قراءات

البنك الدولي وتاريخ من الانتقادات

الوسوم

في زمن العولمة، تزداد تلك الهالة من القداسة على المؤسسات الاقتصادية الدولية بشكل مطرد، بحيث تمددت تلك المؤسسات وفي ذيلها الشركات العابرة للقارات، في مقابل تضاؤل دور الدولة الوطنية وتراجع دورها الاقتصادي في تحقيق النمو والرفاهية لمواطنيها، كما تراجع دور القطاع العام بفعل سياسات تلك المؤسسات الدولية التي تنادي بالخصخصة وتقليل الإنفاق العام، وقد باتت النتيجة النهائية أن تلك المؤسسات العملاقة هي التي تتحكم في اقتصاديات الدول النامية وتحديد مصيرها الاقتصادي، ويتبعه بالطبع المصير السياسي والاجتماعي.

وعلى الرغم من تلك الهالة من القداسة، فإن تتبع مسار نشأة البنك الدولي يؤدي إلى مزيد من الدهشة والحيرة حيال هذه المؤسسة العملاقة التي تتحكم في الاقتصادات الدولية، فلقد بات معروفًا بين الأوساط الاقتصادية تلك الأخطاء التي ارتكبها أو ما زال يرتكبها البنك الدولي وتوأمه صندوق النقد الدولي. ولذا يحاول هذا المقال عبر محاوره الثلاثة التالية، عرض الأخطاء والمشكلات والانتقادات التي تم توجيهها للبنك الدولي، في الماضي، وكذلك الحاضر، وفي المحور الثالث نحاول الإجابة على السؤال الشائك، هل يمكن للدول النامية أن تحقق التقدم الاقتصادي عبر اتباع سياسات المؤسسات الاقتصادية الدولية؟

التاريخ السري للبنك الدولي:

في كتاب نادر الآن ومثير للاهتمام والدهشة صدر باللغة الفرنسية عام 1989م وتمت ترجمته للغة العربية عام 1992م، يحمل عنوان “التاريخ السري للبنك الدولي” من تأليف الدكتور زكي العايدي، الأستاذ في معهد العلوم السياسية  في باريس، يحاول “العايدي” عبر فصول هذا الكتاب الإثنى عشر، تقديم العديد من الحقائق المجهولة حول تاريخ البنك الدولي، الذي تحول من مؤسسة صغيرة إلى قوة مالية عالمية مؤثرة في عصرنا الراهن، تلك القوة التي تطورت على نحو مذهل وجعلت البنك يتحكم في خيارات شعوب البلدان النامية في مجال تنميتها الاقتصادية، وطريقها المستقل للتقدم الاقتصادي والاجتماعي، بل إن هذه القوة، كما يصفها مؤلف الكتاب، جعلت البنك “يضغط على سيادة الدول”، ويصل إلى الحد الذي يضع فيه اقتصاداتها “تحت الوصاية” ويفرض “رقابة على المصروفات العامة”، بل على “حق الجلوس في مجلس الوزراء”، على حد تعبيره.

ويؤكد “العايدي” على أن تغول البنك الدولي بهذه الصورة جاء عبر تاريخ سئ السمعة من العمل على تدمير الدول الوطنية القوية خلال فترة الخمسينيات والستينيات، والقضاء على أية خطط طموحة للنهوض بالاقتصادات الوطنية وتحقيق الاستقلال الاقتصادي، ومثال على ذلك ما حدث مع مصر على سبيل المثال، ويشير الكاتب كذلك إلى الدور الهام الذي قام به البنك في دعم الشركات العابرة للقارات والقوميات، التي ساعدت البنك في التخلص من القطاع العام في بلدان العالم الثالث.

ولعل من المهم الإشارة إلى ما ذكره الكاتب عبر سطور هذا الكتاب من أن البنك الدولي كان حريصًا على تقديم القروض للدول القادرة على الوفاء بتلك القروض، حتى وإن لم تكن من أكثر الدول احتياجاً إليها، لمجرد أن هذه الدول ترحب بسياسات تقسيم العمل الدولي وتتسم سياساتها بميل نسبي كبير نحو الليبرالية، وتتواجد فيها أحجام ضخمة من الاستثمارات الأجنبية وتربطها بالولايات المتحدة علاقات اقتصادية قوية، ويتضح ذلك على وجه الخصوص في القروض التي قدمها البنك إلى البرازيل وتشيلي والمكسيك وكولومبيا وتركيا وإيران وتايدلاند وتايوان وكوريا الجنوبية، فقد حصلت تلك الدول على قروض لا بأس بها رغم أنها لم تكن الأكثر فقراً في مجموعة الدول النامية.

