مقالات

خطأ الخلط بين السياسة والحقوق

الوسوم

نشطت في مصر خلال العقدين الأخيرين الروابط والمنظمات الحقوقية، وتعمل أغلبها بهدف تعزيز الأوضاع الحقوقية وممارسة نوع من الرقابة على الانتهاكات والتجاوزات خاصة الصادرة من جانب السلطة الحاكمة، ما يجعل هذه المنظمات دائما في خانة معارضة السلطة السياسية، وتنظر الأخيرة إلى هذه المنظمات دائما بأعين الريبة والتربص، وتعتبرها في بعض الأوقات خادمة لأهداف بعض الأطراف الخارجية، ما يجعلها تلجأ إلى حصار عمل مثل هذه المنظمات، والاستعاضة عن نشاطها بمنظمات بديلة تواءم أجندة السلطة السياسية.

وللحق فإن نشاط المنظمات الحقوقية في مصر ليس بعيدا بأي حال عن العمل السياسي، ولعبت هذه المنظمات قبل الثورة دورا هاما في مد الحياة السياسية ببعض الكوادر الشابة، وكذلك التشبيك مع الأطراف الخارجية للضغط على نظام الحزب الوطني، ومحاولة إثارة بعض الملفات الحساسة مثل أوضاع الأقباط، وتحظى هذه المنظمات بشيء من الحصانة الدولية ما قوض من محاولة السيطرة عليها بالطريقة البوليسية التقليدية في مصر.

وتعاظم نشاط هذه المنظمات عقب ثورة يناير، وأصبحت تعتبر من أبرز الفاعلين السياسيين في الداخل المصري، ومع وصول السيسي إلى رئاسة الدولة أخذ نشاط هذه المنظمات في الخفوت تدريجيا، لا سيما بعد تعديل الإطار التشريعي، وإصدار قانون الجمعيات الأهلية الجديد، والأخير فرض العديد من القيود على عمل هذه المنظمات، ما أدى الى تراجع كثافة أنشطتها بشكل ملحوظ، ولجوء البعض منها للإغلاق أو لنقل العمل الى خارج البلاد.

ولا نزعم هنا أن النشاط الحقوقي لهذه المنظمات يجب أن يتسم بطابع غير سياسي، فهذه المنظمات في التحليل الأخير تعمل في الفضاء السياسي للدولة، وهي في وضعية اشتباك مع الواقع السياسي المحيط بها، وشاهدنا كيف أدت المتغيرات السياسية بعد 30 يونيو إلى تجميد عملها، فلا يمكن أن ينجح العمل الحقوقي دون أن يضع في اعتباراته البيئة السياسية المحيطة، خاصة في دولة مثل مصر، تتسم بالمركزية الشديدة ولم تشهد وجود قديم لنشاط مماثل، واعتادت على إدارة كافة الملفات الداخلية بشكل منفرد، ولا تقبل الدولة المصرية بممارسة أي رقابة خارجية عليها، أو توجيه انتقادات لأحد الملفات، وهذه أحد سمات السلطة في مصر منذ تأسيس الدولة الحديثة تقريبا.

لكن القول بحتمية اهتمام الحقوقيين بالأوضاع السياسية لا يعني أن المحدد الحقوقي يعتبر ذو أولوية في الممارسة السياسية، ولا نعني أن السياسي يجب ألا يلتفت للأوضاع الحقوقية فهذا خاطئ، لكن عندما يمارس السياسي العمل الحقوقي ويظن إنه هكذا تُمارس السياسة فهو يضر بالأوضاع الحقوقية والسياسية في نفس الوقت.

والمُدهش في مصر، أن بدلا من لجوء الحقوقيين الى السياسيين بغية فتح مساحة للعمل الحقوقي، عادة ما يحدث العكس، ونجد السياسيين يلجئوا إلى الحقوقيين بغية فتح مساحة للعمل السياسي! وهذا وضع مُربك لمختلف الأطراف، ووجدنا كيف أن بعض الأحزاب المحسوبة على التيار الليبرالي كرست نفسها للتصدي لبعض القضايا الحقوقية، واستخدمت مفردات العمل الحقوقي في خطابها السياسي، ووجدناها تتبنى برنامجا سياسيا يقضي بممارسة حرية الرأي والعقيدة وما إلى ذلك من حقوق الإنسان، ويكمن الخطأ هنا في إعطاء الشعارات الحقوقية الأولوية القصوى في الخطاب السياسي، إذن ماذا هنا يميز الحزب كمفهوم سياسي عن المنظمة الحقوقية؟

