بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتحليلات

تعزيز التطبيع: الأبعاد السياسة وراء استيراد مصر للغاز الإسرائيلى

الوسوم

اقرأ في هذا المقال

  • اعتقدت مصر أن بانفتاحها على دولة الاحتلال الإسرائيلي وقبلها الأردن، وشراء الغاز الإسرائيلي سواء للاستهلات أو إعادة التصدير سيحقق مصلحة اقتصادية، ورغم صحة هذا إلا أنه سيكون له انعكاسات على قضايا مصيرية كالقضية الفلسطينية، إلى جانب المساعدة في ترسيخ وجود الاحتلال ودعمه اقتصاديا والانضمام إليه في تكتل سياسي واستراتيجي واحد سيأتي على حساب المنطقة

باتفاق جديد بين شركة مصرية خاصة ودولة الاحتلال الإسرائيلي، لاستيراد الغاز  الإسرائيلي، وجهت القاهرة ضربة قاسمة، في مسار رفض التطبيع مع دولة الكيان، مانحة الاحتلال قبلة جديدة في الحياة وكسر جدار التطبيع مع الدول العربية، فالاتفاق ليس مجرد عقد بين شركات مصرية خاصة بلغت قيمته 15 مليار دولار، وبين حكومة الاحتلال والشركات الأجنبية العاملة في حقول الغاز الواقعة تحت سيطرة الكيان، إنما الأمر يشمل الحكومة المصرية، فهي مسؤولة أيضا عن الأمر، فأنابيب الغاز ستمر في أراضي الدولة ومن يتولى حراستها قوات الأمن المصرية، ولم تكن الصفقة لتمر بدون موافقة الحكومة، التي أقرت قانون استيراد الغاز قبل الصفقة بأيام لتتيح للقطاع الخاص استيراد الغاز، للاستهلاك المحلي وإعادة التصدير أيضا.

ليست مصر الأولى في منح الغاز الخاضع لدولة الاحتلال منفذا للخروج من باطن الأرض، فسبق أن وقعت الحكومة الأردنية اتفاقا مع الشركات  العاملة في دولة الاحتلال في سبتمبر 2016، لاستيراد الغاز في اتفاق بلغت قيمته 10 مليارات دولار، لتزويد شركة الكهرباء الأردنية الحكومية بـ40 % من حاجتها من غاز الاحتلال، لتوليد الكهرباء على مدى 15 عاما، وروجت عمان للصفقة بأنها ستحقق وفرا ماليا يعادل 300 مليون دولار سنويا، من أجل احتواء الغضب الشعبي الذي رفع شعار “غاز العدو احتلال”، إلا أن الحكومة لم تستجب لطلب الشعب ومضت في سياستها.

وبهذين الاتفاقين ساعدت الأردن وبعدها مصر الاحتلال في تصريف الغاز الخاضع لسيطرته، فحتى إن حاولت تصديره لأوروبا فهناك صعوبات فنية ولوجستية بخلاف التكلفة العالية، حال حاولت دولة الاحتلال مد أنابيب غاز في البحر المتوسط بالتعاون مع قبرص واليونان، لذا وجدت دولة الكيان أن الأفضل لها، مرور الغاز عبر مصر، بخلاف الاتفاق الأول مع الأردن إلا أنها تطمح لتصدير المزيد، إلى مصر مؤقتا لأنها لديها اكتشافات ضخمة هي الأخرى، وبعد ذلك يتم نقله عبرها إلى أوروبا.

أولا- بنود الصفقة ومقدماتها:

وقعت شركتي ديليك الإسرائيلية ونوبل إنيرجي الأمريكية، العاملتين في حقلي تمار ولوثيان، مع شركة دولفينوس الخاصة المصرية، يوم 18 فبراير 2018، صفقة ضخمة تزود بموجبها إسرائيل 64 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي لمصر، مقابل 15 مليار دولار ولمدة عشر سنوات، في اتفاق استراتيجي وليس اقتصادي فقط، فهو الأهم بالنسبة لدولة الكيان منذ اتفاقية السلام مع مصر عام 1979، وقد وصف رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو الاتفاق بأنه يوم عيد للشعب الإسرائيلي، ليس لأنه مكسب اقتصادي فقط وإنما استراتيجي، فقد أكد أن الاتفاق سيعزز من العلاقات الإقليمية والاقتصاد والأمن في دولة الاحتلال، أما وزير الطاقة الإسرائيلي، يوفال شتاينيتص أكد أنها “ستجعل إسرائيل لاعبا في مرافق الطاقة الإقليمية”.

