بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

مقالات

الفقر بين الحتمية والمواجهة

الوسوم

في البداية ينبغي الإشارة إلى أن السبب الرئيسي في كتابة هذا المقال حول مدى حتمية ظاهرة الفقر من عدمها هو اشتعال ظاهرة الفقر يوماً بعد الآخر، رغم الكثير من الجهود على المستوى الدولي والوطني، فضلاً عن ظهور مئات المنظمات والجمعيات الخيرية التي تهدف إلى دعم ومساعدة الفقراء، بحيث أصبح العالم كما قال الرئيس الجنوب إفريقي السابق تامو مبيكي “جزيرة أغنياء تحيط بها بحار من الفقراء”.

أما السبب الآخر لكتابة هذا المقال هو ما نراه حالياً من بعض المحللين والخبراء الاقتصاديين عبر وسائل الإعلام المختلفة، الذين يحاولون إلقاء اللوم على الفقراء دوماً بأنهم المسؤولون عن استمرار تلك الظاهرة، فنرى بعضهم يعيد الفقر إلى الزيادة السكانية المرتفعة، بينما يطالب البعض الآخر بضرورة تقليل المواطنين للإنفاق ولعدد الوجبات التي يتناولونها يومياً!، وكل هذا يجرى في ظل ظروف صعبة تشهدها العديد من البلدان العربية على المستويين الاقتصادي والأمني.

لذا فإن الجزء الأول من المقال يستعرض الخلفية التاريخية للرأي القائل بحتمية ظاهرة الفقر ثم الأسباب المؤدية لذلك، ثم بعد ذلك فيما تبقى من المقال يتم الرد على هذا الرأي مع الإشارة لبعض المشكلات التي تواجه ظاهرة الفقر في العالم. ولعل ما يجئ في السطور القادمة يساعد ولو بشيء نذير في توضيح أسباب ظاهرة الفقر في العالم، والمساهمة في إيجاد حلول غير تقليدية لمواجهة تلك الظاهرة الخطيرة.

لماذا الفقر ظاهرة حتمية؟

لقد بات معروف في الفكر الاقتصادي أن أول من طرح فكرة حتمية الفقر هو القس توماس مالتس Thomas Malthus عام 1798م، من خلال مقالته “مقالة في مبدأ السكان”، حيث رأى مالتس أن الفقر سيظل ظاهرة حتمية بسبب الفجوة الكبيرة بين زيادة السكان بمتوالية هندسية، في مقابل زيادة الموارد الغذائية بمتوالية حسابية، وبالتالي يرى مالتس أن مشكلات الجوع والبطالة والفقر وسوء أحوال الصحة العامة وانتشار الرذيلة وفساد الأخلاق إنما هي مشاكل حتمية لا ذنب لأحد فيها, فهي ترجع إلى مفعول هذا القانون الأبدي الذي يعمل في كل زمان ومكان وفي كل الظروف التي يمكن أن يعيش فيها الإنسان.

ثم جاء من بعد مالتس الداروينيون الاجتماعيون Social  Darwinists  الذين رأوا أنه كما أن تطور الكائنات الحية يكون عن طريق “الانتخاب الطبيعي”، إذ لا يبقى منها إلا من هو قادر على التكيف مع الحياة، فإن الحياة الاجتماعية كذلك أيضاً، فمن يستطيع التكيف مع تلك الحياة هو الذي يستحق الثروة والغنى، وبالتالي فإن الفقر ليس إلا عجزاً أو عدم قدرة على التكيف.

وبصفة عامة يرى أصحاب اتجاه حتمية ظاهرة الفقر، أن هناك أسباب عديدة وراء استحالة القضاء على الفقر في المجتمعات المختلفة، ويمكن طرح تلك الأسباب في النقاط التالية بشكل مختصر:

الأمر الأول؛ أن العديد من المجتمعات البدائية التي تعيش في بلدان العالم الثالث لا تعرف مفهوم الفقر، وتعيش في هدوء واستقرار في مجتمعات القبيلة والقرية، بينما نحن الذين نطلق عليهم أنهم فقراء، لمجرد أنهم لا يحظون بنفس المستوى من المعيشة الذي نحظى به من وسائل الترفيه والتكنولوجيا الحديثة، بينما لو سألنا هؤلاء عن مدى سعادتهم بحياتهم الحالية، فستكون الإجابة قطعاً بالإيجاب.

