بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتحليلات

العاصمة الإدارية الجديدة.. قراءة في المدلولات السياسية

الوسوم

يعد التطور العمراني من الوسائل المادية الملموسة لقياس مدى تقدم وتخلف الأمم، فالتراث العمراني حفظ تاريخ الحضارات القديمة فلولا الأهرامات لما عُرفت الفرعونية، ولولا اكروبوليس لتوارت الحضارة اليونانية، ولولا الشانزلزيه وستمنستر لما لمسنا الحضارة الأوروبية الحديثة، فالمعالم المكانية عنوان للحضارة وتأصيل للتاريخ.

شكل التراث العمراني الذاكرة التاريخية والسياسية لأي أمة من الأمم فالمدن ليست صماء إنما عبارة عن ملاحم متتالية من التزاوج الحضاري، فالمفكر المصري الراحل “جمال حمدان” قال” ربما تكون الجغرافيا صماء، لكن ما أكثر ما كان التاريخ لسانها، ولقد قيل بحق أنّ التاريخ ظل الإنسان على الأرض، بمثل ما أن الجغرافيا ظل الأرض على الزمان”.[1]

القاهرة منذ المعز مرآه واضحة لتطور التاريخ المصري حيث تنشد أزقتها وشوارعها بفصول متنوعة من التاريخ المصري منذ العهد الإسلامي حتي اليوم، وعلي الرغم من الزخم التاريخي الذي تعبر عنه القاهرة إلا أنها أصبحت مثقلة بالهموم والمشكلات، ما حدا بصناع القرار السياسي في العديد من المناسبات إلى التفكير في الفرار منها وتبني عاصمة جديدة تكون بديلة عن العاصمة القديمة التي أصابها الاختناق والازدحام.

من تلك الأطروحات للخروج من الاختناق القاهري ما عبر عنه الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” خلال مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري في شرم الشيخ في مارس 2015 عن اتجاه الحكومة المصرية  لبناء عاصمة إدارية جديدة تتجمع فيها المصالح الحكومية الحيوية كالبرلمان والوزارات ومقر رئاسة الجمهورية، والسفارات الأجنبية ومطار دولي يربطها بالعالم الخارجي، هذا بالإضافة إلى كونها مركز مالي وحضاري وثقافي جديد يعبر عن مصر المستقبل[2].

تعد العاصمة الإدارية الجديدة نقلة تاريخية وسياسية هامة في تاريخ العمران السياسي المصري ما سيحمل معه العديد من التحديات التي ينبغي إدراكها، لذا ستحاول الدراسة استكشاف بعض المدلولات الخاصة بالعاصمة الإدارية الجديدة من خلال المحاور الآتية:

المحور الأول- التطور التاريخي للعاصمة السياسية والإدارية لمصر:

تعاقب على التاريخ المصري العديد من الأنظمة السياسية الحاكمة منذ عهد الفراعنة وإلى اليوم، وفي تلك الأنظمة لعبت العاصمة دورا مركزيا في السيطرة والهيمنة على باقي الأقاليم المصرية حيث جرت العادة المصرية في حصر التاريخ المصري في تاريخ العاصمة السياسية، فمثلا يُطلق على مدينة القاهرة اسم مصر كناية عن مركزية الحكم المصري ودورها القوى في تشكيل السياسة المصرية.

حرص كل نظام سياسي يحكم مصر على تبني عاصمة جديدة له تمكنه من فرض مركزيته من ناحية ومن ناحية أخرى الابتعاد عن المشكلات التي تعج بها العاصمة السابقة التي قد تؤرق النظام السياسي الجديد، فمثلاً اتخذ الفراعنة العديد من العواصم مثل منف وطيبة وتل العمارنة وغيرها من المدن وجاء تقلب الفراعنة في اختيار العاصمة إلى العديد من الأمور أهمها تغير الأسر الحاكمة وبعض الاضطرابات السياسية والدينية فمثلا اخناتون اتخذ عاصمة جديدة له (تل العمارنة حاليا) بديلا عن العاصمة التقليدية طيبة نظرا للخلافات بينه وبين كهنة «أمون رع».[3]

