بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتقديرات

«نيوم».. الاستثناء وصناعة ما بعد الدولة

الوسوم

“نيوم، فكرةٌ فريدةٌ لا مثيل لها، ذكاءٌ لا نظير له (…) خارطةٌ جديدةٌ للحياة المستدامة (…) صُمّمت لتكون منطقةً اقتصاديةً مستقلة، تعمل وفق قوانينها وأنظمتها الضريبية ولوائحها التنظيمية الخاصة، التي وُضعت خصّيصاً لتشجيع نمو الثروة في المنطقة، بمستثمريها ومواطنيها”.

الاستثنائية المتوهَمة لـ”نيوم” ومثيلاتها من المناطق الاقتصادية الخاصة هي أيضاً جزءٌ من طريقة عملها.

لن يعجز المرء عن أن يجد عشرات الأوصاف المتطابقة بين آلاف من تلك المناطق في دعاياتها الترويجية وعلى مواقعها الإلكترونية، الحديث المكرر عن عبقرية الرؤية وريادة المستقبل وجذب الاستثمارات واستدامة التنمية هو قاسمٌ مشتركٌ بين أغلبها، إلا أن التوحيد القياسي اللازم لإتمام رسملتها يقتضي بالضرورة أرجحة مستمرة بين فرادة الهوية ورتابة البناء. «نويدا»، «أستانا»، «سونغدو»، «مصدر»، وحديثاً «نيوم»، عكف على تصميم الرسالة البصرية المميزة لكل منها خبراءٌ عالميون، إلا أنها تثير في النفس ذات الرطانة المألوفة. ككل المدن في روايات جيمس غراهام بالارد، هي صناديق زجاجية متكررة تقسّم الخواء ويخيّم عليها الفتور، إلا أن هذا الفتور هو ذاته ما يحرّك أحداث الرواية.

«استثناء» تقليدي

بالتأكيد “نيوم” ليست الأولى، كما أنها ليست فريدةً من نوعها، فعلى مدى النصف الثاني من القرن العشرين روّج البنك الدولي، بمساعدة المنظمات الإنمائية التابعة للأمم المتحدة، لمئات من المناطق الاقتصادية الخاصة المماثلة، هي بالتعريف جيوبٌ سيادية يتم اقتطاعها من إقليم الدولة لتعمل وفق قوانين خاصة، تأتي عادةً مصحوبةً بتحفيزات استثنائية وإعفاءات ضريبية وأيدٍ عاملة مخفّضة الأجر، بهدف تسريع النمو الاقتصادي وتعزيز التجارة الحرّة.

في العام 1966 بدأت المنظمة الأممية للتنمية الصناعية (يونيدو) بإعداد ونشر إحصاءات وتقديم خدمات استشارية حول المناطق الاقتصادية الخاصة، وبحلول العام 1971 كانت اليونيدو شريكاً استشارياً لأكثر من ثلاثين منطقة اقتصادية خاصة حول العالم. وصفت اليونيدو حينها المناطق الاقتصادية الخاصة كـ”مبادرات استثنائية مؤقتة” من المقدّر أن تعود إلى أطر الاقتصاد “العادية” الحاضنة لها بمجرد أن يكتمل نمو تلك الأخيرة.

إلا أن تلك المبادرات الاقتصادية الاستثنائية، التي كان من المفترض أن تكون مؤقتةً ومحدودةً بأعمار وأحجام الجيوب الإدارية التي تحويها، لم تلبث وأن تضخمت بمرور الوقت حتى ابتلعت ما حولها من اقتصادات.

توضّح الكاتبة والمعمارية كيلر إيسترلنغ في كتابها “صناعة ما بعد الدولة” أنه في ستينات القرن الماضي، كانت المناطق الاقتصادية الخاصة استثناءاً تُعدّ حالاته على أصابع اليدين، أما اليوم فيتخطى عددها بضع آلاف، وبينما اقتصرت مساحاتها على أجزاءٍ من مدن أو حتى بضع بنايات في الماضي القريب، تُقاس مساحات بعضها اليوم بآلاف الهكتارات، وفي حين جاء جيلها الأول بعيداً عن العواصم والمدن الكبرى كضمانة لتوازن التنمية في مجمل إقليم الدولة، تشغل أجيالها التالية مواقعاً إقليمية مركزية.

