بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

مقالات

حلايب.. دُرَّةٌ التاج المصري

الوسوم

إذا كانت مصر تتحدث عن نفسها، كما عبر شاعر النيل حافظ إبراهيم، وتقول إنها التاج الذي يتزين به الشرق كله فإن بعض أعمدة هذا التاج تقف راسخة البنيان على حدودها الجنوبية تراقب حركة نيلها الخالد الذي يأتي بالخير والنماء.

قديما أدرك حكام مصر أن عليهم واجبا مقدسا باسم “حورس” إله الحقيقة وهو تأمين حدود وأركان هذا التاج الذي يعبر عن مجد الدولة المصرية، فالإدراك المصري العام ينظر على مختلف العصور إلى الشمال الشرقي باعتباره مصدر خطر داهم يهدد عروش من يحكم مصر، حيث جاء معظم الغزاة من الحيثيين، حتى الحملات الصليبية، أما الحدود الجنوبية فتمثل مصدر تهديد للمجتمع المصري نفسه وتنال من أسباب بقائه ووجوده لأنها ببساطة شديدة ترتبط بشريان حياة المصريين، وهو نهر النيل.

توجه من يحكم مصر منذ عصر الأسرات القديمة إلى ما وراء وادي حلفا أو ما بعد “الجندل الثاني” في بلاد كوش، حيث كانت بالنسبة لهم نهايات العالم المعمور، بهدف الحفاظ على حضارة واديهم الخصيب، وعليه فإن العودة إلى حقائق التاريخ وروابط الجغرافيا تثبت يقينا أن مدنا مثل حلايب وشلاتين وأبورماد ليست فقط مصرية الجذور والانتماء وإنما تجاوزها أجدادنا القدماء ليصلوا في رحلاتهم البحرية إلى بلاد بونت في ما يعرف اليوم بالصومال، فهل يحق للأبناء أن يفرطوا في ما حافظ عليه الأجداد واعتبروه مهمة مقدسة يُبذل فيها الغالي والنفيس.

لقد بنى المصريون في غزواتهم ورحلاتهم إلى أعالي النيل الحصون والقلاع لتحميهم من خطر الغزاة والرعاة الغرباء، يعني ذلك أن هذه العلاقات الحضارية التي حملت بصمة المصريين في كل مكان وطأته أقدامهم أو وصلت إليه سفنهم لم تكن كما يقول -أستاذنا العلامة عز الدين فودة رحمة الله عليه- مجرد حدود لإقليم الإمبراطورية المصرية القديمة، وإنما نهاية للفضاء المعمور وحدودا بين نظام الدولة ونظم اللادولة وفقا لأنماط الحياة السائدة آنذاك. وعندما تم الأخذ بمفهوم الدولة الحديث وفقا لنظام وستفاليا احتل الإقليم مكانا بارزا باعتباره منطقة جغرافية محددة المعالم تمارس عليها المؤسسات العامة وظائفها المختلفة بما فيها احتكار صنع وتطبيق القواعد العامة الملزمة لكل من يقطن هذا الإقليم.

وعندما وقعت مصر مثل غيرها من دول الجنوب فريسة للتنافس الاستعماري الذي يعكس وجه الرأسمالية الغربية القبيح تم استهداف حدودها فكا وتركيبا، لم يكن ذلك مستغربا حيث تبنت القوى الغربية منذ الحملة النابليونية على مصر عام 1798 منطق التفتيت والتجزئة للعالم غير الغربي بهدف إعادة صياغته من الناحية الجيواستراتيجية وفقا لخرائط وتقسيمات جديدة، ولعل أبرز المبادئ التي تم استخدامها  لتحقيق هذه الغاية ويرتبط بموضوعنا هو” مبدأ شد الأطراف”، إنه يعبر عن منطق وفلسفة التفتيت حيث يعني في جوهره صنع حالة من الشلل في الأطراف الأمر الذي يترتب عليه عدم قدرة الجسد على الحركة بكامل قدراته، وأحسب أن أقرب وسيلة للنيل من قلب مصر هو شد أطرافها الأربعة وعلى رأسها حلايب وشلاتين، وعليه فإننا لا ننظر إلى رفح أو السلوم أو أبورماد على أنها تخوما أو أطرافا يمكن شدها وفقا للمبدأ السابق الذي يستهدف هدم الدولة المصرية، وإنما باعتبارها وفقا للمفهوم العربي القديم أوتاد الخيمة أي مناطق الأركان التي يستند عليها بناء الدولة المصرية الحديثة.

ولعل المتابعة التاريخية لأزمة حلايب المفتعلة ومحاولة توظيفها سياسيا من جانب بعض الأطراف تثبت صحة ما ذهبنا إليه فيما يتعلق بمهددات الأمن الإقليمي المصري، إذ ما فتئت نظم الحكم المتعاقبة في الخرطوم، منذ نهاية الإدارة الأنجلو- مصرية للسودان، تدعي وصلا بمثلث حلايب ربما لإبعاد الأنظار عن إخفاقات النخب السياسية في التعامل مع قضايا التعددية الثقافية والانقسام في الهوية الوطنية السودانية، ويبدو أن نظام الرئيس عمر البشير كان الأكثر توظيفا وإثارة لأزمة حلايب بشكل ابتعد كثيرا عن خصوصية العلاقات المصرية السودانية، لقد دأب الرجل وأجهزة إعلامه منذ انفصال الجنوب وحصوله على الاستقلال على محاولة تأجيج مشاعر العداء ضد مصر من خلال الزعم بأن مثلث حلايب الذي يقع شمال خط عرض 22 درجة إنما هو جزء من التراب السوداني ولا يحق لمصر ممارسة السيادة عليه.

