بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةدراسات

متغيرات حاكمة.. العلاقة بين المشاركة السياسية والاستقرار في مصر

الوسوم

مع انخفاض نطاق المرشحين في انتخابات الرئاسة المصرية، وبعد انخفاض معدلات مشاركة المواطنين في التصويت خلال الانتخابات التشريعية والرئاسية السابقة، أصبحت انحسار المشاركة السياسية في مصر ظاهرة ملموسة، وللمشاركة السياسية علاقة شديدة الارتباط بمستوى الاستقرار في الدول، ونسعى في هذه الورقة إلى معرفة ملامح هذه العلاقة، ومحاولة تطبيقها على الواقع المصري، ما يعطينا مؤشرات واضحة عن مستوى المشاركة السياسية في مصر وأثر طبيعة المشاركة على مستقبل الاستقرار.

لذا تنقسم هذه الورقة إلى محورين رئيسيين، يتعلق الأول بتناول الإطار النظري للعلاقة بين المشاركة السياسية والاستقرار بصفة عامة، وتحليل أبرز المتغيرات المرتبطة بعلاقة المشاركة السياسية والاستقرار، تم ننتقل في المحور الثاني لتطبيق المقولات النظرية على الحالة المصرية، واستعراض أبرز المؤشرات المتعلقة بمتغيرات المشاركة السياسية، ما يساهم في تحديد المستوى الحالي من المشاركة السياسية، وأثره المستقبلي على الاستقرار المحلي.

أولا- الإطار النظري للعلاقة بين المشاركة السياسية والاستقرار:

تعني المشاركة السياسية في التعريف البسيط قيام أعداد كبيرة من الأفراد والجماعات بالمشاركة في الحياة السياسية فهي عبارة عن النشاط الذي يقوم به المجتمع بهدف اختيار ممثليهم، والمساهمة في صنع السياسات والقرارات بشكل مباشر أو غير مباشر.

كما يوجد بعض المؤشرات التي ممكن من خلالها قياس مستوى المشاركة السياسية في إحدى الدول، وهذه المؤشرات هي نطاق الترشح للمناصب السياسية والإدارية، ومستوى الانضمام إلى منظمات المجتمع المدني، وأخيرا المشاركة في الاجتماعات السياسية العامة، لذا تعد العلاقة وطيدة بين مستوى المشاركة السياسية والاستقرار السياسي في أحد الدول، وتتأثر هذه العلاقة وفقا لبعض المتغيرات الرئيسية مثل مستوى التحديث في المجتمع، وما يتضمنه من حالة اقتصادية ومستوى التعليم والتحريك الاجتماعي، وهي المتغيرات التي سنلقي الضوء عليها فيما يلي.

• موقع الدولة من الحداثة:

تتميز الدولة الحديثة عن نظيرتها التقليدية باتساع مدى مشاركة الناس في السياسة، وتتسم المشاركة السياسية في الدول الحديثة باتساع نطاقها بين الطبقات المختلفة والنطاقات الجغرافية المتعددة، بينما في المجتمعات التقليدية تنحصر المشاركة السياسية في مستوى القرية الضيق، وتكون المستويات الأعلى محدودة المشاركة ومقتصرة على فئة ضئيلة ويعتبر صامويل هانتنجتون أن أهم أوجه التحديث السياسي هو مشاركة فئات اجتماعية في السياسة فوق مستوى القرية أو المدينة، وإنما في نطاق المجتمع ككل، وتطوير مؤسسات سياسية جديدة كالأحزاب السياسية لتنظيم هذه المشاركة، وفي حال اتساع المشاركة على هذا النحو، فتتعرض الروابط التقليدية بين العائلات والقبائل للانحلال لصالح مؤسسات سياسية جديدة، ما يخلق حالة من عدم الاستقرار السياسي، نظرا للصراع المتوقع بين الفئات الفاعلة الجديدة ونظيرتها التقليدية.

