بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتحليلات

إرث قديم.. دوافع ومستقبل التحرك الفرنسي في غرب أفريقيا

الوسوم

يعيش العالم حالة من التنافس على مناطق النفوذ والسيطرة، فالدول الكبرى عادت لسياساتها الاستعمارية كما كانت في السابق، لكن تحت ستار الحرب على الإرهاب، من بين هذه الدول فرنسا، صاحبة المصالح والنفوذ في مناطق عدة بينها القارة الأفريقية، خاصة في المناطق الغربية منها، التي لم تتردد في التدخل عسكريا فيها من أجل حماية مصالحها الاستراتيجية، ففي عام 2013، تدخلت عسكريا في مالي، بعد طلب السلطة القائمة منها التدخل، بزعم مواجهة الجماعات الإرهابية، وقبلها في ليبيا في 2011، ومن يومها لم تخرج ولم تحقق الكثير من الإنجازات بما يعود بالنفع على استقرار هذه الدولة.

ولم تكتف فرنسا بهذا فقط وسط استمرار فشلها، حيث اتسعت دائرة المواجهة مع الجماعات المسلحة خاصة في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، ولمحاولة فرنسا التغلب على اتساع نطاق المواجهة مع الجماعات المسلحة، بجانب استغلال هذا الوضع في توسيع النفوذ ودعم النظم الموالية، من أجل تحقيق مصالحها، شكلت مجموعة “G5” وتتكون من النيجر وتشاد ومالي وموريتانيا وبوركينا فاسو، وذلك لمحاربة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي وغرب أفريقيا، لما تمثله المنطقة من أهمية استراتيجية كبيرة لفرنسا.

وتخطط فرنسا لاستمرار وإدامة وجودها في هذه المنطقة المهمة، في ظل التكالب الواسع على مناطق النفوذ بين القوى الكبرى، خاصة من قبل الصين، لذا أكد قائد أركان الجيش الفرنسي فرانسوا لوكوانتر، أن عملية “برخان” الفرنسية لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل ستكون “طويلة الأمد”، وإن باريس لن تغادر هذه المنطقة في ظل الظروف الحالية، ليس بسبب الإرهاب وإنما لأن هناك تنافس سريع وحامي الوطيس بين القوى الكبرى، لن يوقفه سوى الوجود العسكري الذي يمثل رسالة لهذه القوى، بجانب الدول ذاتها التي إن حاولت الانقلاب على مصالحها لن يتم التردد في الإطاحة بأنظمتها.

أولا– مظاهر التدخل العسكري الفرنسي في أفريقيا:

كثفت فرنسا من وجودها السياسي والاقتصادي في غرب أفريقيا، بعد إنهاء استعمارها لمعظم دول هذه المنطقة، لكن استمرار خضوع المنطقة لنفوذها، لم يكفي نفوذها السياسي والاقتصادي لاستمراريته، فنهاك دول أخرى دخلت عل خط المنافسة، مثل الصين، بالتالي كان لابد من تعزيز الوجود الأمني والعسكري لعدة جوانب، أولا للضغط على حكومات هذه المنطقة حتى لا تميل لغيرها ودعم الأنظمة الموالية وتهديد من يحاول الخروج عن رؤيتها، ففي عام 2002، تدخلت باريس في ساحل العاج بحجة حماية الجالية الفرنسية من أخطار الحرب الأهلية، التي اندلعت بين أنصار لوران غباغبو الرئيس المنتهية ولايته، والحسن وتارا الفائز بالانتخابات الرئاسية، ورغم وقوفها إلى جانب وتارا، إلا أنه استدعى قوات فرنسية إضافية لترسيخ الأمن والاستقرار، في الدولة التي كانت مستعمرة سابقة لها.