وحقيقة الأمر أن مصر التزمت بنصوص اتفاقية عام 1899 مع المملكة المتحدة التي أسست لنظام الحكم الثنائي في السودان، وطبقا لهذه “الاتفاقية” فإن الحدود الدولية السودانية المصرية، يفصلها خط  العرض 22، ما يعني أن جميع الأراضي الواقعة شمال هذا الخط بما فيها مثلث حلايب هي أراضي مصرية، ونظرا للطبيعة الجغرافية والطوبغرافية لمناطق حلايب وشلاتين وأبورماد حيث يغلب عليها طابع البداوة الذي يجافي حياة التحضر الذي اعتادت عليه الدولة المركزية في مصر فقد  أصدر الحاكم العام للسودان مرسوما عام 1902 بضم المنطقتين، بما فيهما مدينتي حلايب وأبو رماد، التي تقطنهما القبائل الرعوية شمال هذا الخط إلى السودان لأغراض إدارية، بالإضافة لمنطقة ثالثة خاصة بقبيلة العبابدة المصرية أضحت في زمام الأراضي المصرية. لاحظ أن المعيار هنا هو تحسين الخدمات المقدمة للقبائل المصرية والسودانية التي تقطن هذه المناطق ولا علاقة له البتة بقضايا السيادة والحدود السياسية بين الدولتين، وبعد ذلك أصدر وزير الداخلية المصري مرسوما عام 1907 يعترف بالحدود الإدارية الجديدة، واستندت المزاعم السودانية إلى أن الدستور الانتقالي الذي دخل حيز النفاذ في 1 يناير 1956 يعرف الأراضي السودانية على أنها تشكل السودان الأنجلو- مصري زمن الحكم الثنائي بما يعني الاعتراف بالحدود الإدارية التي صدق عليها وزير الداخلية المصري عام 1907، كما أن القبائل التي تقطن مثلث حلايب هي سودانية ومارست حق التصويت في أول انتخابات برلمانية سودانية عام 1953، والواقع أن مصر رفضت منذ البداية جميع الإجراءات التي اتخذتها السلطات السودانية لسودنة مثلث حلايب، وأصدرت العديد من الإعلانات والبيانات التي ترفض مثل هذه الاجراءات السودانية، كما أن الادعاء بوجود ارتباط ثقافي بين الشعب السوداني وقبائل منطقة حلايب التي تتبع محافظة البحر الأحمر المصرية يعكس عدم فهم لقضية التنوع والتعدد الثقافي في الدولة ما بعد الاستعماري في أفريقيا، إذ لو صح هذا الزعم لاختفت بعض الدول والمناطق الحالية من على الخريطة حيث يصبح الحق لدولة مثل تشاد أن تطالب ببعض مناطق دارفور بحجة أنها أقرب ثقافيا للقبائل التشادية.

ما العمل؟ ربما يذهب البعض إلى الحديث في فضاءات فكرية وأكاديمية عن حلول وسيناريوهات للمستقبل وكأننا أمام أزمة حدودية حقيقية، فبعضهم يطرح تارة الخيار التفاوضي الذي يقوم على تبادل الأراضي وتارة أخرى يطرح خيار التحكيم الدولي وهكذا، والرأي عندي أنه لا تحكيم في سيادة ولا تفريط في شبر واحد من تراب الوطن، ومع ذلك فيمكن جعل المنطقة نقطة التقاء وتنمية تجسد مفهوم التكامل الاقتصادي الحقيقي الذي يستحقه الشعبين في شمال الوادي وجنوبه، وعلينا أن ندرك أن لدى سكان حلايب وأخواتها مثل شلاتين وأبورماد مصالحهم الخاصة ومظالمهم التاريخية التي تحتاج إلى النظر فيها بعد سنوات طويلة من الإهمال والتهميش، فقد تعاملت الحكومات المركزية في المحروسة مع سكان هذه المناطق من خلال منطق الزيارات الموسمية أو منح بعض الحقوق الثانوية، إن الإدارة المحلية لمناطق الأركان تلك ينبغي أن تقوم على أكتاف أبناء المنطقة أنفسهم وليس من خلال من ترسلهم الحكومة لينوبوا عنها دون أدنى معرفة لديهم بحقائق الواقع هناك، فهل آن للمصريين أن يتجاوزوا خلافاتهم السياسية الضيقة ويدافعوا عن كرامة وسيادة الوطن من خلال تنمية وتطوير مناطقهم الحدودية لتصبح بحق درات تاج حضارتهم ومجدهم؟ هذا هو التحدي الحقيقي!

 

إغلاق