بعد انقضاء عصر الفراعنة اتخذ البطالمة مدينة الإسكندرية لتكون العاصمة والحاضرة السياسية الجديدة لمصر وجاء اختيار الإسكندرية كعاصمة دليلا عن التحول السياسي الذي عاشته مصر خلال تلك الفترة حيث فقدانها الاستقلال السياسي وارتباطها بالحضارات اليونانية والرومانية.[4]

وفي مرحلة الفتح الإسلامي آثر الوالي الإسلامي الأول لمصر “عمرو بن العاص” بناء عاصمة جديدة والابتعاد عن الإسكندرية التي رمزت لقرون طويلة للسيطرة الرومانية والبيزنطية على مصر، فاختار المنطقة الواقعة شمال حصن بابليون لبناء العاصمة الجديدة “الفسطاط” التي يعد بناؤها انقطاع التاريخ المصري القديم بتطوراته الفرعونية واليونانية والبيزنطية والقبطية وبداية التاريخ المصري الأوسطي حيث مصر الإسلامية.[5]

تعاقب على حكم مصر العديد من الدول الإسلامية التي لجأت هي الأخرى إلى تهميش العواصم القديمة وبناء عواصم خاصة بها تجنبا للاضطرابات السياسية والاجتماعية التي تفيض بها العاصمة القديمة فمثلا لجأ العباسيون إلى إنشاء مدينة “العسكر” (133 ه ـ 750 م) لتكون العاصمة بدلا من الفسطاط التي تعد بكل تأكيد ميراثا أمويا لمؤسسها “عمرو بن العاص”.[6]

مع تولي أحمد بن طولون الحكم في مصر عمل على إنشاء عاصمة جديدة تعبر عن العصر الطولوني بعيدا عن مدينتي الفسطاط والعسكر فعمل على تأسيس مدينة القطائع لتكون العاصمة المصرية الجديدة التي من خلالها تدار شئون البلد.[7]

تعاقب على حكم مصر بعد الطولونيين، الإخشيديون ومن بعدهم الفاطميون الذين عملوا على تشيد عاصمة جديدة لمصر حيث دأب القائد الفاطمي “جوهر الصقلي” على تشيد مدينة جديدة شاملة شمال شرق مدينة القطائع وتضم المدن الثلاث “الفسطاط ـ العسكرـ القطائع” إليها، وسميت المدينة الجديدة (969 ه) بالقاهرة ومازالت تلك المدينة هي العاصمة إلى اليوم على الرغم من الامتدادات العمرانية التي لحقت بها على أزمنة مختلفة.[8]

القاهرة أو زهرة الشرق كما يطلق عليها ظلت العاصمة الإدارية والسياسية لمصر منذ عهد الفاطميين وإلي الآن، وخلال تلك الفترة الطويلة من التاريخ القاهرى الذي قارب الألف عام تنوعت مراكز التأثير وصناعة القرار من حي لأخر، حيث استمرت رغبة الحكام المتتالية في الابتعاد عن المراكز القديمة وتبني مراكز جديدة لإدارة السلطة والحكم فمثلا صلاح الدين الأيوبي حين تولي حكم مصر خلفا للفاطميين عمل على إنشاء قلعة الجبل “قلعة محمد علي حاليا” لتكون مركزا للإدارة والحكم والابتعاد عن الأحياء الفاطمية القديمة واستمرت قلعة الجبل مركز للحكم والإدارة حتي عصر محمد علي.[9]

يُؤرخ لعصر محمد علي ببداية التاريخ الحديث المصري وفيه شهدت القاهرة أوج تألقها التاريخي ليس في تشكيل التاريخ المصري الحديث فحسب بل تاريخ المنطقة العربية عموما حيث أصبحت منذ عهد محمد علي مركزا للإشعاع والتنوير الحضاري والثقافي في المنطقة العربية.