أصدرت الحكومة المصرية التشريعات اللازمة لتسهيل وصول الغاز الإسرائيلي إلى مصر، ودعمت البنية التحتية اللازمة، مدعية أن من قام بالأمر شركات خاصة وهذا خاطىء، فبدون موافقتها لن يتم الأمر

وهذا الاتفاق لم يوقع فجأة، فسبق أن أجرى وفد إسرائيلي زيارة إلى مصر في مارس 2017، التقى فيها بمسؤولي شركة دولفينوس لبحث تصدير الغاز إلى مصر، استنادا لاتفاق مبدئي تم في عام 2015، من جانبها سارعت الحكومة المصرية إلى تسهيل الأمور بداية من الترتيبات السياسية وصولا لإصدار قوانين جديدة وتعديل أخرى قديمة لتتوائم مع الأوضاع الجديدة، ومن بين هذه القوانين:

موافقة مجلس الوزراء في 20 فبراير 2018، على مشروع قانون لتعديل بعض أحكام القانون رقم 217 لسنة 1980 بشأن الغاز الطبيعى، وينص التعديل على تولى الهيئة المصرية العامة للبترول إدارة نشاط الغاز سواء بنفسها أو عبر الشركات التابعة لها أو الخاضعة لإشرافهما أو الشركات التى تتعاقد معهما لهذا الغرض، وذلك للسماح للقطاع الخاص باستيراد الغاز.

تشكيل رئيس الوزراء، يوم 18 فبراير 2018 مجلس إدارة جهاز تنظيم الغاز لمدة 3 سنوات، الذي وافق في أول اجتماع له بشكل نهائي لشركة خاصة (دولفينوس) لاستيراد الغاز، وحدد الرسوم الخاصة باستخدام الشبكة القومية للغاز الطبيعي من قبل القطاع الخاص.

تصديق الرئيس عبد الفتاح السيسى في أغسطس 2017 على قانون رقم 196 لسنة 2017 الخاص بإصدار قانون تنظيم أنشطة سوق الغاز، الذى سمح للقطاع الخاص باستيراد الغاز الطبيعى، وتحويل مصر إلى مركز إقليمى لتجارة وتداول الطاقة.

كان فتح باب الاستيراد من قبل الحكومة يهدف بشكل كبير إلى التعاون مع إسرائيل في منطقة شرق المتوسط، إلى جانب قبرص واليونان، فمصر سعت لأن تكون مركز إقليمي للطاقة وتصديره لأوروبا، بفضل ما تمتلكه من بنية تحتية في مجال الغاز حيث تمتلك مصانع إسالة في إدكو ورشيد، بخلاف إمكانية استخدام خط أنابيب الغاز مع إسرائيل، وقد روجت الحكومة لهذا الأمر من أجل تبريره شعبيا للتعاون مع إسرائيل.

وإلى جانب ذلك استخدمت الحكومة المصرية ذريعة، قضايا التحكيم الدولي التي قضت بفرض غرامات باهظة على مصر لصالح الشركات الإسرائيلية، وقالت الحكومة إن إسقاط هذه الغرامات شرط لاستيراد الغاز الإسرائيلي، ففي مارس 2017، قضى المركز الدولي لتسوية نزاعات الاستثمار التابع للبنك الدولي بشكل نهائي بإلزام مصر بدفع تعويضات بلغت 1.76 مليار دولار، لشركة أمبال الإسرائيلية، تعويضا لها عن الخسائر التي لحقت بها بسبب وقف تصدير الغاز من مصر لإسرائيل في 2012، عقب الاستهداف المتكرر لأنابيب نقل الغاز إلى دولة الاحتلال.