ونجحت باريس في إقرار حكومة وتارا، والحفاظ على نفوذها في هذه الدولة، وهدأت الأمور مجددا في القارة، إلا أن دخول الصين على خط المنافسة أزعج القوى الاستعمارية التقليدية التي لم تقدر على مجاراة الدبلوماسية الصينية المتمثلة في الدخول مكن بوابة الاقتصاد والمصالح المشتركة، وليس تقديم نفسها كقوة استعمارية، ومن هنا كان لابد على القوة الاستعمارية التقليدية إعادة تقديم نفسها في ثوب جديد، فاقتصاديا العلاقة بينها وبين المستعمرات القديمة قائمة على الاستغلال وليس دعمها في تحقيق التنمية أو خفض معدلات الفقر وإنما حافظت على تخلف هذه الدول حت تظل رهينة لها.

ومن هنا تستخدم فرنسا اضطراب الأوضاع التي تعاني منها أفريقيا، خاصة ملف الإرهاب لتبرير وتعزيز وجودها العسكري، الذي سيساعد في تحجيم التكالب الصيني على موارد القارة، وجاءت الثورة في ليبيا لتمنح باريس فرصة من ذهب للتواجد في إحدى دول شمال أفريقيا والتي تؤثر على وجود فرنسا في الدول المجاورة لها من غرب ووسط أفريقيا.

لم تفوت باريس الفرصة وتدخلت عسكريا ضمن قوات حلف شمال الأطلنطي “ناتو”، وكانت الأكثر مشاركة، بحجة حماية المدنيين من نظام معمر القذافي، ورغم مقتل القذافي وانتهاء نظامه، إلا أن فرنسا ما زالت موجودة عسكريا، وأحد الأسباب التي تساهم الآن في عرقلة التوصل لحل سياسي في البلاد، ونجحت في هذا الأمر، فالآن لديها فيتو في ليبيا ولم يمكن إقرار نظام سياسي مستقر دون موافقة باريس، التي تريد الآن تصدير نفسها على أنها القوة الأوروبية الأولى وحامية القارة، بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، سواء في مواجهة الاستفزازات الروسية، أو حماية مصالحها من الطاقة في الشرق الأوسط أو أفريقيا والتصدي لموجات الهجرة غير الشرعية.

وتضررت المصالح الروسية والصينية جراء التدخل الأوروبي بقيادة فرنسا في ليبيا، فقد وافقتا من خلال عضويتهما في مجلس الأمن على تدخل الناتو في ليبيا عام 2011، وشعرا بالخداع والقضاء على مصالحهما هناك، بالتالي يعمل كل منهما الآن على الحصول على أكبر قدر ممكن من النفوذ والمصالح في دول أفريقية، خاصة في شرق وجنوب القارة الأفريقية، فبكين موجودة الآن بقوة في إثيوبيا وكينيا وأوغندا، حيث تتحكم منطقة شرق أفريقيا في طرق التجارة العالمية التي يمتد من مضيق باب المندب إلى الساحل الأفريقي بخلاف الموارد الطبيعية والثروات المعدنية.

ازداد الوجود العسكري مجددا، في القارة الأفريقية، حيث تشير التقديرات إلى أن فرنسا تدخلت عسكريا في أفريقيا نحو خمسين مرة منذ عام 1960، فبعد ليبيا جاءت مالي، الدولة الفقيرة، لتعلن باريس التدخل فيها عسكريا في يناير 2013، رغم  وجود توجه من قبل الأمم المتحدة لتفويض الجماعة الاقتصادية لغرب أفريقيا “الإيكواس” بالتدخل العسكري في مالي، ودعمها في مواجهة الجماعات الإسلامية المتمردة التي سيطرت على إقليم إزواد وسعت لتوسيع سيطرتها على باقي الدولة.

تدخلت فرنسا بحجة طلب حكومة مالي منها رسميا هذا الأمر، لكن الحقيقة هو حماية مصالحها أولا وليس منع سقوط الدولة في أيدي متطرفين، وقد أكد ذلك وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس في يناير 2013، حين قال إن المصالح الأساسية بالنسبة لفرنسا ولأوروبا ولأفريقيا على المحك، لذلك كان عليهم التحرك بسرعة في مالي، فهي تريد إلى جانب منع وصول الجماعات غير الموالية لها إلى السلطة، تريد منع هيمنة الصين أيضا عليها، والتمدد لباقي دول جوار غرب أفريقيا، حيث وقعت بكين في 2010 مع حكومة مالي اتفاقية للتنقيب عن اليورانيوم، وهذا الأمر يقلق فرنسا بشكل كبير.