يرصد، على سبيل المثال، تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أنه في العام 2006 وصل عدد المناطق الاقتصادية الخاصة إلى زهاء 3500 منطقة يعمل فيها أكثر من 66 مليون شخص في 130 دولة حول العالم. إذن، “نيوم”هي التقليد، لا الاستثناء، وهي، كمثيلاتها من دبي إلى شنجن، في واقع الحال، نسقٌ من أنساق النظام المالي العالمي كما نعرفه اليوم.

الاستثناء الضرورة

الحديث عن التقليد كاستثناءٍ، له أيضاً مفعول عكسي في تطبيع الاستثناء كتقليد، فاستثنائية “نيوم” أتت مشفوعةً بحديث عن ضرورة الالتفاف على “بطء القانون” وعن حتمية “الإجراءات الاقتصادية الشجاعة” كأنها قدرٌ تأخر، لتلك المزاوجة بين الاستثنائية والتقليد أثرٌ في تمويه علاقة “نيوم” بمفهوم السياسة، فالحماس المفرط لنقد “نيوم” كمنتج سلطوي أو حداثي مجتزأ أو كولونيالي/ استعماري جديد قد يحرف النظر عن التناقض الأساسي في كون “نيوم”، كما غيرها من المناطق الاقتصادية الخاصة، استثناء فوق- سياسي، لا يمكن فهمه أو التفاوض معه أو مقاومته بالأدوات المتاحة للعمل السياسي والقانوني التقليدي، فكغيرها من المناطق الاقتصادية الخاصة، تمثل “نيوم” تحايلاً عنيفاً على مفاهيمٍ مستقرةٍ عن الممارسة السياسية، وكذا السلطوية منها، كسيادة المشرّع واحتكار الدولة للعنف القانوني واستقلال القضاء وغيرها. استثناء “نيوم” الجوهري، إذن، هو أنها تملك منح الاستثناء، بل وتحوّله إلى ضرورة، دون أن يكون لأحدٍ حق الرد.

ربما نعلم بحكم الضرورة أن عمل النقابات والاتحادات العمّالية معلّق في “نيوم”، كما في عموم دول المنطقة، لكن أحداً لا يعلم على وجه القطع إذا ما كان يمكن مقاضاة المستثمرين في “نيوم” أمام المحاكم العادية في أي من الدول الثلاث المضيفة لها، أو إذا ما يمكن للمؤسسات المحاسبية العاملة في تلك الدول الإطلاع على تحويلات الأموال منها وإليها. نحن لا نعلم بالأساس أيّاً من الأجهزة الحكومية المنوطة بالتخطيط والمتابعة في كل من الدول الثلاث المضيفة على اطّلاع بما يجري في “نيوم”، ولا ندري من سيقرر في المستقبل اللوائح الداخلية لعملها، ليس لأننا نثق في أجهزة ومؤسسات، نعلم مسبقاً تواطؤها، ونريد منحها سلطة الرقابة والمحاسبة. بل لأننا نريد فهم علاقتنا كأفراد مع السيادة الشركاتية الجديدة.

مناطق اقتصادية مبهمة

في كتابه “اللاهوت السياسي” يخلُص الفيلسوف السياسي الألماني كارل شميت إلى أن “السيادة هي أن تملك القرار في حالة الاستثناء”، ويضيف الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبن أن حالة الاستثناء، شأنها شأن الحروب الأهلية والانتفاضات الشعبية، تقع على حافةٍ غامضةٍ بين القانوني والسياسي، وتغدو الحافة الغامضة تلك أكثر غموضاً إذا كان الاستثناء ناتجاً عن واقعٍ سياسيٍ متأزم. استثنائية “نيوم” إذن لا تحيل بالضرورة إلى تسريع الأداء الاقتصادي أو جذب الاستثمار بقدر ما تحيل إلى مزيدٍ من الغموض والالتباس. فمساحة الأرض المخصصة لـ”نيوم”، والكيفية التي خُصّصت بها، والقوانين التي ستعمل وفقها، ومن سيتولى إدارتها وتمويل بنيتها الأساسية، وغيرها من التفاصيل البديهية تبدو غائمة حتى لمن هم في السلطة.