وأكد هذه الصفقة شريف إسماعيل رئيس مجلس الوزراء، في فبراير 2018، معلنا توصل مصر لاتفاق بشأن الغرامة المحكوم بها، لصالح شركة أمبال ويتم تنفيذه موضحًا، بخلاف القضية الأخرى مع شركة غاز شرق المتوسط التي كان يرأسها رجل الأعمال المصري حسين سالم، وشدد رئيس الوزاء على أن اتفاقية الغاز التى تمت بين إسرائيل وشركة دولفينوس المصرية جزء من الحل فيما يتعلق بقضية التحكيم.

(توقيع عقد الغاز المصري الإسرائيلي: كيث إليوت نائب رئيس شركة نوبل الأمريكية للطاقة، ويوسي أبو مدير عام شركة ديليك وعلاء عرفه رئيس مجلس إدارة شركة دولفينوس للطاقة المصرية)

ورغم تصريحات شريف إسماعيل، نفت وزارة الطاقة الإسرائيلية عقد أى اتفاق للتنازل عن غرامة الـ1.76 مليار دولار، ضد الحكومة المصرية مقابل اتفاقية الغاز الموقعة، مؤكدة أن دولة الاحتلال لم تطرح هذا الأمر للمناقشة خلال المحادثات حول صفقة تصدير الغاز، وكذلك شددت شركة الكهرباء الحكومية الإسرائيلية أنه “لن يكون هناك أى تراجع عن هذا الأمر”، وستستمر في جهودها للحصول على قيمة التعويضات.
وبما أن دولة الاحتلال كيان سرطاني تم زرعه بالمنطقة، فهي محاطة بالدول العربية من جميع الجوانب، ولا يمكن لها المرور إلى العالم الخارجي إلا عبر الدول العربية، أو البحر المتوسط،  لذا كان عليها التفاهم مع مصر والأردن في هذا الأمر.

ثانيا- تأثير الغاز الإسرائيلي على التطبيع ومسار القضية الفلسطينية:

مثل الاتفاق المصري لاستيراد الغاز الإسرائيلي وقبله الاتفاق الأردني ضربة قوية للقضية الفسلطينية، ودعم دولة الكيان في المقابل، فبدلا من استخدام ورقة الغاز للضغط على دولة الاحتلال وإجبارها على تقديم تنازلات في القضية الفلسطينية، تم مكافئتها وشراء الغاز منها، ودعمها في تطوير الحقول الأخرى، فالكثير من الشركات الأجنبية رفضت العمل في حقول الغاز الواقعة تحت سيطرة الاحتلال، لأن ما سيتم استخراجه سيكفي حاجة دولة الاحتلال وزيادة، وبالتالي هم بحاجة إلى تصدير الفائض الذي سيكون ضخما، لذا جاء الاتفاق مع الأردن في عام 2016 دافعا لجذب الشركات الأجنبية إلى العمل مع دولة الاحتلال، حيث ستغطي الأموال التي تدفعها الأردن تكاليف عمل هذه الشركات وتحقيقها أرباحا كبيرة لها ولدولة الاحتلال.

ستكون القضية الفلسطنية إحدى ضحايا غاز شرق المتوسط، وسيتم تسوية الأمر على حسابها وخلق تكتلات وتحالفات جديدة لن تهملها فقط، وإنما سيتم تهيئتها وحلها لتتوافق وهذه المصالح

ثم جاء الاتفاق المصري ليعزز من موقف دولة الاحتلال، ويمنحها 15 مليار دولار أخرى، وهذا الاتفاق لن يكون الأخير، حيث تسعى الشركات الأجنبية إلى الاستحواذ على شركة شرق المتوسط المصرية، من أجل السيطرة على خطوط نقل الغاز، وتوقيع صفقات أخرى ونقل الغاز الإسرائيلي بالكامل عبر مصر، التي وافقت حكومتها على هذا الأمر، رغم القول بإن الاتفاق نفذته شركات خاصة، فقد اعتبر الرئيس عبدالفتاح السيسي أن توقيع الصفقة إنجاز لمصر وتأكيدا لدورها كمركز رئيسي للطاقة في المنطقة، ما يعني أن الأمر أكبر من الشركات الخاصة وإنما أتى بدعم من الدولة.