وكما أنشئت الولايات المتحدة الأمريكية في أفريقيا القيادة العسكرية الأميركية عام 2007، لمنع تمدد النفوذ الصيني في أفريقيا واحتوائه، تدخلت فرنسا من ناحيتها عسكريا لإثبات وجودها هي الأخرى، حتى لا يكون التنافس الصيني الأمريكي على حسابها، والآن شكلت تكتلا عسكريا جديدا من دول هذه المنطقة متمثلة في مجموعة “G5”.

وتؤكد هذه القوة أن التدخل الفرنسي لن يقف عند حدود مالي، إنما سيمتد إلى هذه الدول الخمس وغيرها، والترويج لفرضيات انتقال تنظيم داعش الإرهابي بثقله بعد هزيمته في سوريا والعراق إلى أفريقيا، واستغلال وجود جماعات بايعته في هذه المناطق كمات فعلت بوكو حرام في نيجيريا وبعض الجماعات الأخرى في مالي وتونس وليبيا، بالتالي ستؤدي سياسة فرنسا في هذه المنطقة إلى عسكرتها وإدارة المشهد عسكريا وليس سياسيا أو اقتصاديا لمجابهة النفوذ الصين وغيره، وسينعكس ذلك سلبا على هذه الدول وإضعافها وتدميرها أكثر مما هي عليه.

ثانيا– وسائل توظيف فرنسا لملف الإرهاب:

لم يكن لفرنسا أن تقدر على زيادة وجودها العسكري في القارة الأفريقية خاصة في مناطق الغرب دون مبرر، فبعد أحداث 11 سبتمبر 2001 التي هزت الولايات المتحدة، بدأت تظهر أهمية القرن الأفريقي، وأفريقيا بشكل كبير، لذا سعت العديد من القوى الكبرى إلى التمركز عسكريا في هذه المناطق، فجاء ملف القرصنة البحرية الذي كان منتشرا قبالة السواحل الصومالية وخليج عدن، ليمنح هذه الدول مبرر التواجد في هذه المناطق من خلال السفن البحرية، وصولا لبناء القواعد العسكرية على طول هذه المنطقة خاصة في جيبوتي، أما الآن وبعد انتهاء قضية توظيف القرصنة، برزت الجماعات الإرهابية كمبرر جديد للتواجد العسكري في الشرق الأوسط متمثلة في تنظيم داعش الإرهابي وجماعات القاعدة، وأيضا فروعهما في  أفريقيا، يضاف إليها بعض الجماعات المتمردة التي تسعى للانفصال كما جرى في مالي.

يوجد الآن حوالى 4 آلاف عسكري فرنسي في أفريقيا بشكل خاص في غرب القارة، ضمن عملية “برخان” لمحاربة الجماعات الإرهابية في مالي، تتمركز بشكل أساسي في مالي بخلاف القاعدة العسكرية في جيبوتي والنيجر لحماية معدن اليورانيوم المستخرج من هذه المنطقة الذي يستخدم في توليد الطاقة الكهربائية، حيث تعتمد باريس في تلبية نحو 75% من احتياجاتها من الكهرباء على الطاقة النووية، وتؤكد تقديرات الطاقة الدولية أن صحراء شمال مالي وشرق النيجر تحتل المرتبة الثالثة في احتياطات اليورانيوم على مستوى العالم.