في عهد الخديوي إسماعيل شهدت القاهرة أكبر انطلاقة عمرانية منذ نشأتها على يد جوهر الصقلي حيث تخلي “إسماعيل” عن قلعة الجبل كمركز للحكم والإدارة وعمل على بناء مدينة جديدة تحاكي المدن الأوروبية المتألقة في ذلك الوقت خاصة باريس فكانت القاهرة الخديوية بمظاهرها القائمة إلى الآن مثل منطقة وسط البلد وقصر النيل والقصور الملكية كقصر عابدين والقبة ومبني البرلمان المصري وغيره من المنشآت التي بُنيت في ذلك الوقت.[10]

على الرغم من التطور العمراني الذي أصاب القاهرة خلال عهد الخديوي إسماعيل إلا أنه أفرز العديد من التحديات والمشكلات الاجتماعية والسياسية التي بقيت أثارها إلى الآن ومن أهمها إبراز التفاوت الطبقي فالقاهرة في ذلك الوقت أصبحت مدينتين إحداهما للفقراء والمهمشين متمثلة في الأحياء التقليدية القديمة والأخرى للأغنياء والحكام، كما أن التطور العمراني للقاهرة في عهد إسماعيل كان بداية العزلة السياسية للحكام فسابقا كان الوالي المقيم في قلعة الجبل قريب للغاية من الأحياء القاهرية القديمة بكل ما تحمله من ملامح للفقر والغني فتحركاته خارج القلعة كانت تجبره على المرور في أزقة وحواري القاهرة القديمة، لكن مع انتقال مركز الحكم والإدارة من قلعة الجبل إلى قصر عابدين لم يعد الحاكم أو الوالي مجبرا على المرور في الأزقة والحواري وبالتالي حدث الانعزال السياسي فالوالي أصبح لا يرى رعيته، ويعلق أحد المهتمين بتاريخ التطور البرلماني المصري بأن إنشاء البرلمان المصري في عهد الخديوي إسماعيل جاء لعدة أسباب، أهمها أن الحاكم لم يعد على اتصال مباشر بالجماهير كما كان في السابق حين كانت قلعة الجبل مركزا للحكم والإدارة.

شهد العام 1882 الاحتلال الإنجليزي لمصر وبدورهم عمد الإنجليز على إنشاء مراكز جديدة للسيطرة والحكم في مصر خارج نطاق المراكز السابقة فكان حي جاردن سيتي حيث يقع فيه قصر الدوبارة مقر المندوب السامي البريطاني.[11]

وفي مرحلة ما بعد الاستقلال الوطني لم يتبنى النظام السياسي المصري في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر فكرة إنشاء مركز إداري  وسياسي جديد داخل العاصمة بعيدا عن المراكز السابقة، فمن الثابت أن مقر رئاسة الجمهورية في عهد عبد الناصر كانت قصري القبة وعابدين في القاهرة وقصر رأس التين في الإسكندرية.

لكن لجأ عبد الناصر إلى تبني تكتيك أخر ألا وهو دفع عملية التطور العمراني لمدينة القاهرة بالتوجه شرقا وإنشاء مدينة جديدة (مدينة نصر) خاصة بالطبقة المتوسطة ونقل مقرات السلطة إليها بشكل تدريجي وليس فورى كما كان يحدث في السابق، واستمر هذا الحال في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، وفي عهد الرئيس السابق “حسني مبارك تغير الوضع قليلا حيث أصبحنا أمام ثنائية إدارية وسياسية، فالقاهرة احتفظت بثقلها الإداري كموطن للوزارات والبرلمان وكافة الهيئات الحكومية والسفارات الأجنبية في حين فقدت ثقلها السياسي “الرسمي” لصالح مدينة شرم الشيخ التي لعبت في وقت ما دور العاصمة السياسية من خلال إقامة الرئيس السابق شبه الدائمة بها، وعلى الرغم من انتقال الثقل السياسي الرسمي من القاهرة إلى شرم الشيخ في عهد “مبارك” إلا أن القاهرة احتفظت بالثقل السياسي الشعبي ما عبرت عنه ثورة 25 يناير.