وقبل توقيع اتفاقيات الغاز سواء مع الأردن أو مصر، اتخذت دولة الاحتلال إجراءات تعسفية ضد الفلسطينيين والتعنت في المفاوضات، وزاد عليها الحديث عن صفقة القرن بين الإدارة الأمريكية وبعض الدول العربية لتصفية القضية الفلسطينية، وبعدها اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس المحتلة عاصمة لدولة الكيان، غير عابىء بردود فعل الأنظمة العربية، التي تأكد أنها تبحث عما تسميه إنجازات اقتصادية، والمحافظة على استقرارها أنظمتها السياسية.

وكان من الممكن على الأقل، توظيف ورقة الغاز من قبل مصر والأردن ضد دولة الاحتلال، لإجبارها على تقديم تنازلات سياسية بشأن القضية الفلسطينية، وليس مكافئتها، فهي تعيش بذلك أفضل مراحلها، فقد حصدت إنجازات سياسية دون عناء سواء الاعتراف الأمريكي بالقدس المحتلة عاصمة لها، والبدء الفعلي في تنفيذ صفقة القرن، وضم المزيد من أراضي الضفة الغربية إليها، وجاءت الدول العربية لتمنحها مكاسب اقتصادية استراتيجية دون عناء أو تقديم تنازلات تذكر.

وليس هذا فحسب بل هناك ضغوطات تمارس على حركات المقاومة من أجل تقديم تنازلات، تساهم في إتمام صفقة القرن، التي تعتبر تصفية للقضية الفلسطينية، فرغم تصريحات الدول العربية برفضها ودعم القضية الفلسطينية، إلا أن الإجراءت الواقعية تتجاهل بشكل كبير القضية، فجماعات المقاومة يجب تحييدها وإضعافها لأنها ستشكل خطرا مستقبليا على مسارات أنابيب النفط والغاز وإمكانية استهدافه، إن لم يتم إدماجها في الترتيبات الجديدة في المنطقة.

ثالثا– التداعيات الإقليمية والدولية لصفقة الغاز بين مصر وإسرائيل:

لن يكون لملف الغاز في منطقة شرق المتوسط تأثير على القضية الفسلطينية فقط، فمعظم ما يدور من أحداث وترتيبات في المنطقة يؤثر عليها، لكن سيؤدي ملف الغاز في منطقة شرق المتوسط التي تضم مصر وسوريا وقبرص واليونان ولبنان وفلسطين ودولة الاحتلال، إلى تشكيلات تكتلات جديدة ذات ظهير دولي مختلف، وستنقسم التكتلات إلى التالي:

• تكتل شرق المتوسط – أوروبا:

تضم هذه المجموعة مصر وقبرص واليونان ودولة الاحتلال الإسرائيلي وأوروبا، الأخذة في التكوين، فالبنسبة إلى أوروبا هي الأكثر احتياجا لغاز دول منطقة شرق المتوسط، وإن لم يغطي احتياجاتها في الوقت الحالي، في ظل استمرار الخلافات مع روسيا المورد الأول للغاز والنفط للقارة الأوروبية، ويكشف عن هذا تقرير صادر عن مجموعة غازبروم الروسية في يناير 2018، أعلنت فيه ارتفاع إمداداتها من الغاز إلى أوروبا وتركيا، لمستوى قياسي عن عام 2017 حيث بلغ 193,9 مليار متر مكعب، بزيادة بلغت حوالي 8 % عن عام 2016، وبهذا تشكل روسيا حوالي ثلث استهلاك القارة الأوروبية من الغاز الطبيعي.
فيما قدرت هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية، بامتلاك منطقة شرق المتوسط أكثر من 340 تريليون قدم مكعب من الغاز فقط، ما يمثل رقما ضخما يمكن لأوروبا الاستفادة منه، التي قيل إنها تكفي لسد حاجة الأسواق الأوروبية لمدة 30 عاما، وهذا يمثل على الأقل مكسبا استراتيجيا لأوروبا في مواجهة روسيا من أجل إضعافها والضغط عليها منذ عام 2014 على خلفية الأزمة الأوكرانية، بخلاف الاتهامات المتكررة لها بالتدخل في الانتخابات والاستفتاءات الغربية.