اتسعت هذه الظاهرة في مصر بشكل ملحوظ، ووجدنا أن السياسيين يذهبون إلى الأرضية الحقوقية ويظنون أنهم هكذا يقوموا بممارسة العمل السياسي، وتحول الفاعل الحقوقي إلى فاعل سياسي، ووجدنا الحقوقيين يتصدرون مشهد القيادة السياسية للأحزاب وللحملات الانتخابية، ويصوغون برامجهم الانتخابية والسياسية من منطلقات حقوقية بحتة، وهو منطق مغلوط بطبيعة الأمور.

وحالات كـأحزاب ” العيش والحرية” و”الدستور” تعد مثالا واضحا على خطأ الخلط بين العمل الحقوقي والسياسي، وأول من يدفع ثمن هذه الأخطاء هي الكيانات السياسية نفسها، وهي الكيانات التي تعتمد على استقطاب شرائح واسعة من الجمهور واستمالتها للفوز في الاستحقاقات الانتخابية المختلفة، بينما لا يهدف الحقوقيون إلى تعضيد شعبيتهم، فهم خارج المنافسة السياسية أو هكذا يُفترض، وهذا العامل بالتحديد ما يمنحهم المصداقية والأهلية لرقابة الأوضاع الحقوقية، طالما ظلت هذه الرقابة بعيدة عن الحسابات الانتخابية والمصالح السياسية.

ونرى أن الاثنين (السياسي والحقوقي) يدفعان ثمن هذا الخلط بشكل واضح، فعندما ينتقل الحقوقيون إلى العمل السياسي يجدوا أنفسهم في محل انفصام وازدواجية، وعلى سبيل المثال رأينا كيف لجأ حزب العيش والحرية إلى التحقيق في قضية حقوقية الطابع وهو ليس في محل وصاية على أحد أطرافها، والمدهش ان هذا التحقيق جاء اقتراحا من المرشح الرئاسي خالد علي، والذي يبدو انه وقع في نفس الالتباس بين السياسي والحقوقي نظرا لخبرته الحقوقية وحداثته السياسية، فليس من مهام الحزب السياسي التصدي للقضايا الحقوقية، ما أدى في نهاية المطاف الى تعميق الطابع السياسي للمسألة، فإذا كان هناك من يتربص بهذه التجربة السياسية الجديدة ويلجأ إلى إيذائها معنويا من خلال إثارة قضية تحرش، فإن إدارة الحزب للمسألة عمّقت من الطابع السياسي للأمر، وساهمت في تسييس قضية حقوقية الطابع، ما أضر بالموقف السياسي للحزب وحتى بالموقف الحقوقي لأعضاء الحزب من الحقوقيين.

وعلى أي حال فإن هذه الأمور هي أعراض غياب الخبرات السياسية والديمقراطية في المعارضة المصرية، كنتاج للمناخ السياسي العام منذ عشرات السنوات، بينما نجد أن الديمقراطيات القديمة لا تقع في هذا الخلط، ولم نشاهد في الولايات المتحدة على سبيل المثال لجوء النساء التي تتهم ترامب بالتحرش إلى الحزب الديمقراطي، وإن كان الأخير سيحاول استغلال هذه القضية في معارضته لترامب، وفي نفس الوقت لم يلجأ الحزب الجمهوري إلى فتح تحقيق داخلي في نفس القضية، فهي مسألة شخصية تخضع لجهات تحقيق مختصة ولا يملك الحزب سلطان عليها.

وعموما لا تتطور التجارب السياسية والديمقراطية للأمم من تلقاء ذاتها، فدائما هناك من يرتكبون بعض الأخطاء ويدفعون ثمنها، في مقابل من يتعلمون من أخطائهم ويتجنبوها في ممارستهم، وحان الوقت في مصر أن يتم فض الاشتباك بين السياسي والحقوقي، وإيجاد مساحة فاصلة واضحة بين العمل السياسي والحقوقي، وسيحدث هذا في المستقبل بلا شك.

أثر النقود الإلكترونية على السياسة المالية والنقدية

“واشنطن وبكين”..مزيد من التوتر في عهد “ترامب”

“ترامب ونتنياهو”..مأزق جديد في مسيرة القضية الفلسطينة

25 عاما تفصل بين برنامجين للإصلاح..أين يقف الاقتصاد المصري؟

إغلاق