بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتقارير

فجوات عميقة.. أزمة الديمقراطية الغربية بين النظرية والتطبيق

الوسوم

تعاملت الدراسات في علمي السياسة والاجتماع مع قضية أزمة الديمقراطية الغربية على مدار عقود مضت باهتمام شديد، ربما لأن الديمقراطية كنظام سياسي كانت ولازالت أفضل ما توصل إليه العقل البشري للتغلب على كثير من مشكلات النسق السياسى، ونتيجة للثراء المعرفى والنظري في ذلك الموضوع، يأتي هذا التقرير ليرصد الوضع الراهن لأزمة الديمقراطية في الغرب وكذلك الأطر النظرية التي حاولت تقديم تفسير لتلك الأزمة.

واقع أزمة الديمقراطية في الغرب حالياً

عند الحديث عن أزمة الديمقراطية يمكن التمييز بين نوعين من المشكلات التي تواجهها الديمقراطيات الغربية المعاصرة، يتعلق النوع الأول بإجراءات الديمقراطية نفسها Democratic Procedures أي متعلقة بسلامة الأساليب الديمقراطية كالانتخابات وتقسيم الدوائر وغيره، ويتمثل النوع الآخر من أزمة الديمقراطية الغربية في الممارسات الديمقراطية Democratic Practice، وفى التالى سيتم تناول أمثلة على كلاً من النوعين على سبيل المثال وليس الحصر.

أولاً- الإجراءات الديمقراطية:

من المعروف أنه على مدار عقود قليلة مضت حدثت الكثير من المشكلات فى الديمقراطيات الغربية التي تمس هذه الإجراءات منها:

• Gerrymandering هندسة الدوائر: وهي عملية إعادة رسم الحدود السياسية من أجل زيادة عدد الدوائر الانتخابية التي يمكن أن يفوز بها مرشح الحزب المُسيطر على الهيئة التشريعية في الولاية، وسبب التسمية بهذا الأسم نسبة إلى حاكم ولاية ماساتشوستس “إلفريد جيري” الذي وقع خطة لإعادة تقسيم المنطقة لصالح حزبه، ورغم أن قانون حقوق التصويت لعام 1965 سمح “بالجيرماندرنج” على أساس إيجابي أو على الأوضح سمح بإنشاء مقاطعات يُهيمن عليها غير البيض بهدف تصحيح التمييز التاريخي ضدهم، فإن المحكمة العليا الأمريكية قضت بعدم دستورية ذلك، وقد استمر هذا فيما بعد الحكم على أساس التقسيمات الحزبية.

• First Past The Post Problems حيث تعتمد المملكة المتحدة والأنظمة البرلمانية الأخرى على نظام أول الفائزين (FPTP)، الذي يتم فيه انتخاب المرشح الذي يتمتع بأكبر عدد من الأصوات في كل دائرة انتخابية، ويتم التخلص من جميع الأصوات الأخرى، ولهذا النظام عدد من المساوئ منها صعوبة فوز حزب ثالث بالانتخابات، فإما أن تنضم لأي من الحزبين الرئيسيين أو تنسحب، حيث يعتبر الناخب أن صوته لحزب ثالث هو صوت ضائع، ومن ثم فهو يصوت لأى من الحزبين الرئيسيين.

• Voter Turnout وهو إقبال الناخبين الذى يُعد أحد المؤشرات الحاسمة لكيفية مشاركة المواطنين في حكم بلدهم، وإقبال الناخبين المرتفع هو في معظم الحالات علامة على حيوية الديمقراطية، في حين أن نسبة المشاركة المنخفضة عادة ما ترتبط بـاللامبالاة وعدم الثقة في العملية السياسية، وقد لوحظ انخفاض أعداد الناخبين منذ منتصف الثمانينيات فى معظم أنحاء العالم الديمقراطى، بما يُنذر بخطورة الوضع وتأثيراته على الديمقراطية الراسخة فى هذه البلدان.

ثانياً- الممارسات الديمقراطية:

هناك مجموعة من الشواهد العالمية اعتبرها البعض مؤشراً صريحاً على بلوغ أزمة الديمقراطية الغربية ذروتها، تبدأ من الأزمة المالية العالمية في 2008 وما تبعها من تأثيرات اقتصادية وسياسية على عدد من دول العالم، أدت إلى حدوث فجوة بين المواطن والدولة، حيث أصبح لا يثق كثير من المواطنين في مدى فعالية المؤسسات الاقتصادية والسياسية فى بلادهم.

ومع التطورات الدولية اللاحقة، كانت من أكثر الأحداث إبرازاً لهذه الأزمة مرة أخرى هو قضية الاستفتاء البريطاني المتعلق بخروجها من الاتحاد الأوروبى بالإضافة إلى الجدال الدائر حول صعود اليمين المتطرف في أوروبا، ومن قبلها الأزمة اليونانية عام 2014 التى أوضحت مشكلات الجمع بين سوق العملات المشتركة واستقلالية الدولة القومية فى المسائل المالية، بالإضافة إلى العديد من الأزمات التي شهدتها أوروبا بسبب الإخفاق في المجال الاقتصادي وتراجع دورها في السياسة الدولية.