وثانياً؛ فإن الكثير من المساعدات الإنسانية التي تذهب إلى تلك البلدان النامية، يتم نهبها وسرقتها من قبل المسؤولين في تلك البلاد، بل بعض تلك الأموال تذهب إلى شراء السلاح، وخلق مزيد من الحروب والجرائم وأعمال الشغب والانقلابات العسكرية، وبالتالي سواء شئناً أم أبينا، فإن تلك الظاهرة – ظاهرة الفقر– ستظل مرتبطة بطبيعة تلك المجتمعات التي يسود عدم الاستقرار بها.

الأمر الثالث؛ ساهمت الأموال التي تم تقديمها إلى الفقراء، في زيادة أعداد الفقراء، بسبب فساد الحكومات في بعض تلك البلدان، وذهابها إلى الخارج في صورة ممتلكات فارهة من قصور وسيارات وودائع في البنوك، بل كانت تلك الأموال دعماً للقادة السياسيين للبقاء في السلطة.

وأخيراً؛ فإن اتهام الأغنياء بأنهم المسؤولون عن انتشار ونمو ظاهرة الفقر، هو أمر غير صحيح، ذلك أن الأغنياء هم المسؤولون عن استمرار العمليات الإنتاجية وتراكم الثروة. ووفقاً لنظرية “تساقط الثمار Trickle-down Theory” فإن تراكم الثروة في يد الأغنياء سيؤدي في النهاية إلى تحسن حياة الفقراء عبر تساقط ثمار التنمية على الفقراء، وذلك كما حدث في الدول المتقدمة، وإذا كان الاتهام موجه للأغنياء بأنهم السبب في فقر تلك المجتمعات بحرصهم المستمر على الاستحواذ على الثروة وعدم العدالة في التوزيع، فلننظر إلى تلك المجتمعات التي حدث بها تأميم للممتلكات الخاصة، هل حدث بها تقدم وتنمية اقتصادية؟!

هل الفقر ظاهرة حتمية بالفعل؟

على الرغم من أن الرأي القائل بحتمية ظاهرة الفقر ما زال هناك من يؤيده في عالم اليوم، إلا أنه يمكن القول بكل الثقة إن الرأي السائد حالياً هو أن الفقر أصبح ظاهرة عالمية غير حتمية، يحظى باهتمام المؤسسات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة التي باتت تتبني خططاً للتنمية والقضاء على الفقر، مثل خطة التنمية للألفية من أجل إزالة الفقر (1995 – 2015)، وكذلك خطة التنمية لما بعد 2015، التي يتم العمل بها حالياً.

إن ظاهرة الفقر هي ظاهرة إنسانية غير حتمية يمكن التحرّر منها؛ بل لقد أصبحت محاربتها والقضاء عليها مطلباً ملحاً لحقوق الإنسان، وكذلك ضرورة أخلاقية وأولوية تنموية وقاعدة لإقامة السلم واجتثاث شأفة الحروب والفتن والإرهاب على مستوى العالم أو أي من مجتمعاته، فسقطت بذلك نظريات الفقر القائلة بالحتمية كالمالتسية والداروينية الاجتماعية.

أما الارتكان إلى ظاهرة الزيادة السكانية والاكتظاظ السكاني كمبرر لوجود الفقر، فهو أمر في غير محله، فمن الصحيح أن الزيادة السكانية تمثل تحدياً أمام الحكومات في تحقيق التنمية، إلا أنها لا يجب أن تكون عائقاً لتحقيق ذلك، والدليل على ذلك أن دولاً مثل ماليزيا وكوريا الجنوبية والصين استطاعت بذل العديد من الجهود للحد من الفقر بشكل ملحوظ مع مرور الوقت، بسبب التخطيط السليم والسياسات الفعالة.

ولكن تكمن المشكلة الحقيقية في أن الحكومات تكتفي فقط ببرامج التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي التي تفرضها المؤسسات الدولية التي تقوم على الخصخصة وتخفيض الإنفاق العام، والتحرير المالي والتجاري، والتخفيض الضريبي للشركات، دون أن يصاحب ذلك برامج طموحة لمعالجة قضايا التنمية والفقر في المجتمع، إذ يجب أن تعمل الحكومات على إيجاد برامج لتحقيق النمو الاقتصادي وتحقيق العدالة الاجتماعية وضمان التوزيع العادل للثروة، وينبغي الإشارة في هذا الإطار إلى أنه بات جلياً لدي الاقتصاديين أن برامج التنمية لا تكفي بذاتها للقضاء على الفقر، بل ربما تعمل على توسيع رقعة الفقر وزيادة التفاوت بين طبقات المجتمع، وفوز الأغنياء بالنصيب الأوفر من مزايا التنمية، لذا فإن وجود برامج وآليات لتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية هو الضمان الحقيقي لتحقيق برامج التنمية لأهدافها المنشودة.