حيث تعمل المرحلة الانتقالية الأولى على تفسخ القيم التقليدية لصالح قيم جديدة أكثر فوضوية مثل حرب الفرد ضد الكل، ويتطلب هذا التحول وجود ثمة إدراك متزايد لدى الأفراد عن ذواتهم ومصالحهم، وعلاقة ذلك بالروابط المصلحية الأخرى في المجتمع، وعادة ما تظهر حركات أصولية دينية في المراحل المبكرة لهذا التحول نحو الحداثة السياسية.

ومن المرجح أن يؤدي التحديث السياسي إلى تفاقم الصراع بين الجماعات التقليدية وبعضها البعض من ناحية، وبين الجماعات التقليدية والعصرية من ناحية أخرى، فتظهر العداوات على سبيل المثال بين البيروقراطيين والمفكرين، وبين السياسيين والعسكريين وهكذا، وتصل أغلب هذه الصراعات إلى مستوى العنف بحسب هانتنجتون.

ويربط هانتنجتون بين مستوى التحديث والاستقرار السياسي، ويعتبر أن الدول العصرية هي أكثر استقرارا من الدول التقليدية، وتزداد احتمالية حدوث اضطرابات وثورات في المجتمعات التقليدية، التي غالبا ما تعاني من ارتفاع معدلات الفقر والأمية.

• مستوى النمو الاقتصادي:

بخلاف الشائع، ينخفض معامل ارتباط العامل الاقتصادي بمسألة الاستقرار، كما أن النمو الاقتصادي لا يقود بالضرورة إلى استقرار سياسي، وعلى العكس فقد وقعت أغلب ثورات العالم عقب فترة من الازدهار الاقتصادي الجديد، وعادة ما ينحو الفقير ناحية الجمود ولا يحبذ التغيير، والأكثر دقة أن مستوى التطور الاقتصادي هو الأكثر ارتباطا بالاستقرار عن النمو الاقتصادي، ففي الدولة التي حققت مستويات عالية من التطور الاقتصادي يكون الاستقرار موجودا، بينما الدول الحديثة النمو تشهد حالة من عدم الاستقرار، بسبب ظهور فئات اجتماعية جديدة تسعى إلى تمثيل مصالحها غير الممثلة في العملية السياسية القديمة.

ويعود هذا إلى تزايد الإدراك الاجتماعي لعملية توزيع الثروات، وتزايد الرغبة لدى المجتمعات في إعادة التوزيع، ويحدث هذا عادة في المراحل الانتقالية، لأن المرحلة التقليدية تكون قد اعتادت التفاوت في التوزيع، لذا تنتج المواجهة الاجتماعية بين الطموحين الجدد وهياكل الحٌكم القديمة، ما يظهر في المدن بشكل واضح بخلاف الريف، وهو أمر يتطلب وجود مؤسسات سياسية قادرة على التكيف مع هذه الأوضاع، وإلا ستحدث حالة عدم الاستقرار.

مستوى التعليم

يذهب العالم الأمريكي صامويل هانتنجتون للقول بوجود ثمة علاقة بين ارتفاع مستوى التعليم والاضطرابات الاجتماعية، ولا تكمن هذه العلاقة بوجود أعداد قليلة من المتعلمين، لكنها تحدث نتاج اتساع عدد المتعلمين عن الحاجة الفعلية للدولة، أو بشكل لا تستطيع الحكومات والأسواق استيعابه، ويؤدي هذا الوضع غير المتوازن إلى صناعة ضغوطات اجتماعية جديدة بين الطبقات الوسطى على وجه الخصوص، والتي يشعر المنتمون لها بحالة من عدم الرضاء عن الأوضاع السياسية، ما يدفعهم إلى إثارة الاضطرابات الاجتماعية بغية توسيع نطاق مشاركتهم السياسية، وتعد تظاهرات الطلبة بدولة كوريا في فترة الستينيات مثالا على هذا، وكذلك ثورة 25 يناير في مصر،  وفي المقابل عادة لا تتسبب الفئات الأقل تعليما في حدوث اضطرابات سياسية، وينحصر تأثيرها في القيام بأعمال التخريب والجريمة ذات الأبعاد الجنائية لا السياسية، أو بالأحرى تقع أفعالهم على هامش العملية السياسية.