ومن المعروف لدى الجميع أن البنك منذ لحظة نشأته تسيطر الدول الرأسمالية على إدراته وتحديد السياسات وتخصيص الموارد الخاصة به، عبر السيطرة على أغلبية رأس مال البنك، وبالتالي السيطرة على الكتلة التصويتية الأكبر داخل البنك، وفي الوقت الحالي ترفض تلك البلدان أي تعديلات على قوانين ولوائح البنك الخاصة بنسب التصويت. كذلك تسيطر الدول الرأسمالية على البنك عبر كونها المقرض الرئيسي للبلدان النامية وإن كان ذلك من خلال البنك، إذ أنها تفضل أن تكون القروض عبر البنك وليس في شكل قروض ثنائية، وذلك للتمتع بمزايا الضمانات المرتفعة التي يقدمها البنك واختياره الدول المقترضة القادرة على السداد، هذا فضلاً عن تجنب تلك الدول المشكلات البيروقراطية المتعلقة بالقروض الثنائية.

وينتهي المؤلف عبر هذا الكتاب، إلى نتيجة مؤداها أن جوهر المأزق الذي تواجهه الدول النامية التي رضخت لبرامج البنك والصندوق الدوليين، هو أن قضايا صنع السياسات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية واختيار طريق نموها وتقدمها الاقتصادي والاجتماعي لم تعد بيدها، بعد أن وضعت اقتصادها تحت ما يشبه الإدارة المركزية لهاتين المؤسستين، وبعد أن فشلت مجموعة هذه الدول– في ضوء طبيعة الأنظمة التي تحكمها- عن إيجاد مخرج لأزمة تنميتها وديونها.

الماضي صورة الحاضر.. انتقادات داخل البنك:

ليس الماضي فقط هو الذي يحمل انتقادات لسياسات البنك الدولي، فهذه المرة جاءت الانتقادات من داخل البنك ذاته، وعلى لسان شخصية مرموقة. فلقد جاء قرار كبير الاقتصاديين في البنك الدولي “بول رومر” بالاستقالة من هذا المنصب في الرابع والعشرين من يناير 2018، مثل سقوط صخرة في بركة ماء راكد، حيث أثارت أسباب هذا القرار الكثير من التساؤلات والانتقادات من قبل وسائل الإعلام المختلفة تجاه البنك الدولي وسياساته المتبعة حول الاقتصاد العالمي، لاسيما وأن قرار “رومر” لا يعد قراراً لأسباب شخصية، وإنما لأسباب موضوعية حول التحديات الحقيقية التي تواجه البنك.

وذكر “رومر” أن من بين الأسباب التي دفعته إلى ترك منصبه، هو إصرار خبراء البنك على الاعتماد على اللغة البيروقراطية التقليدية والمعقدة، التي يصعب على غير المتخصصين في الاقتصاد فهمها، ما يجعل تقارير البنك تدور في آفق ضيق للغاية، ولا تحقق أهدافها بتوعية الشعوب بقرارات البنك وأسبابها، وبالتالي تكون النتيجة عدم مشاركة تلك الشعوب في تحقيق تقدم بلدانها.

ومع ذلك فإن أهم الأسباب التي دفعته إلى ترك العمل في البنك الدولي، ما يتعلق برفضه للعوامل التي يقوم عليها مؤشر سهولة ممارسة أنشطة الأعمال، الذي يعمل البنك الدولي على تحديثه بشكل مستمر، والذي يتم من خلاله قياس مدى سهولة إنشاء الشركات الجديدة في الدول المختلفة. فعلى الرغم من أن البنك الدولي يفترض وجود بيئة تجارية ملائمة، وكذلك وجود قوانين تنص على المنافسة بين الشركات ومنع الاحتكارات، يسهل عملية دخول الشركات الجديدة إلى الأسواق، إلا أن “رومر” يرى أن الواقع الفعلي لا يشترط حدوث ذلك، حيث من الصعب قياس مدى سهولة ممارسة الأعمال والعوامل المرتبطة بها التي لا تخضع للقياس الاقتصادي مثل التفاؤل لدى المستثمرين، هذا فضلاً عن أنه من الطبيعي أن تأتي الدول الغنية على رأس القائمة في هذا المؤشر لمجرد أنها غنية.

وإذا نحينا استقالة “رومر” جانباً، للحديث عن أمر أكثر أهمية، وهو مدى مصداقية تصنيفات البنك الدولي، فعلى الرغم من أن البنك أوضح أن الدول تستطيع أن تحقق النمو الاقتصادي بمجرد تعديل أوضاعها بما يتوافق مع تصنيفات البنك الدولي، إلا أن الأدلة تشير عكس ذلك، فقد أوضح الخبير الاقتصادي “إيفان سولتاس” في دراسة معمقة له نشرها عبر موقعه الشخصي في مايو 2016، أن الدول التي أخذت بتوصيات البنك الدولي في مؤشر أداء الأعمال وارتفع تصنيفها، لم تحقق النمو الاقتصادي المتوقع سواء على المدى المتوسط أو المدى البعيد، الأمر الذي يعني أن مجرد تسهيل الإجراءات ليس سبباً كافياً لتحقيق النمو الاقتصادي، في ظل غياب بيئة متكاملة لتسهيل أداء الأعمال، تتمثل على سبيل المثال في وجود استقرار سياسي وتفاؤل لدى المستثمرين، ووجود قوة شرائية لدى الأسواق.

