن أن تنبع من التنمية المستقلة  أو التنمية المعتمدة على الذات. ولا تعني التنمية المستقلة العزلة أو القطيعة الكاملة مع العالم الخارجي. كما أنها لا تعني الإنكفاء على الذات أو الإكتفاء الذاتي. فلا هذا ولا ذاك من الامور الممكنة في عالمنا المعاصر كما طرح الدكتور إبراهيم العيسوي، وإستطرد قائلاً أن كليهما يجافي المنطق الاقتصادي السليم. وعلى حد تعبير الدكتور إبراهيم صبري إسماعيل ” إن جوهر إستقلال التنمية يعني توفير أكبر قدر من حرية الفعل للإرداة الوطنية المستندة إلى تأييد شعبي حقيقي في مواجهة عوامل الضغط التي تفرزها آليات الرأسمالية، وفي القيود التي تفرزها المؤسسات الراعية والحارسة للنظام الرأسمالي العالمي، ومن ثم توافر القدرة على التعامل مع الأوضاع الخارجية بما يصون المصالح الوطنية.

ويكمن جوهر الهوية الاقتصادية في علاقتها بالتنمية المستقلة من كونها تقوم على علاقة الربط بين الاستقرار السياسي والاقتصادي. ولما كان الاستقلال نقيض التبعية والاعتماد على الخارج، فإن إستقلال التنمية في معناه الواسع لا يعني غير اعتماد التنمية على القوى الذاتية للمجتمع في المقام الأول.

وعليه، فالقضية التي تواجه الاقتصاد المصري لا تنحصر في بناء اقتصاد غير تابع ، وإنما هي قضية مزدوجة تتمثل في بناء اقتصاد غير تابع، وقادر على انجاز التنمية التي يكون قوامها هوية محددة وقدرات ذاتية. وقد ذهب الدكتور إبراهيم العيسوي في عدة مؤلفات له إلى وضع ركائز للتنمية المستقلة، وهي على النحو التالي :

إحداث زيادة كبيرة في معدل الادخار المحلي شرط لا غنى عنه لإستقلالية التنمية وإطرادها. فالتنمية الحقيقية كما فعلت دول جنوب شرق أسيا قامت على مدخرات وطنية وتراكم رأس مال وطني.

• دور الدولة في صناعة وتحريك التنمية وتأمين إستدامتها. وكما أشارت تجربة الصين في إيجاد هوية اقتصادية أسماها البعض ” الإشتراكية ذات الخصائص الصينية “ أن النظام وحدة لا يكفي فلا الميل نحو اقتصاد السوق هو المُشكل للهوية ولا الجنوح نحو الاشتراكية فقط، هو المحقق للتنمية. ولكن هذه العملية تتعلق بقدرة الدولة في تأليف وإختيار النظام ووضع القواعد التي تصلح لها لطبيعة هذا الاقتصاد وبما يلازمة.

• المشاركة الديمقراطية، حيث يعتبر نموذج التنمية المستقلة أن المشاركة الشعبية في إتخاذ القرارات ومتابعة تنفيذها أحد أهم المداخل لتوليد الطاقات المعنوية وتحقيق التمكين السياسي لكافة أفراد المجتمع، بما يتيح إدارة غير مباشرة للموارد والعمل على الحفاظ عليها.

• تحقيق العدالة في توزيع الدخل والثروة، فمع تنامي حالة عدم المساواة في توزيع الدخل فى مصر ما بين عام 2015، الذي فيه كان نصيب شريحة الـ10% الأكثر ثراًء 48.5% من إجمالي الدخل. وعام  2017 ، الذي كان نصيب الـ 1% الأكثر ثراًء 18% فى حين كان 19.1% من إجمالي الدخل فى مصر فى عام 2015. وينطلق تحقيق العدالة في توزيع الدخل والثروة من تحقيق العدالة في المشاركة في توزيع السلطة والنفوذ في المجتمع، والذي بطبيعته يميل إلى فئة معينة دون باقي المجتمع. وعليه، فإن تحقيق العدالة في توزيع الدخل والثروة يعد أحد دعائم إسترداد الهوية عبر مدخل التنمية المستقلة. فالاقتصادات التي تتنامي فيها حالة العدالة تصبح أكثر قدرة على تحقيق التنمية وتكوين هوية اقتصادية مستقلة.