وتمد حقول اليورانيوم في النيجر وحدها فرنسا بأكثر من ثلث احتياجاتها، لذلك كان من شأن وجود الفوضى في مالي أو وصول جماعات غير موالية لها سيهدد باقي المنطقة، لذا سرعان ما تدخلت فرنسا للحيلولة دون هذا الأمر، بجانب استغلاله كذريعة لتعزيز الوجود العسكري، كما فعلت في ليبيا، فهذه الدول متصلة جغرافيا، وفي حال امتلاك جماعة مسلحة أو إرهابية فائض من القوة سينتقل إلى هذه الدول، كذلك تريد فرنسا قطع الطريق على دخول قوى كبرى أخرى قد تمثل تهديدا لها حتى الولايات المتحدة التي تعتبر حليفا لها.

وتحاول فرنسا الآن توظيف ورقة الإرهاب سواء لشعبها في الداخل، بأنها تواجه خطرا حقيقا يمثل تهديدا للداخل الفرنسي، كما وقع من هجمات إرهابية عدة، كما وظفت الولايات المتحدة من قبل خطر تنظيم القاعدة وهجمات 11 سبتمبر لتبرير  دخولها في أفغانستان والعراق، وأخير توسيع التدخل مع نشأة داعش في 2014، الذي جاء نتيجة للسياسات الأمريكية بشكل كبير، والآن يوظف الرئيس إيمانويل ماكرون هذا الأمر  كما فعله سابقه فرانسوا هولاند بالتدخل  في ليبيا وسوريا والعراق.

وعلى مستوى تقديم نفسها للدول الأفريقية، تعلم باريس أن الأنظمة السياسية ترتزق من هذا الأمر من أجل تعزيز بقائها في السلطة، والحصول على مزيد من الأموال، والتغطية على فشلها في تحقيق إنجازات حقيقة لبلادها، بالتالي لن تمانع الأنظمة في التعاون معها وفتح المجال أمامها للعودة عسكريا لبلادهم تحت غطاء محاربة الإرهاب، متجاهلة مواجهة الأسباب الحقيقة التي خلقت التمرد وانتشار الجماعات المتطرفة.

وعلى مستوى الخارج، كان عليها إيجاد مبرر أمام العالم لنشر قواتها العسكرية وهو مكافحة الإرهاب والتطرف، بطلب من هذه الدول، ورغم أن هذا الأمر  مكشوف للدول الكبرى المنافسة، بعد خديعتهم في ليبيا، إلا أنه لابد منه، وتوجيه رسالة أيضا أن هذه المناطق أماكن نفوذ خالصة لها لا ينبغي الاقتراب منها، أو ضمها إليها، فكما تصدت روسيا لإسقاط الغرب لسوريا لأهميتها لها، وكما فعلت أيضا مع جزيرة القرم، تمثل دول غرب القارة نفس الأهمية لفرنسا ولن تسمح بالاقتراب منها، سواء للصين أو لغيرها.

ثالثا– مستقبل النفوذ الفرنسي في غرب أفريقيا:

تواجه فرنسا، مواجهة قوية فيما يتعلق بتثبيت نفوذها، سواء التنافس مع القوى الكبرى كالصين، أو مواجهة الجماعات المسلحة من حيث عدد العمليات التي تنفذها ومناطق الانتشار، ولهذا سيشهد النفوذ الفرنسي تحديات مهمة أبرزها:

1- الجماعات المسلحة وإنهاك فرنسا:

لن تستطيع فرنسا تأمين مصالحها، بدون إنهاء أو على الأقل تحييد خطر الجماعات المسلحة، مقابل تقوية الأنظمة السياسية الموالية لها على الأقل لحماية نفسها في مواجهة هذه الجماعات، لكنها لن تعمل على معالجة جذور المشاكل في هذه البلدان، وهي تحقيق معدلات تنمية مرتفعة والقضاء على الفقر والفساد السياسي وخلق نظام سياسي قادر على استيعاب الجميع، فهذه الأسباب تشتغلها الجماعات المسلحة في اكتساب المزيد من الأنصار وتجنيد المقاتلين في صفوفها.