المحور الثاني – دوافع إنشاء عاصمة إدارية جديدة:

تعاني مدينة القاهرة من العديد من المشكلات والأزمات التي شكلت دوافع هامة لدى صانع القرار السياسي من أجل التفكير بشكل جدي في إنشاء عاصمة إدارية جديدة لمصر لتكون بديلة عن مدينة القاهرة حاليا ومن أهم تلك المشكلات:

• الاضطرابات السياسية:

منذ ثورة 25 يناير 2011 أصبحت القاهرة رهينة الاضطرابات السياسية المتتالية، نظرا للأهمية الجيوسياسية التي تمثلها ساحات المدينة خاصة ميدان التحرير الذي يعتبر الساحة المركزية الأولى في القاهرة.

لميدان التحرير أهميتان لعلهما كانا السبب الرئيسي في انجاح ثورة 25 يناير وهما:

1- تركز أهم المؤسسات السيادية في المناطق المحيطة بالميدان مثل مجلس الوزارء ومجلس النواب ووزارات الداخلية والخارجية والإعلام فضلا عن السفارات الأجنية ومقرات الشركات ومقرات الصحف ووكالات الأنباء المحلية والعالمية ما جعل الميدان والمناطق المحيطة به رهينة في قبضة المتظاهرين.

2- يعتبر “التحرير” الميدان المركزي في القاهرة ولا عجب أن يطلق على تلك المنطقة وسط البلد، فالموقع الجغرافي للميدان جعله على مقربة من مناطق شمال القاهرة وشبرا الخيمة وأيضا على مناطق جنوب القاهرة، حيث أحياء مدينة الجيزة وبالتي يسهل على آي تنظيم سياسي إجراء عملية الحشد السياسي في ميدان التحرير.

بالتاكيد تكبدت الدولة خسائر باهظة الثمن نتيجة تعطل الحياة اليومية في معظم الوزارات والهيئات الحكومية الواقعة بالقرب من منطقة وسط البلد وميدان التحرير لذا كان التفكير بشكل جدي من أجل الخروج من تلك المنطقة حتى لا تبقى مؤسسات الحكومة رهينة في قبضة أية تنظيم سياسي يتظاهر في الميدان أو مناطق وسط البلد مستقبلا، وما يؤكد هذا الكلام نقل مقر وزارة الداخلية من شارع الشيخ ريحان بالقرب من ميدان التحرير إلى مقرها الجديد بالتجمع الخامس.

• الاختناق والازدحام:

يعد العنوان الرئيسي لمدينة القاهرة هو الازدحام والاختناق المروري نظرا لوجود ما يربو عن 13 مليون نسمة داخل إطار ما يسمي القاهرة الكبري، واستعصت ظاهرة الاختناق والازدحام في القاهرة عن الحل طوال فترات الحكم السابقة فالعديد من المشروعات والخطط تم تنفيذها من أجل حل تلك الإشكالية إلا أنها باءت بالفشل نظرا لتكدس السكان في تلك المدينة، لذا كان هذا دافع قويا من أجل الخروج من الوادي الضيق، حيث تمثل العاصمة الإدارية فرصة كبرى لإنهاء حالة الاختناق والازدحام في القاهرة حيث من المرجح أن تستوعب العاصمة الإدارية حوالي 6 مليون مواطن.[12]

• سيطرة الهامش:

سيطر الهامش بكل تفاصيله على شكل القاهرة، فالهامش هنا ليس فقط الأحياء الفقيرة والعشوائية بل أيضا الهامش المرفه حيث نشأت على أطراف القاهرة أيضا أحياء هامشية غنية كالتجمع الخامس ما يوحي أن القاهرة مدينة التناقضات الاجتماعية وهو الأمر الذي خلف العديد من المشكلات الاجتماعية لذا يجب على العاصمة الإدارية الجيدة تجاوز حدة التفاوت الطبقي الواضحة في القاهرة.