يشير تقريرٌ للإيكونوميست يعود للعام 2015إلى أن الأمر ذاته ينطبق على محاولة النظر في مدى نجاح أو فشل المناطق الاقتصادية الخاصة، فالأحاديث المتواترة، بحسب التقرير، تحكي عن نجاح بعضٍ، وفشل بعضٍ آخر، وتحوّل بعضٍ ثالثٍ إلى ملاذاتٍ ضريبيةٍ آمنة، ويشير التقرير أيضاً إلى أنه لا يمكن القطع إذا ما كانت وصفة المناطق الاقتصادية الخاصة تعمل من الأساس، فضلاً عن القطع بكيفية عملها، إلا أنها تنتشر وتتوسع بمعدلات غير مسبوقة. هذا الانتشار الذي يخيّم عليه الغموض واللاعقلانية، بعكس المآثر الشائعة عن شفافية الأسواق النيولبرالية ومنطقيتها، هو تحديداً ما يجعل من المناطق الاقتصادية الخاصة التمثّل الأكثر وضوحاً للاقتصاد المالي العالمي، فكونها وسيط سلعي غامض، يجهل المواطنون والاقتصاديون المختصون وأجهزة التشريع كيفية التصرف حياله، يجعلها أيضاً وسيطاً مثالياً للمضاربة والتخمين وآليةً للاشتقاق المالي ومراكمة فوارق الربح. لا يقتصر اختلاف السوق الذي تنشئه “نيوم”، وهي في ذلك كمثيلاتها من المناطق الاقتصادية الخاصة، على كونه سوقاً معتماً  يفتقد للشفافية، تحكمه معاييره السيادية الخاصة وحسب، بل أيضاً في كون القرار الاقتصادي والسياسي المؤسس لهذا الإعتام هو أيضاً أقرب للتخمين والمضاربة منه للمعرفة الوثيقة بموضوع القرار.

من «شبه الدولة» إلى ما بعد الدولة

“نيوم” هي أداة أخرى لتطبيع خروق السياسة والاقتصاد لصالح أنماطٍ جديدةٍ من سيادة الشركات، وواجهة تطبيقية يمكن من خلالها أموَلة Financialization”” اقتصادات المنطقة، إلا أنه في منطقة تتعطل ممارسات السيادة فيها بين مد وجزر توازنات القوى وتقاطعات المصالح، ولا يُكترث فيها للقانون، وتتراوح علاقة الدولة بالمستثمرين فيها بين الإذعان الكامل لعائلات مالكة والشراكة القسرية مع الأوليغارشيات العسكرية أو الاعتقال في فنادق فاخرة بغية المساومة والابتزاز، ماذا يكون معنى الاستثناء؟ إذا كان الوضع “الطبيعي” في كلٍ من الدول الثلاث هو في الحقيقة وضع استثنائي يمكن أن يحدث فيه ومن خلاله أي شيء، فأي معنىً جديد للاستثناء الذي تقدمه “نيوم”؟

كما يمكن لنفي النفي أن يكون إيجاباً، يمكن أن يكون استثناء الاستثناء هو تأسيس للتقليد. قد تكون “نيوم” فضاءاً ما بعد دولتياً يمكن من خلاله إدارة منطقة يعصف بها الجنون. لذا لا ينبغي النظر لـ”نيوم” ومثيلاتها كتهديد لسيادة ونهائيّة إقليم الدولة القومية، بل كتهديد ابستمولوجي/معرفي، يتعلق بالقدرة على فهم وتوصيف واقعٍ جديد. وليس التخبط، مثلاً في نظر مصريّة جزيرتي تيران وصنافير- اللتان تقعان وفق الخريطة المعلنة ضمن زمام “نيوم”- أمام القضاء المصري، إلا واحد من مظاهر تجاوز الصراع على السلطة لمفهوم السياسة الحالي.

يقول أغامبن أنه حين يكون الاستثناء وضعاً شاملاً، تخوض من خلاله الدولة “حرب أهلية قانونية” وتُمأسس لحالة طوارئ دائمة، تفقد الكتل السياسية المعارضة قدرتها على المقاومة لأسباب تتعلق بالمعنى القانوني لفعل مقاوم ينتمي في حد ذاته إلى خارج القانون. فهذه الكتل المعارضة دوماً ما تجد أنفسها أسيرة التناقض النابع من احترام مؤسسات (الدولة، القانون، الجيش، إلخ) هي تحاول في واقع الأمر هدمها. وعليه، فالتأسيس لنظرية معرفية جديدة تمكّن تلك الكتل المعارضة من فضّ هذا التناقض تصبح عتبة مرور لأي فعل مقاوم يأمل في النجاح.

إغلاق