معدلات الفساد

كما أن هناك علاقة بين ارتفاع مستوى المشاركة السياسية وارتفاع معدلات الفساد حال غياب مؤسسات سياسية قوية وقادرة على تمثيل المصالح الاجتماعية الجديدة، فالفساد يكون أكثر انتشارا في الدول التي تفتقد إلى أحزاب فاعلة وفي المجتمعات التقليدية على حد سواء، ويتفشى الفساد في هذه الحالة بسبب تزايد الرغبة في تحقيق المصالح الفردية والعائلية، خاصة في المجتمعات التي تتسم بالنفوذ السياسي على عملية التوزيع الاقتصادي كمصر، لذا فيعد ضعف التنظيم الحزبي هو الفرصة الملائمة لظهور الفساد وفقا للباحث الأمريكي هنري جايمز فورد.

العلاقة بين الريف والمدينة

كما يرتبط اتساع المشاركة السياسية بالعلاقة بين الريف والمدينة، وفي البداية يهيمن الريف على المدينة سياسيا واجتماعيا، ويكون الأول تحت سيطرة الفئة الارستقراطية الصغيرة من الملاك، ويصبح مستوى المشاركة السياسية الوطنية في هذه المرحلة منحصرا على الارستقراطيين والقادة العسكريين والبيروقراطيين، وتدفع هذه الظروف ناحية سيطرة نخبة ريفية صغيرة على المدينة والريف.

 ومع عملية التحديث يبرز دور الطبقة الوسطى الطامحة للتغيير في المدينة، ما يعرض حالة الاستقرار للخطر بسبب النزاعات داخل الجماعة الواحدة أو بين الجماعات المدينية وبعضها البعض، ما ينسحب على سكان الريف الذين عادة ما يكونون محل تنافس من القوى التقليدية والجديدة، ويعد توسع المشاركة السياسية للريف هي نقطة التحول في توسيع إطار المشاركة السياسية، وحال نجحت الطبقة الوسطى الجديدة في توسيع المشاركة السياسية من خلال التحالف مع الريفيين.

وخلاصة القول في هذه النقطة أنه بينما الحداثة تصنع الاستقرار، فإن عملية التحديث ذاتها تصنع حالة من الفوضى، بينما يرتهن نجاح اتساع المشاركة السياسية في تعميق الاستقرار بمدى تمتع المجتمعات بمؤسسات سياسية قوية.

العلاقة بين المشاركة والمؤسساتية السياسية والاستقرار

يمكن تعريف المؤسساتية السياسية على أنها أنماط من السلوك السياسي الثابت والمقيّم والمتواتر، فهي العملية التي تكتسب بها التنظيمات السياسية حتمية وثباتا، ويعد أبرز اشكال المؤسسات السياسية هي الأحزاب، ويتوقف استقرار أي نظام سياسي على طبيعة العلاقة بين مستوى المشاركة السياسية ومستوى المؤسساتية السياسية.

فقد يكون مستوى المؤسساتية السياسية في مجتمع تدني فيه مستوى المشاركة السياسية أكثر تدنيا منه في مجتمع مرتفع المشاركة، ومع ذلك فإن الحالة الأولى (المؤسسات والمشاركة المنخفضين) قد يجلبان وضعا أكثر استقرارا عن نظيرتها الثانية، أي أن الاستقرار السياسي يعتمد على النسبة بين المؤسساتية والمشاركة.

لذا مع تزايد معدلات المشاركة السياسية يجب أن يتزايد مقدار تعقيد واستقلالية وتكيف وتماسك المؤسسات السياسية في المجتمع للمحافظة على الاستقرار السياسي، وهي العلاقة الموضحة في الشكل التالي:

 

المصدر: صموئيل هنتجتون، ” النظام السياسي لمجتمعات متغيرة”، ترجمة: سمية فلوعبود، (بيروت: دار الساقي، ط2، 2015).