ولأن فرنسا تعلم أن القضاء على الجماعات المسلحة في وقت قصير لن يحدث، لذا أعلن قائد أركان الجيش الفرنسي الجنرال فرانسوا لوكوانتر يوم 16 مارس الجاري، أن عملية “برخان” الفرنسية لمكافحة الإرهابيين في منطقة الساحل ستكون “عملية طويلة الأمد”، لدعم تنامي قوة مجموعة “جي 5” في منطقة الساحل (مالي وموريتانيا وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد)، حتى يتحملوا المسؤولية عن الأمن، وكشف عن نوايا فرنسا بالبقاء طويلا في ظل التنافس الدولي على موارد القارة، مؤكدا أنهم لا يمكنهم أن يغادروا الآن بكل الأحوال من هذه الدول.

ومما سيزيد الصعوبات على فرنسا، هو اندماج الكثير من الجماعات المسلحة تحت لواء واحد كما حدث مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مالي، فهذا التوحد يصعب الأمور أكثر على القوات الفرنسية هناك، وكذلك إضعاف الأنظمة الموالية لها، ويكسبها القدرة على المناورة والتخطيط ودعم موقفها التفاوضي، لتتحول إلى ما يشبه حركة طالبان في أفغانستان، التي تسعى الحكومة هناك بجانب الولايات المتحدة إلى التفاوض معها، لأنها نجحت في استنزاف خصومها منذ أكثر من 17 عاما، وما زالت تسيطر على حوالي نصف الأراضي الأفغانية، كذلك متمردي الطوارق في مالي وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين ما زالو يسيطرون على بعض الأراضي ويشكلون تهديدا فعليا عبر القدرة على شن هجمات من وقت لآخر سواء على القوات الحكومية أو الفرنسية.

ويدعم ذلك الأمر نجاح “نصرة الإسلام والمسلمين”، في تنفيذ هجوما قويا ومنظما مطلع الشهر الجاري في بوركيينا فاسو الدولة المجاورة ذات النفوذ الفرنسي، استهدفت فيها مقر وزارة الدفاع وكذلك البعثات الدبلوماسية الفرنسية هناك، مما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، وهذا يعني أن الجماعة قادرة على نقل ساحة المواجهة إلى خارج مناطق تواجدها في مالي واستهداف المصالح الفرنسية في باقي دول الجوار، ولإدراك فرنسا خطورة هذا الأمر، عجل وزير خارجيتها بزيارة بوركينا فاسو مباشرة عقب الحادث، لأن الأمر لا يقتصر على الهجوم الذي وقع، إنما بداية لإضعاف النفوذ الفرنسي في أفريقيا وجعله مكلفا لفرنسا.

2- استمرار المواجهة مع الصين:

أدركت الصين أن أفريقيا إحدى المنافذ المهمة لها سياسيا واقتصاديا، لذا بدأت في مزاحمة القوى الاستعمارية التقليدية في القارة، فها هي حصلت على أول قاعدة عسكرية لها خارج أراضيها في جيبوتي، بجوار القواعد الفرنسية والأمريكية وغيرها، وتسعى لتعزيز هذا الوجود بالمشاريع الاقتصادية انطلاقا من منطقة شرق أفريقيا ثم الانطلاق منها إلى العديد من دول القارة، وبالفعل أجرى وزار الخارجية الصيني وانغ يي جولة أفريقية في مايو 2017، في غرب القارة شملت موريتانيا والرأس الأخضر وساحل العاج.

وتخطط الصين لتعزيز وجودها في هذه المناطق الغنية بالثروات الطبيعة خاصة النفط كما في دلتا النيجر ونيجيريا إلى جانب اليورانيوم المتركز في هذه المنطقة أيضا، فالصين أصبحت أكثر دول العالم استهلاكا للطاقة وتبحث عن منابع جديدة لها، لأنها لم تستطع الحصول على حصة من نفط منطقة الخليج العربي، التي أصبحت في إطار الحماية الأوروبية الأمريكية منذ اكتشافه فيها، وطالما الصين تسعى للتمدد في هذه المناطق، فإن فرنسا لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء هذا التمدد وبالتالي سيكون الحل بتعزيز النفوذ العسكري بحجة استمرار مواجهة الإرهاب ومكافحة الهجرة غير الشرعية، في مواجهة الأداة الاقتصادية للصين.