• إنضباط علاقة الاقتصاد الوطني بالعالم الخارجي، حيث يذهب أنصار طرح التنمية المستقلة إلى أن النمو هو قاطرة التجارة وليس العكس. إذ أن ما يجذب إستثمارات العالم الخارجي وتعاونه مع بلاد الجنوب هو توافر إمكانات حقيقة للنمو في الاقتصاد الوطني لديها، وذلك عبر معدل مرتفع للإدخار والاستثمار. وأن تحرير التجارة وحركة رؤوس الأموال عبر الحدود، ورفع الحماية والدعم عن الصناعات الوطنية وتحرير أسعار الفائدة والصرف قبل إحراز تقدم ملموس في بناء القدرات الإنتاجية. وكذلك قبل تكوين مزايا تنافسية يعتد بها خاصة في القطاعات الحيوية ( الصناعة والزراعة مثلاً )، يمكن أن يلحق أضرار كبرى بالاقتصاد الوطني ويصادر فرص التنمية. ومعنى هذا، أن الإنفتاح على العالم الخراجي لابد وأن يكون متدرجاً وإنتقائياً ويتوازى مع بناء القدرات الإنتاجية الوطنية.

• التعاون فيما بين بلدان الجنوب، والتي تتحد جميعها في هموم مشتركة، وبمقدروها إذا ما حققت التحالف والتكامل أن تكون قوة تنافس غيرها عالمياً، وقبل ذلك تحقق التنمية المنشودة لديها.

3/2 العدالة الاجتماعية كمدخل لإسترداد الهوية الاقتصادية:

تعرف العدالة الاجتماعية بحسب الدكتور ابراهيم العيسوي على أنها ” تلك الحالة التي ينتفي فيها الظلم والإستغلال والقهر والحرمان من الثروة أو السلطة أو من كليهما، والتي يغيب فيها الفقر والتهميش والاقصاء الاجتماعي وتنعدم الفروق غير المقبولة اجتماعياً بين الأفراد والجماعات والأقاليم داخل الدولة، التي يتمتع فيها الجميع بحقوق اقتصادية واجتماعية وسياسية وبيئية متساوية وعمليات متكافئة، التي يعم فيها الشعور بالإنصاف والتكافل والتضامن والمشاركة الاجتماعية، والتي تياح فيها للأعضاء المجتمع فرص متكافئة لتنمية قدراتهم وملكاتهم وإطلاق طاقاتهم من مكامنها وحسن توظيفها لصالح الفرد، وبما يكفل له إمكانية الحراك الاجتماعي الصاعد من جهة ، ولصالح المجتمع في الوقت نفسة من جهة أخرى، والتي لا يتعرض فيها المجتمع للإستغلال الاقتصادي وغيره من مظاهر التبعية من جانب مجتمع أو مجتمعات أخرى .

وينظر للعدالة الاجتماعية من زوايا عدة في مقدمتها زاوية الدخل والقدرة. فمع فقر الدخول تتهاوى القدرات، ويقل على إثرها الدخل . ومن ناحية أخرى تتردى مستويات المعيشة على ضوء تردي الدخل. ما يعني الدخول في حلقة مفرغة من نقص الدخل وتآكل القدرات. ولا يمكن النظر إلى كل من الدخل والقدرة بمعزل عن الأخر فكلاهما مكملا للآخر لكنه ليس صنوا له. فالقدرة أعم من الدخل وتؤثر فيه وتتأثر به بحسب الفرد والبيئة وكذلك الدوافع الداخلية التي يحملها الفرد.

ومع وجود تـرابـط وثيق بين العدالة والهوية الإقتصادية سواء على مستوى عدالة توزيع الدخل أو عدالة توزيع الثروة أو على مستوى إتاحة الفرص للجميع والمشاركة في ثمار التنمية، بات الاقتصاد المصري يعاني من هوة سحيقة أُقصي على أثرها جانب كبير من المجتمع وهمش جانب آخر. ولم يكن للمجتمع أن يصرف النظر عن أن ينتقل إلى أى شكل من أشكال العدالة الاجتماعية. ورغم الإجراءات التصحيحية التى إنخرطت فيها الدولة، فقد كانت الظروف المؤدية إلى حالة عدم العدالة لا تزال تستمر وتتعمق، نظراً لعدم الاهتمام بالبعد الإنتاجى وعدم الحزم فى تطبيق القانون ومحاربة الفساد، وعدم وجود رؤية واضحة للعدالة الاجتماعية. 

ويمكن أن تلعب العدالة الاجتماعية دوراً حاسماً في إسترداد الهوية الاقتصادية للدول المصرية، إنطلاقاً من أن تحقيق التماسك الداخلي والقضاء على التشوهات الاجتماعية وإتاحة الفرص للجميع دون تمييز أو إقصاء، من شأنه أن يعظم من قدرات الدولة الإنتاجية ويقودها نحو نظام اجتماعي مستقر يساهم في دعم النظام الاقتصادي واستقراره . وثمة تصورات عدة لتعزيز دور تطبيق العدالة وعلاقتها بإسترداد الهوية، أهمها:

• تصور العدالة من الزاوية القانوني: والتي تنبع أهميته من كونها تمس حريات الناس وأمنهم وحرية قرارهم وتمتد لذواتهم وممتلكاتهم. ومن شأن إرساء نظام قانوني لا يجامل ولا يحابي فيه أحد ويعطى كل ذي حق حقه، أن يعزز من الإنتماء للدولة ويعزز أيضاً من الجهد المبذول لتنميتها.