ثم جاء صعود السيد دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية ليُقدم دليل أخر على عمق هذه الأزمة، فاعتبر العديد من الباحثين أن هذا الصعود هو إثبات لتوجه دفة السياسة في العالم إلى اليمين فضلاً عن تنامي القلق الكبير في الغرب من تبعات الأزمات الاقتصادية وما ينجم عنها من مشكلات اجتماعية واقتصادية.

المدارس النظرية التي تتناول أزمة الديمقراطية

حاول ماتيو لاروفا matteo laruffa تصنيف النظريات التي تناولت أزمة الديمقراطية في الدول الصناعية الغربية في ثلاث مدارس رئيسية، وسيستعين هذا التقرير بالتصنيف الذي قدمه لاروفا، وسيتم عرض هذه المدارس في التالي.

• المدرسة الأولى: تؤكد على مشكلات الحوكمة وسوء الأداء المؤسسي كأسباب لأزمة الديمقراطية، وكان أول تقرير بحثي في هذا الصدد صدر عام 1975 بعنوان “أزمة الديمقراطية” في اللجنة الثلاثية وبتوقيع ثلاثة من أكبر علماء السياسة في العالم وهم ميشيل كروزبيه وصمويل هنتجتون وجوجى داتاناكو، واهتم التقرير بالأساس بالديمقراطيات الراسخة في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان, وذكر أنه في الستينيات لوحظ أن الحكومات أصبحت مُثقلة بطلبات من المشاركين في العملية السياسية، التي لم تستطع الأنظمة السياسية البيروقراطية أن تٌلبيها، ومن ثم أصبحت الديمقراطية غير قابلة للقبض على مقاليد الحكم.

وفي عام 2000، قام كلا من فاهر وبوتنام بتحديث ذلك التحليل بحجة أن مشكلة الأداء الضعيف للأنظمة الديمقراطية ناتجة بشكل أساسي عن ضعف قدرة الحكومات على العمل في عالم مترابط، وقد ذهب المؤلفان إلى أن الأزمة الحالية لا تعتمد فقط على الأداء غير المرضي للديمقراطيات في ضوء التوقعات المتنامية من المواطنين، بل أيضا تعتمد على الاستخدام الواسع للمعلومات التي غيرت المعايير التي يحكم بها الناس على حكوماتهم.

• المدرسة الثانية: تهتم بفكرة عدم الرضاء عن المؤسسات الديمقراطية وانخفاض الدعم السياسي، بمعنى أنها تُركز على الأزمة من منظور أخر وهو وجهة نظر المواطنين، وهنا تأتي دراسة ألموند وفيربا عام 19٦3 حول اتجاهات الأفراد نحو النظام السياسي، التي تتكون من التوجهات المعرفية والعاطفية والتقييمية، والمتمثلة في معرفة النظام والمشاعر اتجاهه والحكم عليه.

وتأتي أيضاً الدراسات المتعلقة بتأثير التعليم والتعود على الممارسات الديمقراطية في مواقف الناس من السياسة تحت هذه المدرسة، فمن المعروف أن المواطنين في الديمقراطيات الراسخة يتمتعون بمستوى أعلى من التعليم والتعود على الديمقراطية، وتُشير الدراسات إلى أن المواقف السياسية للجمهور المعاصر تغيرت تدريجياً بما أصبح يُشكل تحدياً للديمقراطية التمثيلية، وظهر ما أسماه لكلينجمان ديمقراطيون غير راضيين، وذلك فى إشارة إلى عدم رضاء المواطنين عن المؤسسات السياسية برغم أنهم لايزالون يدعمون المبادئ الديمقراطية باعتبارها النمط المعيشي في الديمقراطيات الصناعية المتقدمة.

• المدرسة الثالثة: تتعامل مع القضية باعتبارها أزمة الفكرة الديمقراطية ذاتها، وتأتي نظرية هابرماس التي تعتمد على أزمة الشرعية وسياقها في المنظور الأوسع لدراسة النظام السياسي التى تنعكس على النظام الاقتصادي والاجتماعي- الثقافي خلال التطور الرأسمالي، حيث نظر هابرماس إلى الأزمات المختلفة باعتبارها تُشكل سلسلة تواجه الدول الرأسمالية الحديثة وتخلق عجزاً في مجال الشرعية.

كما يأتي في هذا الاتجاه عدد من العلماء أمثال كراوتش الذي يتخطى المفهوم الضيق لأزمة الديمقراطية، ويؤكد على أن بعض الآليات تؤدي إلى تحول نحو ظروف اجتماعية ومؤسساتية جديدة تخلق مرحلة ما بعد الديمقراطية، كما يؤكد أن مجتمعات ما بعد الديمقراطية لا تزال تملك وتستخدم جميع مؤسسات الديمقراطية، ولكنها لا تصبح تدريجياً أكثر من مجرد أساليب رسمية لا تؤدي إلى نتائج ذات صلة لأن إجراءات اتخاذ القرار في أيدي دوائر صغيرة من النخبة السياسية والاقتصادية، ما يعني أن السياسة والحكومة تتراجعان أكثر فأكثر نحو سيطرة النخب بالطريقة التي تميزت بها ما قبل الديمقراطية.