• الصورة النمطية:

فقدت القاهرة صورتها النمطية الحداثية والتاريخية التي كانت تتميز بها في الماضي، نظرا لتغول العشوائيات في مدينة القاهرة فلا يستطيع المسافر للقاهرة في التمييز بين الأحياء العشوائية والأحياء الراقية بعدما كانت تصنف على أنها باريس الشرق، وفمثلا أي فوج سياحي يأتي للمتحف المصري يصبح لزاما عليه المرور بالعديد من الطرق المزدحمة والأحياء العشوائية المختلفة ما ينطبع لديه صورة سيئة لدي القاهرة على أنها بلد العشوائيات والازدحام.

المحور الثالث – التحديات السياسية والاجتماعية التي ستواجه العاصمة الإدارية:

بالتأكيد توجد العديد من التحديات والعقبات التي ستواجه العاصمة الإدارية الجديدة ومنها على سبيل المثال:

• الانقطاع التاريخي:

مثلما شكل النمو العمراني الذي أحدثه الخديو اسماعيل انقطاع التاريخ المصري القديم وبداية التاريخ المصري الحديث، ستشكل العاصمة الإدارية الجديدة فرصة للانقطاع التاريخي وبداية تأريخ جديد لمصر، فكما نعلم أن أحياء القاهرة وشوارعها وميدانيها تحمل العديد من الدلائل التاريخية الرمزية، في حين أن أحياء العاصمة الإدارية ستكون مجردة من أية اعتبارات ودلائل تاريخية ستكون مدينة صماء لحين كتابة تاريخ لها.

• التفاوت الطبقي:

تعد مسألة التفاوت الطبقي من أهم التحديات التي قد تواجه العاصمة الإدارية الجديدة، فالعمران إن لم يصاحبه مراعاة للأبعاد الاجتماعية سيؤدي إلى الفوضى السلبية التي قد تبتلع منجزات العاصمة الإدارية، فينبغي أن تراعي العاصمة الإدارية كافة الأبعاد والطوائف الاجتماعية من خلال تمثيلها في العاصمة الإدارية، فعدم التعامل مع الطوائف والطبقات المجتمعية كشريك فعال في إنجاح التجربة سيؤدي إلى تداعي العاصمة الإدارية.[13]

• العزلة السياسية:

ستخلو العاصمة الإدارية من ساحات الاضطرابات والمظاهرات السياسية التي يتم فيها التنفيس على مطالب المواطنين ما يعد في حد ذاته خطرا على النظام السياسي حيث من الممكن أن يلجأ المواطنون إلى اتخاذ أساليب أخري من أجل التنفيس السياسي.

المحور الرابع – المدلولات السياسية للعاصمة الإدارية الجديدة:

يتناول المحور الرابع العديد من المدلولات التي تحملها العاصمة الإدارية، فبعض تلك المدلولات سياسيا والبعض الأخر اجتماعيا ومنها:

• إفراغ الثقل السياسي للقاهرة:

تمتلك القاهرة ثقل سياسي رسمي وشعبوى وبافتتاح العاصمة الإدارية الجديدة ستفتقد القاهرة ثقلها السياسي سواء كان على المستوى الرسمي والشعبوي، فرسميا سيتم نقل مؤسسات الدولة الهامة كمجلس النواب والوزارات الهامة إلى العاصمة الإدارية، أما شعبويا فأيضا ستفقد القاهرة ثقلها السياسي الشعبوى حيث ستتحول الساحات السياسية الشهيرة كميدان التحرير إلى ميدان ثانوي منخفض أهميته نظرا لهجرة المؤسسات الرسمية والسفارات من منطقة وسط البلد إلى العاصمة الإدارية.

• الابتعاد عن النيل:

العاصمة السياسية منذ مصر الفرعونية والإسلامية والحديثة فكانت تتمحول حول نهر النيل مستمدة منه وجودها وسيطرتها على باقي الأقاليم، باستثناء تجربة الأسكندرية التي تم اتخاذها كعاصمة في مراحل زمنية معنية نظرا لإطلالها على البحر المتوسط وتواصلها مع الحضارات اليونانية والرومانية.