ولم تستطع الدول الأوروبية ممارسة ضغوطات قوية، على النظام الروسي وحرمانه من أهم مصدر مالي واقتصادي له، إذ تشكل صادرات النفط والغاز الروسي إلى أوروبا أكثر من نصف ايرادات الميزانية الروسية، كذلك أوروبا مستفيدة هي الأخرى حيث تستورد الغاز الروسي بأسعار منخفضة تصل إلى 40-50% مقارنة بالاستيراد من دول أخرى كقطر، صاحبة ثاني أكبر احتياطي من الغاز على مستوى العالم، ورغم ذلك اتخذت أوروبا قرارا استراتيجيا بالحد من الاعتماد على الطاقة الروسية، وسيكون في منطقة شرق المتوسط البديل، على الأقل خلال سنوات كافية لإرهاق النظام الروسي.

أما دولة الاحتلال ستكون ضمن أكبر المستفيدين، حيث ستضغط دول أوروبا على مصر- إن تكن هي راغبة أصلا في ذلك– للالتزام بهذا التكتل واحتواء الغاز الإسرائيلي الذي يقدر وحده بأكثر من20 تريليون قدم مكعب، فأوروبا بحاجة إليه، وإسرائيل حاولت الاتفاق مع تركيا لتكون معبرا لها إلا أن الأمر فشل، فالأمر كان يتطلب دخول سوريا ولبنان في الأمر ما رفضته الأخيرتان، بل هناك خلاف مشتعل الآن بين لبنان والاحتلال حول منطقة بلوك 9 التي تدعي إسرائيل وجود حصة فيها وهو الأمر الذي رفضته لبنان وهددت بتصعيد المواجهة، بل وافقت الحكومة على أي تحرك يقوم به حزب الله ضد إسرائيل حال هاجمت لبنان.

خلق غاز شرق المتوسط محورين جديدين انمت إليه القوى الكبرى، في معادلة الصراع على الغاز، كما كان من قبل الصراع على نفط الخليج الذي سيطرت عليه الولايات المتحدة وشركائها

أما قبرص واليونان فهما ضمن القارة الأوروبية، بجانب استهلاكهما القليل مقارنة بحجم ما يمتلكونه، ما سيمثل فائدة لهما من تصدير الفائض إلى أوروبا، عبر تحويله إلى مصر لتحويله في مصانع الإسالة، وإعادته مجددا إلى أوروبا ومعه الغاز المصري الفائض مستقبلا وكذلك الغاز الإسرائيلي الذي سيمر عبر مصر ثم إلى قبرص ومن ثم أوروبا.

بدورها تعتبر مصر أن هذا فرصة لها لتكون مركز إقليمي للطاقة ستحقق بموجبه مكاسب اقتصادية، بخلاف السياسية حيث ستدعم أوروبا مصر وستتغاضى عن ملفات أخرى، وهو ما يوضح حجم الدعم العسكري لمصر وكذلك الاقتصادي لاتمام هذه المشاريع، ومصر لم تعترض على إدخال إسرائيل في الأمر، ولن يقتصر التعامل على الاتفاق الحالي فقط الذي بلغت قيمته 15 مليار دولار، وإنما ستتبعه اتفاقات لاحقة فالكمية المتفق عليها البالغة 64 مليار متر مكعب تمثل الثلث من ضمن المتفق عليها فقط وسيكون هناك المزيد، وتحاول الشركات الأمريكية الإسرائيلية شراء خطوط الأنابيب التابعة لشركة شرق المتوسط من أجل تصدير كميات أكبر إلى مصر وتحويلها لأوروبا.

• تركيا وروسيا وسوريا:

تسعى شركة غازبروم الروسية لإقامة خطوط أنابيب بدعم أوروبي، لكن الاتحاد الأوروبي لم يوافق عليه، بل عرقل مشروع “ساوث ستريم” الروسي لمد الغاز إلى جنوب أوروبا عبر البحر الأسود وبلغاريا، كذلك تحفظ الاتحاد على مشروعين روسيين، الأول خط “ترك ستريم” لنقل الغاز عبر تركيا و”نورد ستريم 2″ لنقل الغاز عبر البلطيق، وتتخوف أوروبا من هذه المشروعات خاصة في ظل تصاعد حالة العداء مع روسيا، بالتالي وجدت البديل في منطقة شرق المتوسط، فهي فرصة لإضعاف موسكو وإجبارهات على تغيير سياستها.