3- دعم خلق وكلاء عسكريين لحماية النفوذ:

لن تقدر فرنسا على الدخول في حرب مفتوحة مع الجماعات الإرهابية والمتمردة في غرب أفريقيا، لأنها تدرك الخسارة الحتمية لها، بهذه الطريقة، لأنها لن تقدر الآن على اتباع سياستها الاستعمارية القديمة وهي نمط الحكم المباشر أي التدخل في إدارة شؤون هذه البلاد بشكل كامل دون الاعتماد على حكومات هذه الدول، لذا لجأت الآن لتشكيل مجموعات من الدولة في تكتلات عسكرية لمساعدتها في حماية هذا النفوذ، ويتمثل الأمر حاليا في مجموعة “G5″، التي شكلتها بالفعل وتسعى لحشد تمويل لها يقدر بنصف مليار دولار، وبالفعل حصلت على جزء من هذه الأموال، من السعودية التي قدمت 100 مليون دولار، أما الإمارات فدفعت 30 مليون دولار أخرى،  وذلك من أجل دعم وتهدف تشكيل قوة من 5000 عسكري، تضم جنودا من البلدان الخمسة للمجموعة بحلول مايو 2018، وتم اختيار مقر قيادتها في سيفاري بمالي.

ومن خلال هذا التكتل العسكري تريد فرنسا أولا ضمان وجود وكلاء عسكريين لها يدعمونها في مواجهة الجماعات المتمردة والإرهابية، إلى جانب ضمان ولاء هذه الأنظمة لها، التي ستكون مرتبطة بها، وتسعى إلى تحقيق المزيد من المكاسب المادية وتثبيت وجودها في السلطة بدعم فرنسي.

المصدر
كمال الدين شيخ محمد عرب، أبعاد الاهتمام الصيني بشرق إفريقيا: الفرص والعقبات، مركز الجزيرة للدراسات السياسية، 11/1/2017 محمد إسماعيل حديد، آفاق وأبعاد التدخل الفرنسي في غرب أفريقيا، 30/5/2016أميرة محمد عبدالحليم، درس "واجادوجو": لماذا لم تمنع العسكرة الفرنسية تصاعد الإرهاب بالساحل الإفريقي؟، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 11/3/2018، استهداف متكرر: دوافع الهجمات الإرهابية الأخيرة في بوركينافاسو، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 7/3/2018، حمدي عبد الرحمن، فرنسا وإعادة غزو أفريقيا، مركز الجزيرة للدراسات السياسية، 2/2/2013 فرنسا تسعى لجمع الأموال لتشكيل قوة لمكافحة الإرهاب غرب أفريقيا، موقع 24، 13/12/2017، أماني الطويل، دور عسكري فرنسي في أفريقيا ... وتحفظ أميركي، الحياة، 5/8/2017حرب فرنسا في أفريقيا بأموال سعودية وإماراتية، العربي الجديد، 14/12/2017، سلوى بن جديد، سياسة الفرنسية تجاه الإرهاب بين إفريقيا والشرق الأوسط، السياسة الدولية، 16/5/2016بوركينافاسو.. هجوم يستهدف سفارة فرنسا وسقوط 28 قتيلاً، العربية نت، 2/3/2018مهمة فرنسا في منطقة الساحل عملية "طويلة الأمد"، راديو مونت كارلو، 16/3/2018

الأزمة الليبية .. عودة للدور الروسي في شمال أفريقيا

الأسطول المصري الجنوبي ..خطوة نحو الردع أم النفوذ؟

عرض كتاب «العلاقة بين الدين والسياسة في أفريقيا: دراسة لبعض حركات الإسلام السياسي والأصولية المسيحية»

القوة الناعمة الصينية والهيمنة الجديدة في أفريقيا.. شراكة حقيقية أم هيمنة جديدة

إغلاق