لأول مرة منذ عهد الرومان تهجر العاصمة المصرية نهر النيل ما يحمل في طياته العديد من الدلالات لعل أهميتها تبني النظام السياسي استراتيجية للخروج من الوادي الضيق والانفتاح على المساحات المصرية الشاسعة.

• مزيد من الاستقرار السياسي:

سينجح النظام السياسي في الفترة المقبلة في تجاوز عقبة عدم الاستقرار السياسي نتيجة الاستغلال السياسي للساحات والميادين مثلما حدث في ميداني التحرير ورابعة العدوية، فمن المؤكد أن ساحات العاصمة الإدارية الجديدة ستكون بعيدة المنال أمام المتظاهرين والحركات السياسية المناوئة، كما أن الأهمية السياسية لميدان التحرير ستنخفض بعد هجرة مؤسسات الدولة للعاصمة الجديدة.

• نقطة إيجابية:

يعد انجاز هذا المشروع الضخم في وقت قياسي انجازا كبيرا للنظام السياسي القائم برئاسة “عبد الفتاح السيسي” ما سيعزز شعبتيه وقدره النظام على تجاوز العديد من التحديات والأزمات الاقتصادية بالاعتماد على قوة الدفعة المعنوية التي قد تحققها العاصمة الإدارية الجديدة.

• زحزحة مركزية الدولة المصرية:

تتوسط العاصمة الإدارية تقربيا المسافة بين محافظتي القاهرة والسويس ما يعني زحزحة مركزية الدولة المصرية نحو مدن القناة السويس التي باتت أقرب ظهير شعبي للعاصمة الإدارية.

وختاماً تعد العاصمة الإدارية الجديدة نقلة عمرانية هامة في التاريخ المصري الحديث كما سترسم أحيائها المستقبل المصري ولضمان أن تحقق تلك المدينة الأهداف المرجوة منها يجب مراعاة الأبعاد الاجتماعية والسياسية التي تم الإشارة إليها، فالعمران إن لم يستجب إلى المتطلبات الإجتماعية والسياسية للشعب سيؤدي ذلك إلى فوضي سلبية، كما يجب أن تبقي العاصمة الإدارية الجديدة متحفا مفتوحا يضم العديد من الآثار الفرعونية والقبطية والاسلامية المصرية حتى لا ينقطع التواصل التاريخي والحضاري للعاصمة المصرية، وأخيرا قد يكون ابتعاد العاصمة لأول مرة منذ عهد الرومان والبيزنطيين عن النيل فرصة جيدة للحكومة المصرية لتحرير نهر النيل من التعديات التي لحقت به خلال العقود الماضية.

 

 

المصدر
[1] ـ أحمد محمد عبد العال، الفكر الجغرافي عند جمال حمدان (القاهرة : مكتبة جزيرة الورد) ص 3.[2] ـ هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة[3] ـ هذه عواصم مصر منذ عهد الفراعنة، العربية نت،[4] ـ المرجع السابق.[5] ـ مدينة الفسطاط، شبكة المعرفة،[6] ـ مدينة العسكر، شبكة المعرفة،[7] ـ مدينة القطائع، شبكة المعرفة[8] ـ القاهرة، شبكة المعرفة، [9] ـ علاء الحاذق، قلعة صلاح الدين.. عبقرية المكان، موقع أخبار مصر،[10] ـ شريم رشدي، التقلبات السياسية بين حضرية العمران وفوضويته، جريدة مركز طارق والي للعمران والتراث،[11] ـ المرجع السابق.[12] ـ فتحي محمد مصيلحي، المدينة العربية وتحديات التمدين في المجتمعات متحولة: القاهرة الكبرى مثالا، مجلة عمران (الدوحة: معهد الدوحة، المجلد 5، العدد 20) ص ص 63 ـ 64[13] ـ علي عبد الرؤوف، الفوضى العمرانية الخالقة في فضاءات مدينة القاهرة بعد ثورة يناير 2011 جسور النيل وميدان التحرير، ، مجلة عمران (الدوحة: معهد الدوحة، المجلد 5، العدد 18) ص ص 43ـ 46.
إغلاق