أما روسيا تخوفت من الأمر خاصة بعد اقصائها من التكتل الأول، فأوروبا تريد استبعادها، لكن نجحت شركة روسنفت الروسية في الاستحواذ على 30% من حقل ظهر المصري، في محاولة من موسكو البقاء في هذه المنطقة من أجل تمرير مشاريعها مستقبلا بالاستحواذ على النفط والغاز السوري بعد انتهاء الاضطرابات الحالية بالتعاون مع تركيا.

وسبق أن وقعت الحكومة السورية، في ديسمبر 2013، اتفاقا مع شركة سويوز نفتا غاز الروسية، للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، في عقد لمدة 25 عاما يشمل عمليات تنقيب في مساحة 2190 كلم مربع، بتمويل روسي، وإذا وجدت اكتشافات، ستسترد موسكو النفقات من الإنتاج، وبالتالي مع رفض سوريا الانضمام لتكتل المجموعة الأولى أو مرور أنابيب الغاز عبرها التي ستشترك فيها إسرائيل، كان من الأفضل لها الانضمام إلى روسيا ومن وراءها تركيا لمحاولة منافسة تكتل شرق المتوسط – أوروبا.

أما تركيا، المتضرر الأكبر من الحلف الأوروبي المصري الاسرائيلي، كانت تهيئ نفسها لتكون مركز إقليمي للطاقة بدلا من مصر، لكنها فشلت بسبب موقفها من أوروبا وقربها من روسيا، ولم تفشل فقط في التحول لمركز إقليمي للطاقة، لكن لم تخرج بحصة من الغاز عن طريق قبرص التركية، فالاتفاقيات الموقعة بين مصر وقبرص واليونان قطعت عليها الطريق، ما جعلها ترفض هذه الاتفاقيات، إلى جانب تهديد سفن التنقيب القبرصية ومنعها من إكمال عملها ما أغضب الاتحاد الأوروبي وكذلك مصر، ليعلن هذا التكتل رفضه لإجراءات أنقرة، وما زالت المناكفات مستمرة، في محاولة من تركيا لتحقيق أي مكسب في اللحظات الأخيرة، إلا أن الرئيس المصري قال إن “مصر أحرزت هدف” في مسألة الغاز ، وكان غيرنا هو من سيقوم بهذا الأمر، قاصدا تركيا التي تحاول الآن تعويض الأمر بالتعاون مع روسيا.

ومن الممكن انضمام لبنان إلى هذا التكتل، لكن طبيعة التركيبة الداخلية تحول دون ذلك حاليا، خاصة في ضوء الضغوطات الممارسة على حكومة سعد الحريري، حيث تدخلت الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل للوساطة وحل الخلاف على بلوك رقم 9، لقطع الطريق على روسيا، ومنع أي صدام مع حزب الله، فقد حذرت دولة الاحتلال إيران شريكة روسيا وسوريا من دعم حزب الله بصواريخ متقدمة لاستهداف منصات النفط الإسرائيلة، مؤكدة أن هذا سيخلق مرحلة جديدة من الصراع.

أما بالنسبة لقطر، فقد فشلت مشاريعها في تمرير خط للغاز عبر سوريا إلى أوروبا يمر من الجنوب إلى الشمال، بالتالي تم استبعادها من المنافسة، وقد كشف عن هذا الأمر الرئيس السوري بشار الأسد، في ديسمبر 2016، فقد قال إن رفض سوريا لمد خط أنابيب اقترحته الدوحة من الجنوب إلى الشمال عبر سوريا ليصل إلى أوربا كان أحد أسباب اندلاع الحرب في سوريا، ما رفضته الأخيرة التي خططت لإقامة ممر يمر من الشرق إلى الغرب إلى البحر المتوسط يعبر العراق من إيران، ما تم إفشاله أيضا، فلم تكن هناك موافقة أوروبية أمريكية على أن تكون سوريا مركز إقليمي للطاقة.