ولعل أبرز الأخطاء التي ترتكب من قبل الحكومات في هذا المضمار، هو تطبيق المشروطيات الاقتصادية الدولية ذاتها، على الرغم من اختلاف الظروف المحلية لبلدانهم عن بعضها البعض، ما يجعل تلك البرامج التي تفرضها المؤسسات الدولية لا تنجح في النهاية أو على الأقل تأتي بنتائج عكسية، ولذا يدعو الاقتصادي “جيفري ساكس” في كتابه “نهاية الفقر” إلى تنويع التجارب التنموية لتتناسق مع ظروف كل دولة على حدة، حيث يرى أن التحديات التنموية للدول تتنوع بتنوع الخصائص الاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية والسكانية والجغرافية لتلك الدول.

ومن الصحيح أن تواجد الصراعات السياسية والعسكرية والفساد والتنوع العرقي في البلدان النامية يصعب من قضية مواجهة الفقر، إلا أنه من الممكن مواجهة تلك الظاهرة والحد منها كما حدث في بعض البلدان النامية الإفريقية مثل رواندا وموريشيوس على سبيل المثال، لذا يمكن القول إنه طالما توافرت الإرادة الحقيقية والإصلاح السياسي في ذات السياق مع الإصلاح الاقتصادي، يمكن للدول أن تقطع أشواطاً هائلة في مواجهة ظاهرة الفقر، أما حدوث الإصلاح الاقتصادي في ظل بيئة سياسية غير مواتية سوف يؤدي إلى نتائج عكسية، تصب في النهاية في صالح الأغنياء والقطاع الخاص.

ومن الأمور التي تؤكد على أن الفقر ليس ظاهرة حتمية هو أن الكثيرين ممن يتربعون على عرش الثروة في العالم الآن كانوا من أصول فقيرة، وهذا أمر مبشر، لأن ذلك يساهم في تضييق الهوة في الرؤي بين الأغنياء والفقراء، وقبول الأغنياء بتقديم المزيد من الدعم لمجتمعاتهم، ولعل ما  صرح به الملياردير الأمريكي والمؤسس لشركة “مايكروسوفت” بيل جيتس بأن الولايات المتحدة وبالتالي العالم سوف يشهد أزمة عالمية مماثلة لنظيرتها عام 2008، ولذا طالب بيل جيتس الحكومة الأمريكية بفرض مزيد من الضرائب على الأغنياء والأثرياء، لمواجهة حدوث مثل تلك الأزمة ودعم الفقراء في المجتمع الأمريكي.

إن الفقراء في العالم لا يطالبون بمستوى مرتفع من الرفاهية كتلك التي يحصل عليها الأغنياء، بل لا يطالبون بأكثر من الأساسيات الثلاثة لحماية الحياة من الفقر، والتي تتمثل في (منزل آمن بأسعار معقولة، وتعليم جيد، ووظيفة مناسبة). وعندما تتوافر تلك الأساسيات الثلاثة فإن الشعوب تكون قادرة على الصمود في مواجهة التحديات الأخرى التي تنشأ في المجتمعات.

والحقيقة الراسخة أن المجتمعات تُبني على الثقة والتعاون، فإذا غاب ذلك، فإن تلك المجتمعات في طريقها إلى التخلف والجهل والفقر، وما لم تتوافر الثقة والتعاون بين الأغنياء والفقراء والعمل على تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع أفراد المجتمع الواحد، فإن العالم سيشهد المزيد من الحروب والأزمات الاقتصادية. ولعلنا نعرف أن هناك ما يقارب 30 ألف فرد يموتون يومياً بسبب ظاهرة الفقر وعدم توافر الموارد الغذائية ومياه الشرب الآمنة.

وتحقيق تماسك المجتمع ورفاهيته لا يتأتى إلا من خلال العمل الجمعي للقضاء على ظاهرة الفقر، ومن الصحيح أنه لا توجد عصا سحرية لعمل ذلك، إلا أنه بالعمل الدؤوب والرؤي المشتركة للمجتمع يمكن التقدم نحو القضاء على الفقر. وأخيراً، فإن أدق ما يمكن قوله في النهاية هو ما ذكره الرئيس السابق لجنوب إفريقيا الزعيم نيلسون مانديلا “إن الفقر مثل العبودية والفصل العنصري، ليس ظاهرة طبيعية، وهو من صنع الإنسان، ويمكن التغلب عليه من خلال العمل البشري، ليس من خلال الصدقات والتبرعات، وإنما من خلال تحقيق العدالة. إن حماية الإنسان هو حق أساسي من حقوقه، مثل الحق في الكرامة والحياة الكريمة”.

إغلاق