وبالتالي يؤدي ضعف المؤسسات السياسية في ظل وجود قوى اجتماعية قوية إلى افتقاد القانون والسلطة والتماسك والنظام والإجماع، وتشهد نموا للطموح والتمرد، ويحدث هذا حتى في ظل توفر نخبة حاكمة تستطيع التحكم في الجماهير.

ومن هنا تأتي أهمية وجود أحزاب قوية في المجتمع، حيث تعمل على تنظيم المشاركة وتجميع المصالح، وأن تكون وسيطا بين القوى الاجتماعية والحُكم، وعندما تكون المؤسسات السياسية التقليدية ضعيفة أو غير متوفرة، يصبح الشرط الأساسي للاستقرار وجود حزب سياسي واحد على الأقل بدرجة عالية من المؤسساتية، وهكذا تكون أكثر استقرارا من الـدول التي تفتقد لمثل هذا الحزب.

وتقاس موازين المؤسسات السياسية وفقا لمدى احتوائها على مشاركة واسعة من قبل القوى الاجتماعية، وكذلك قدرتها على التكيف مع تطورات العملية السياسية، ومستوى التعقيد التنظيمي لدى هذه المؤسسات، فضلاً عن مدى تماسك المؤسسة من الناحية الداخلية بين أعضائها.

ثانيا- الحالة المصرية:

وينقسم هذا المحور لجزئين رئيسيين، الأول نتناول خلاله مؤشرات المشاركة السياسية في مصر، والثاني يتناول وضع متغيرات العلاقة بين المشاركة والاستقرار

1- مؤشرات المشاركة السياسية في مصر:

يمكننا الاستناد إلى المؤشرات المتعلقة بنطاق الترشح للمناصب السياسية والإدارية العامة، وكذلك مستوى مشاركة المواطنين في الاجتماعات السياسية العامة، ما نتناوله فيما يلي:

• نطاق الترشح للمناصب السياسية والإدارية العامة

شهدت مصر بعد ثورة 25 يناير اتساع نطاق الترشح للمناصب في الدولة بشكل مطرد، وعزز من هذا الوضع رغبة أغلب المواطنين في المنافسة على المناصب السياسية، علاوة على اتخاذ الدولة بعض الإجراءات التي تعزز من ديمقراطية اختيار بعض المناصب، ومنها منصب عمداء الكليات الذي تم الإقرار باختياره عبر الألية الانتخابية، كما شهدت انتخابات اتحادات الطلبة ترشح العديد من القوائم الطلابية في المنافسة، وهو الوضع الذي لم يختلف عنه نطاق الترشح في انتخابات البرلمان والرئاسة، وشهدت الأخيرة ترشح حوالي 12 مرشح في عام 2012 على منصب رئيس الجمهورية، وكذلك تعدد القوائم الحزبية المُنافسة في انتخابات البرلمان في عام 2011 لتصل إلى أكثر من 5 قوائم حزبية تتنافس فيما بينها، وكانت هذه المؤشرات تعكس ارتفاع مستوى المشاركة السياسية في مصر.

وبعد 30 يونيو شهد نطاق الترشح انحصارا كبيرا، وتم الغاء طريقة الانتخاب في اختيار عمداء الكليات، كما تم تأجيل انتخابات اتحاد الطلبة ثم إلغائها عقب اتمامها، وفي انتخابات البرلمان في عام 2015، انحصر الترشح في 3 قوائم انتخابية، ووصل الأمر إلى ترشح قائمة واحدة فقط في إقليم محافظات القناة وسيناء، لتحسم الانتخابات دون وجود أي منافسين أمامها، وتكرر هذا في الترشح لمنصب رئاسة الدولة، وشهدت انتخابات 2014 و2018 ترشح شخصين فقط على منصب الرئيس، ما أدى الى انحصار المشاركة السياسية بشكل جذري بعد 30 يونيو.