ختاما يمكن القول إن الغاز في منطقة شرق المتوسط لم يمثل، بعد اقتصاديا فقط بين دول المنطقة، وإنما ستشكل جغرافية المنطقة من جديد، وستخلق تكتلات جيوسياسية وجيو اقتصادية لن تشارك فيها دول المنطقة فقط، إنما ستكون ساحة للصراع على موارد الطاقة والنفوذ بين أوروبا والولايات المتحدة من جانب وروسيا وشركائها من جانب آخر، وجاءت صفقة الغاز بين مصر ودولة الاحتلال في إطار هذه التوازنات، وضمها لمحور الطاقة الأوروبي الإسرائيلي، بعيدا عن المحور التركي الروسي السوري.

وسيأتي انضمام مصر والأدرن لهذا المحور على حساب قضايا جوهرية في المنطقة أهمها، القضية الفسلطينية، التي حتى لم تراعي حقوق الفلسطينيين في ثروة الغاز مستقبلا، ولم يتم إدخالهم في عمليات التفاوض أو الضغط على إسرائيل لمنحهم حقوقا في البحر المتوسط، بخلاف إمكانية توظيف ورقة الغاز بفعالية ومقايضتها بالكامل لحل الأزمة الفلسطينية، لكن مصر ومعها الأردن انحازا للمصالح الاقتصادية وأعطوها الأولوية على حساب القضايا الاستراتيجية السياسية والمصرية.

ولاحقا لن يمكن لمصر والأردن التنصل من هذه الاتفاقيات، فإسرائيل سيكون تم إدماجها بشكل استراتيجي في تحالفات عربية، بخلاف دخول أطراف أوروبية وأمريكية في مسألة الطاقة، ما سيمثل ضغوطا على الدول العربية الداخلة في تحالفات الطاقة مع إسرائيل بالبقاء في هذه المنظومة، والانحياز لها مستقبلا حال اندلعت صراعات مستقبلة مع المحور الآخر، وبهذه الصفقة تكون إسرائيل متداخلة اقتصاديا وسياسيا مع مصالح بعض الدول العربية التي لن تغامر بما اعتبرته انجازا اقتصاديا في أي صراع قادم أو حل قضية سياسية.

المصدر
«هاآرتس»: إسرائيل لم تتنازل عن أى غرامة تحكيم دولى صدرت لصالحها مقابل تصدير الغاز لمصر، الشروق المصرية، 27/2/2018،عبد الله المصري، «ملف الغاز» يجدد الصراع بين مصر وإسرائيل.. والمواطن المصري الغارم الوحيد، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، 3/5/2017،توابع صفقة غاز إسرائيل: مفاوضات لاستحواذ الجانب الإسرائيلي على «شرق المتوسط» وأنابيبها، مدى مصر، 23/2/2018،السيسي يمدح اتفاق الغاز مع إسرائيل ويقول "إننا أحرزنا هدفا يا مصريين"، يورو نيوز، 21/2/2018،194 مليار متر مكعب استهلاك أوروبا من الغاز الروسي، الراية، 31/1/2018،ريم سليم، الحرب القادمة: ماذا تصاعدت حدة صراعات الغاز في شرق المتوسط؟، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 25/2/2018،اتفاق سوري روسي للتنقيب عن النفط والغاز، سكاي نيوز عربية، 25/12/2013، إسرائيل ومصر توقعان صفقة غاز "عملاقة".. ونتنياهو: ستدر المليارات على خزينتنا، سي إن إن، 19/2/2018،رئيس الوزراء يقرر تشكيل مجلس إدارة جهاز تنظيم سوق الغاز، مصراوي، 187/2/2018،

«ملف الغاز» يجدد الصراع بين مصر وإسرائيل.. والمواطن المصري الغارم الوحيد

«اكتشافات الغاز».. مصر بين مُعضلة الاكتفاء الذاتي والتصدير للخارج

صراع الغاز الطبيعي في شرق المتوسط .. القصة بالتفصيل

الغاز الإسرائيلي بين المنافسة والمقاومة (1)

الغاز الإسرائيلي بين المنافسة والمقاومة (2)

إغلاق