وهناك مجموعة من الباحثين حاولوا الاستفادة من المقولات النظرية للمدارس الثلاث السابقة إلى جانب البحوث التجريبية من أجل تقديم فهم لأزمة الديمقراطية الحالية أمثال دالتون، الذي لاحظ أن هناك انخفاضا في الثقة بالمؤسسات السياسية، وافترض أن عدم الرضاء هو نتيجة تراجع استجابة الديمقراطيات، بمعنى أنه لا يُنظر فقط إلى قدرة الحكومة من حيث فعالية السياسات ولكن إلى اتساق هذه السياسات مع أولويات المواطنين، ويضرب مثل بالولايات المتحدة، مُشيراً إلى أن عدم رضاء الأمريكيين عن الحكومة يتجاوز المسئولين إلى المؤسسات نفسها، ويُحدد بعض الفرضيات باعتبارها مسئولة عن أزمة الديمقراطية لأنها يمكن أن تؤثر على الدعم السياسي وهي الأداء السياسي، والأداء الاقتصادي، والاستقطاب السياسي والأيديولوجي، والقيم المتغيرة، ورأس المال الاجتماعي، وتأثير وسائل الإعلام.

وتأتى أربيناتي لتُمثل هذا الاتجاه أيضاً حيث تتحدث عن القوة المتنامية للجهات الفاعلة غير السياسية وأهمية الأسواق والمسئولين التنفيذيين التكنوقراط الذين استُبدلوا بالمنتخبين في بعض الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي كمؤشر على الاعتقاد السائد بأن المؤسسات المنتخبة ديمقراطياً غير قادرة على تحقيق الديمقراطية، وتوضح أنه خلال السنوات الأخيرة لم تقدم الديمقراطيات الراسخة حلولا فعالة للأزمة الاقتصادية، في الوقت ذاته أظهرت الديمقراطيات انخفاض في ثقة المواطنين في قادتهم المنتخبين وفي فعالية المؤسسات الديمقراطية مع صعود الأحزاب المتنافسة والخطاب القومي والحركات الشعوبية.

وختاماً، يمكن القول إنه بالنظر إلى واقع أزمة الديمقراطية فى الدول الغربية اليوم بشقيها الإجرائى والعملى، وبمحاولة تقديم تفسير لهذه الأزمة بالاستعانة بالمقولات النظرية سالفة الذكر، نجد أن أي من هذه النظريات غير قادرة منفردة على تقديم تفسير للأزمة بشكل شامل وإن مثل ذلك التفسير الكلى يكمن فى الجمع بين مقولات عدد من هذه النظريات، وربما تكمن الأزمة بالأساس فى سرعة وتيرة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التى تلحق بالمجتمعات الغربية نتيجة الأزمات الاقتصادية المختلفة التى يمر بها العالم وفى ضوء اخفاق الحكومات الرأسمالية فى التعامل معها، فى ضوء سيطرة دوائر صغيرة من النخبة السياسية والاقتصادية على عملية اتخاذ القرارات وبما يخلق حالة من عدم الرضا لدى المواطنين تدفع لحالة من الامبالاة وعزوف عن العملية السياسية برمتها كما يحدث فى انخفاض voter turnout.

وربما يكمن الحل فى قدرة النظم الغربية على التكيف مع التحولات المختلفة بمجتمعاتها، فمثل هذا التكيف هو ضامنة استمرار واستقرار هذه النظم، ولنأخذ مثال على ذلك بعض النظم السلطوية فى عدد من دول العالم، حيث استطاعت الاستمرار نتيجة قدرتها على التكيف مع مختلف المتغيرات بالبيئة الداخلية والخارجية المحيطة بها.

المصدر
David Tormsen, "10 Problems With Modern Democracies And Their Institutions", Listverse, JULY 28, 2015, Abdurashid Solijonov, "Voter Turnout Trends around the World", International Institute for Democracy and Electoral Assistance, 2016, p 13, pdf. JEffrey C. IsaaC, "Is there illiberal democracy? A problem with no semantic solution", ERUOZINE, On the link: https://www.eurozine.com/is-there-illiberal-democracy/ (accessed 9-3-2018) محمد الرميحى، "أزمة الديمقراطية الغربيية وتداعياتها"، موقع جريدة الأهرام، 13 نوفمبر 2016 ، Matteo Laruffa, Understanding The Crisis Of Democracy, XXX Annual Conference of the Italian Political Science Association, Milan, 15-17 September 2016, pp 7-13, pdf. السيد ياسين، "أزمة الديمقراطية بين الإصلاح والثورة"، مجلة الديمقراطية، العدد 55، يوليو 2014، ص 47.
إغلاق