• المشاركة في الاجتماعات السياسية العامة:

ارتفعت معدلات مشاركة المواطنين في الاجتماعات السياسية العامة منذ ثورة 25 يناير، وشهدت مصر فعاليات سياسية واسعة حتى عام مطلع عام 2014، ما انعكس في تزايد مشاركة المواطنين في التصويت على الاستحقاقات الانتخابية والدستورية المختلفة على الرغم من كثرتها خلال هذه الفترة، وحققت انتخابات برلمان 2011 على سبيل المثال أعلى نسبة مشاركة في تاريخ الانتخابات المصرية بنسبة قاربت من 60% من إجمالي عدد من لهم الحق في التصويت.

إلا أن هذه النسب شهدت تراجعا واضحا عقب 30 يونيو، وسجلت نسبة المشاركة في التصويت خلال انتخابات البرلمان في 2015 نسبة أدني بكثير من انتخابات 2011، وحققت معدل مشاركة 28% تقريبا بحسب بيانات اللجنة العليا للانتخابات، كما ساهم إصدار قانوني التظاهر وعمل الجمعيات الأهلية في انخفاض عدد الفعاليات السياسية بصفة عامة، ما انعكس في اختفاء الاجتماعات السياسية العامة بخلاف الانتخابات.

• حالة المؤسساتية السياسية:

انعكس العزوف عن المشاركة السياسية على حالة المؤسسات السياسية بعد عام 2013، وانعكس هذا في عدم قدرة بعض الأحزاب على التكيف مع الأوضاع السياسية الجديدة، ونجد حالات مثل أحزاب “النور” و “الدستور” وكلاهما مثلا تجارب واعدة قبيل عام 2013، وتعرضا بعضها لحالة من التراجع واضحة، كما فشلا في استقطاب قوى اجتماعية جديدة تستطيع التعبير عن مصالحها.

بينما عانت أغلب الأحزاب إن لم يكن جميعها من الاضطرابات الداخلية والانشقاقات المتنوعة، وعلى سبيل المثال تعرض حزب المصريين الأحرار لانسحاب مؤسسي الحزب منه على أثر بعض الخلافات الداخلية، ما تكرر مع حزب المصري الديمقراطي، وحتى حزب الوفد القديم نسبيا شهد بعض الاضطرابات الداخلية، ناهيك عن الأحزاب الحديثة مثل ” مستقبل وطن” الذي لم يسلم أيضا من الاضطرابات الداخلية.

كما تعكس أرقام الجمعيات العمومية انخفاض حجم التمثيل الاجتماعي داخلها، وحزب كالمصريين الأحرار وهو الحزب الأكبر في البرلمان سجلت انتخاباته مشاركة 500 عضوا فقط، بينما لم تزيد الجمعية العمومية لحزب الوفد عن 1300 شخص، وهو العدد الأكبر من بين الأحزاب المصرية، في دلالة واضحة على ضعف القاعدة الاجتماعية للمؤسسات السياسية في مصر.

وأدى ضعف المؤسسات الحزبية إلى لجوئها إلى استقطاب بعض قيادات الدولة السابقين، خاصة القيادات الأمنية، كوسيلة للتقرب من السلطة ومحاولة دعم الوضع التنافسي للأحزاب، ما أفضى في نهاية المطاف إلى تحول أغلب الأحزاب ناحية تبني مصالح قيادات الدولة، بدلا من تمثيل شرائح اجتماعية مختلفة.

2- متغيرات العلاقة بين المشاركة السياسية والاستقرار:

وهي متغيرات الفساد ومستوى التعليم ومعدل التفاوت الاقتصادي كما تناولنا في المحور الأول

• الفساد:

وفقا لتقديرات منظمة الشفافية الدولية التي تعرف الفساد على إنه إساءة استغلال السلطة المؤتمنة من أجل المصلحة الشخصية، نلاحظ تراجع مصر في مؤشر مدركات الفساد خلال السنوات الماضية، وذلك على الرغم من تشديد الرئيس المصري على مكافحة الفساد داخل الدولة، وتكثيف نشاط هيئة الرقابة الإدارية، ما انعكس في إلقاء القبض على بعض شاغلي المناصب العُليا في الدولة مثل الوزراء وموظفين دواوين عموم المحافظات.