• تصور العدالة من زاوية الإنصاف، والتي من خلالها تُزال الفوارق وتعالج التشوهات وتعمل كمرتكز للهوية من خلال تعميق إنتماء الفرد لبيئته الاقتصادية كونه فرداً فاعلاً فيها، وتقوم على أكتافه نهضة الدولة وتقدمها، وأن تحقيق العدالة والإنصاف في معاملته يعني أنه لن يتواني عن تقديم ما لديه لإحراز التقدم المستهدف.

ويتفرع عن هذه الزوايا مجموعة من الحقوق من شأنها أن تدعم وجود هوية اقتصادية، وهي على النحو التالي :

• الحق في العمل والتوظف ( إتاحية فرص العمل للجميع) : والذي يعد أهم حق للمورد البشري، حيث أن إستغلال قواه الإنتاجية وقدراته يولد دوافع لديه في بذل المزيد من الجهد وبالتالي المزيد من الانتاج والانتاجية. ومع وجود تطبيق للعدالة، فإن الجهد يضاعف والقدرات تتزايد.

• الحق في نصيب عادل من الثروة، الذي يمثل أمراُ حيوياً لأي مجتمع يود وجود تماسك بين أفراده، فالدول التي تصل لتحقيق التوزيع العادل للثروة أو حتى جزء منه، يمكن لها أن تستفيد من كامل قدرات أفرادها وتقلل من حالة عدم الرضا او النفور الذي قد يتواجد.

• الحق في الحماية الاجتماعية، وذلك إنطلاقاً من أن الدولة التي يوجد بها شبكات قوية للحماية الاجتماعية هي أقل تعرضاً للتقلبات في النشاط الاقتصادي من تلك التي تضعف فيها هذه الشبكات، حيث تسهم في نفقات الحماية الاجتماعية في تعويض تقلبات النشاط الاقتصادي.

وخلاصة القول، أن تشكيل هوية اقتصادية عبر مدخلي التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية، ينطلق من تلازم التنمية والعدالة وبخاصة العدالة الاقتصادية، التي هي جزء لا يتجزء من العدالة الاجتماعية، والتي تدور علاقاتها بدءاً بعلاقات الإنتاج ( العلاقة بين المدخلات والمخرجات) ويتبعها عدالة التوزيع. وتنطلق أهمية العدالة الاجتماعية كمدخل لإسترداد الهوية الاقتصادية في أنها تستوجب تلبية الحاجات الإنسانية لأفراد المجتمع، ذلك أنه بدون إشباع هذه الحاجات لا تكتمل للفرد إنسانيته، ولا يتوافر له القدر المستحق من الكرامة و لا يمكنه التعبير عن ذاته سياساً أو اقتصادياً أو إجتماعياً. وعليه، تقتضي ألية عمل العدالة الجتماعية كمدخل لأستردارد الهوية الاقتصادية توافر مؤسسات اقتصادية واجتماعية وسياسية، وطرق حياة تمكن من الوفاء بحقوق الإنسان، وتساعد كل فرد على إشباع حاجاته.

المصدر
أحمد أبو زيد، معضلة العدالة الاجتماعية، الأهرام، 27 يناير 2018 أيمن نبيل غانم، إعادة بناء الهوية الاقتصادية.. غياب الواقع لا يصنع مستقبلاً، جريدة النهار 9 أكتوبر،2016 إبراهيم العيسوي، الأفاق المستقبلية للعدالة والتنمية في اقتصاد الربيع العربي: حالة مصر، مجلة التنمية والسياسات، المجلد 15 ، العدد 1، المعهد العربي للتخطيط، الكويت، يناير، 2013، ص199. إبراهيم حسن العيسوي، نماذج التنمية المستقلة البديل لتوافق واشنطن وإمكانية تطبيقه في زمن العولمة، مجلة التنمية والسياسات الاقتصادية ، المعهد العربي للتخطيط، المجلد 13، العدد1، الكويت، يناير،2011، ص40 عبد المنعم السيد على، التنمية المستقلة : المفهوم- الاستراتجيات- المؤشرات- النتائج : دراسة مقارنة في أقطار مختارة، مجلة بحوث اقتصادية عربية، العدد3، القاهرة، 1994، ص5 محمد ديويدار، الاقتصادي العربي وتعميق التخلف الاقتصادي، مجلة مصر المعاصرة، المجلد 70، العدد 377، القاهرة، 1979،ص1 محمد محمود شعيتاني، «هجرة الكفاءات وآثارها الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة»، جريدة الديار، 15 سبتمبر2014 وسام محمد، كيف تعمقت ظاهرة اللامساواة في الدخل والثروة في مصر؟، دراسات بحثية، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، 25 فبراير2018
إغلاق