وذكر الاقتصادي “نوح سميث” في مقال له على موقع بلومبيرج بعنوان “البنك الدولي.. تساؤلات ومشاكل عميقة” أن الأمر يبدو وكأن البنك الدولي يوصى بتطبيق سياسات قائمة على التوقعات والافتراضات، وليس على الواقع الفعلي لهذه الدول، بحيث تؤدي تلك السياسات في نهاية المطاف إلى مزيد من عدم المساواة بين دول العالم، وكذلك داخل المجتمعات ذاتها، ولعل من المقلق أن البنك قد يتحول في نهاية المطاف من مؤسسة تساعد الدول في تعزيز النمو، إلى مؤسسة تقدم السياسات والنصائح الخاطئة، لذا أصبح من المخيف بالنسبة لكثير من البلدان وشعوبها اتباع سياسات البنك الدولي.

البنك الدولي وتحقيق التقدم الاقتصادي

الأمر الذي يجب أن نتساءل عنه في النهاية، هل يمكن للدول تحقيق التنمية الاقتصادية باتباع نصائح وقرارات المؤسسات الاقتصادية الدولية؟ الإجابة صعبة للغاية، خاصة في ظل وجود آراء عدة ما بين المؤيدة والمعارضة لمدى القدرة على تحقيق ذلك، ففي عالم اليوم، ليس من السهل على الدول أن تحلق خارج السرب، أو أن تصبح خارج عباءة المؤسسات الاقتصادية الدولية، وإلا ستواجه تقارير اقتصادية سيئة وتصنيف منخفض لعدد من المؤشرات الاقتصادية، وتوصيات بعدم التعامل الاقتصادي معها، لدرجة أصبحت الأنظمة السياسية تسعى للحصول على قروض من المؤسسات الدولية للحصول ضمنًا على اعتراف النظام الدولي بها.

وكما ذكرنا من قبل أن مشكلة التوصيات الدولية أنها في الغالب توصيات قائمة على افتراضات أكاديمية وتحليلات اقتصادية لا تقوم على الواقع الفعلي لهذه البلدان، أو تتصل بمشكلاتها التاريخية بصورة مباشرة، وبالتالي ليس من المضمون أن تطبيقها سيؤدي بالفعل إلى نتائج واضحة وملموسة وإيجابية لصالح الدول.

لذا وإذا كانت الدول ليس أمامها من مفر إلا اللجوء لتلك المؤسسات الدولية، فليس عليها أن تكتفي بتلك البرامج الدولية، وأن تعمل جاهدة على إيجاد برامج موازية لتحقيق القدرة على التصنيع المحلي وإمتلاك التكنولوجيا والمعرفة التي تدعم ذلك بشكل حقيقي، ولعل ما قاله الاقتصادي “غاري بيسانو” أستاذ إدارة الأعمال بجامعة هارفرد من أن “قدرات التصنيع هي الداعمة للنمو الاقتصادي” يؤكد على ضرورة بناء الدول لقدراتها التصنيعية وامتلاك التكنولوجيا الحديثة لتحقيق النمو الاقتصادي.

وليس من عيب في أن تستفيد الدول النامية من بعض التجارب الناجحة في هذا المجال، فقد استطاعت سنغافورة أن تدمج بين توصيات المؤسسات الدولية وبين الحفاظ على دور الدولة. فمن الصحيح أن سنغافورة عملت على تشجيع التجارة الحرة وتحسين مناخ الاستثمارات الأجنبية، إلا أن الحكومة ظلت تحتفظ بملكية جميع الأراضي، هذا فضلاً عن توفير 85% من المساكن من قبل شركة الإسكان الحكومية. كما أن شركات القطاع العام تشارك بما نسبته 22 % من الناتج المحلي الإجمالي، بينما لا يتعدى المتوسط العالمي لمشاركة القطاع العام في الناتج المحلي الإجمالي عن 9 %.

وأخيراً، فإن الدول عليها ألا ترفع يدها استسلامًا أو اكتفاءاً بتوصيات المؤسسات الاقتصادية الدولية، بل عليها أن تعمل على بناء خطط وطنية شاملة وواضحة تشمل إقامة بنية تحتية قوية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والعدالة في توزيع الداخل، وكذلك الاهتمام بالتعليم وخاصة التعليم المهني والفني، بما يتواكب مع متطلبات العصر الحالي. وكذلك السعي لإقامة مناخ اقتصادي صحي قائم على أنظمة وتشريعات تدعم تحقيق التنمية الاقتصادية.

عرض كتاب: ثلاثية الشر في مصر (الاحتكار- مافيا التجار- صندوق النقد الدولي)

انتشار الظاهرة.. كيف يعيق الفساد نمو الاقتصاد المصري؟

اقتراض مصر من صندوق النقد الدولي. الأبعاد والتداعيات السياسية

كيف تعمقت ظاهرة اللامساواة في الدخل والثروة في مصر؟

إغلاق