وتسجل البيانات تراجع ترتيب مصر في مؤشر مدركات الفساد لعام 2017 بمقدار درجتين، مسجلة 32 نقطة، مقابل 34 في عام 2016 و36 في عام 2015 و37 في عام 2014 و32 في عامي 2012 و2013.

ويستند المؤشر إلى مقياس (صفر- 100) حيث يكون صفر هو أعلى معدلات الفساد و100 هو انعدام وجود فساد على الإطلاق، أي كلما اقتربت درجة الدولة على المؤشر الذي يقيس مستويات النزاهة سنويا في مختلف دول العالم من صفر دل ذلك على أن هذه الدولة أكثر فساداً، وكلما اقتربت من 100 عكس ذلك زيادة نزاهتها.

وتحتل مصر حاليا المركز 117 في مؤشر الفساد من بين 180 دولة شملها المؤشر في 2017، وكانت مصر تحتل المرتبة 108 من أصل 176 دولة في 2016، في مقابل المرتبة 111 في عام 2009، ويوضح الشكل التالي تطور مؤشر الفساد في مصر خلال الفترة من 2009: 2017

ونلاحظ من الشكل السابق أن مصر تعاني من فساد مزمن إذا جاز التعبير، وارتفعت معدلات إدراك الفساد خلال السنوات القليلة الماضية، في إشارة إلى انخفاض مستويات المشاركة السياسية، التي يمكن أن يؤدي توسيعها إلى خفض معدلات الفساد كما سبق الذكر.

• التفاوت الاقتصادي:

تُظهر البيانات المتعلقة بتوزيع الثروة في مصر عن اتساع الفجوة في توزيع الدخل والثروة، وتسجل حصول 1% فقط من السكان على حوالي 48% من إجمالي الثروة في مصر، وتصل النسبة إلى 73.2% من نصيب 10% من السكان، وذلك خلال عام 2014، وهو وضع شديد الانحراف، ما جعل من مصر الدولة الثامنة في العالم في سوء توزيع الثروة.

كما يشهد توزيع الدخل في مصر مستوى مرتفع من عدم المساواة، وفي عام 2017 على سبيل المثال كان نصيب الـ1% الأكثر ثراًء 18%، وجاء هذا عقب القيام ببعض الإجراءات الاقتصادية الجذرية مثل تعويم الجنيه وفرض ضريبة القيمة المضافة.

وأظهرت البيانات أن كلًا من الطبقة الوسطى والغنية تشكلان معًا 15%، في حين أن 85% من الأسر المصرية تعيش على دخل أقل من 4.170 جنيهًا في الشهر، وعلى الوجه المقابل وصلت نسبة الفقراء إلى 27.8% من السكان؛ وهم من يعيشون على دخل 472 جنيهًا في الشهر.

• التعليم:

تكمن المفارقة في بيانات التعليم في مصر في مسألة انخفاض جودة التعليم وقدرته على إنتاج أشخاص قادرين على المنافسة في السوق الدولية من ناحية، وارتفاع معدلات التسجيل والخريجين في مستويات التعليم المختلفة من ناحية أخرى، وهي الحالة النموذجية التي تُبعث على عدم الاستقرار كما أشرنا فيما سبق.

وأشارت البيانات إلى ارتفاع عدد خريجي التعليم العالي عام 2015 وحده إلى 378 ألف خريج مقابل 308 آلاف خريج عام 2014 بزيادة بلغت نسبتها 22.7% ويرجع ذلك إلى زيادة عدد الكليات والمعاهد العليا الخاصة، ووصل إلى 487.8 ألف خريج خلال عام 2016، أي بنسبة 29%.

وعلى صعيد جودة التعليم، يستمر تراجع مصر في مراتب جودة النظام التعليمي بالنسبة إلى دول العالم، واحتلت مصر في عام 2010/2011 المرتبة 131 من أصل 139 دولة، ثم تراجعت مرة أخرى في عام 2013/2014 لتكون الدولة رقم 145 من أصل 148 دولة، واستمرت كثالث أسوء نظام تعليمي بين دول العالم في العام الدراسي 2016/2017.

خاتمة- المشاركة السياسية ومستقبل الاستقرار السياسي في مصر:

تناولنا في هذه الورقة الإطار النظري للعلاقة بين المشاركة السياسية والاستقرار، وإذا طبقنا المتغيرات المتعلقة بهذه العلاقة على الحالة المصرية، مع إضافة تزايد عدد الهجرة من الريف إلى المدينة؛ يُمكن القول إن مصر تعاني من حالة متأخرة للغاية في مستوى المشاركة السياسية، بعد حدوث انفراجة نسبية عقب ثورة 25 يناير في مستويات المشاركة السياسية.

وتمثلت المشاركة السياسية في مصر قبل 25 يناير بوجود ثمة مؤسسة سياسية وسيطة بين المجتمع والسلطة، على غرار الحزب الوطني والاتحاد الاشتراكي، وعملت هذه المؤسسات على ممارسة دورا وظيفيا في التحكم في مستوى المشاركة السياسية للمواطنين، وتمثيل شبكات مصالح بعينها، وهو الدور الذي تفتقده مصر خلال المرحلة الحالية.

فربما لم تشهد مصر منذ 100 عام وضعا شبيها بالوضع الحالي، وتكمن خطورة هذا في قيام ثورة 25 يناير في وضع شبيه من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، بينما يعتبر الوضع الحالي أشد سوءا من ناحية المؤسساتية السياسية، ما يستوجب التحرك السريع لإعادة ترتيب عملية المشاركة السياسية بشكل يوسع من نطاقها، ويعضد من حالة المؤسساتية السياسية.

ويعتبر هذا ضروريا لتجنب تكرار حدوث اضطراب واسع يهدد الاستقرار في مصر، ويمكن أن يتم هذا عبر سلسلة من الإجراءات من بينها الشروع في تنفيذ انتخابات المحليات، وفتح حرية المنافسة أمام الأحزاب السياسية، وتمثيل مصالح النخبة الحاكمة من خلال أحزاب سياسية واضحة، ويعتبر هذا ضروريا في ظل ارتفاع معدلات الفساد، وظهور شرائح اجتماعية واسعة جديدة نتيجة لتوسع المدينة وزيادة الهجرة لها من الريف، علاوة على عوامل مثل الزيادة السكنية وتزايد عدد المتعلمين، وهذه الشرائح ستلجأ الى استخدام وسائل بديلة للتعبير عن مصالحها في ظل ضعف الإطر الرسمية الراهنة، وهو ما ينذر بحدوث أعمال من الاضطرابات والفوضى؛ لا يمكن تجنبها إلا بتوسيع المشاركة السياسية في مصر، وإيجاد مؤسسات سياسية قوية وقادرة على استيعاب هذه المشاركة. 

المصدر
صموئيل هنتجتون، " النظام السياسي لمجتمعات متغيرة"، ترجمة: سمية فلوعبود، (بيروت: دار الساقي، ط2، 2015)أيمان بيبرس،“المشاركة السياسية للمرأة في الوطن العربى”، جمعية النهوض وتنمية المرأةولود زايد الطيب،علم الاجتماع السياسى(ليبيا: منشورات جامعة السابع من ابريل، 2007)Rebecca Weitz-Shapiro, Matthew S,Political Participation and Quality of Life(Washington, july 2008)وسام محمد، " كيف تعمقت ظاهرة اللامساواة في الدخل والثروة في مصر؟"، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، 25 فبراير 2018تقارير التنافسية العالمية
إغلاق