مقالات

مخاوف شعب ورئيس على أعتاب الفترة الثانية

الوسوم

تابعت باهتمام الفيلم الدعائي الذي أذاعته القنوات المصرية ضمن فعاليات الحملة الانتخابية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وجاء الفيلم مختلفا عن الحوارات المثيلة للسيسي بعد قرار خوضه للعمل السياسي منذ ترشحه في عام 2014، وراعى الفيلم أن يُظهر الوجه الإنساني البسيط للرئيس المصري، وتحدث للمرة الأولى ربما عن بعض تأملاته الشخصية في الحياة، وكذلك تأثير نشأته كابنا للطبقة الوسطى على تكوين وعيه وفكره، وخلفيته الدينية والاجتماعية المحافظة كأغلب المصريين، وكذلك احساسه الوطني إبان حرب 1967 وقراره الالتحاق بالقوات المسلحة.

وقع الاختيار على المخرجة “ساندرا نشأت” وهي وجه مفضل على ما يبدو لدى الدولة المصرية، فقد سبق لها وإن أخرجت فيلما دعائيا أيضا يحث المواطنين على المشاركة في الاستفتاء على تعديلات الدستور في عام 2014، ويبدو أن هذا الفيلم قد لاقى إعجاب المسئولين، فلجأوا إليها لتنفيذ الحوار الرئيسي للسيسي قبيل تولية الفترة الثانية، وربما يكون هذا هو الحوار التليفزيوني الوحيد قبيل الانتخابات الرئاسية.

ومن الناحية الفنية- التي لن نستغرق فيها كثيرا- لم أفهم إصرار ساندرا على وضع الرئيس في واجهة الكادر بمفرده في أغلب الأوقات، عوضا عن ظهورهما ثنائيا كعادة اللقاءات الحوارية الشبيهة، وربما قصدت بذلك تحويل الحوار إلى خطاب مباشر من الرئيس إلى المتفرجين، فضلا عن وجود أزمة في المونتاج بشكل كبير، وربما يكون تفسير ذلك هو الإسراع في تسجيل الفيلم، وعلى أي حال لا تهمنا هنا هذه الأمور مثل الرسائل السياسية التي تضمنها اللقاء.

بدت أيضا ساندرا مترددة بشكل غير مفهوم للرئيس قبل عرضها لبعض اللقاءات التي سجلتها للمواطنين، ما واجهه الرئيس بحزم واندهاش من هذا التردد، وللحق فقد راعت المخرجة تنويع العينة التي استطلعت رأيها بين المواطنين، بين الشباب وكبار السن، وأصحاب الأوضاع الاقتصادية المتباينة، وكذلك سكان القاهرة والأقاليم.

كانت اللقاءات ذات مصداقية عالية إلى حد كبير، وظهر واضحا تخوف بعض المواطنين من طرح الأسئلة على الرئيس المصري، وكان في هذا رسالة سلبية واضحة لم يتغافل عنها الرئيس، واهتم بوضعها في مقدمة إجابته عن أسئلة المصريين، وأبدى الرئيس المصري انزعاجه من حالة التخوف لدى المواطنين، ونفى أن تكون هناك توجيهات بالتعامل الأمني مع أصحاب الرأي.

بينما احتلت الأزمة الاقتصادية مقدمة شكاوى المواطنين، ما واجهه الرئيس المصري بالحديث عن الزيادة السكانية وعن عمل الدولة على تقليل تداعيات هذه الإصلاحات، خاصة مع اقتناع الرئيس المصري بحتمية هذه الإصلاحات لإنقاذ مصر من مصير اقتصادي مشئوم، كذلك تحدث عن خطته في رفع كفاءة النظام التعليمي والصحي في مصر خلال مدته الثانية.

ومن المُلاحظ أن أغلب منتقدي السياسات الحالية كانوا من الشباب والفئات متوسطة ومحدودة الدخل، بينما تركز مؤيدي الرئيس في الفئة الكبيرة عمريا ومرتفعة الدخل، وكان الرئيس المصري على دراية بهذه المشاكل فكانت رسالته للمصريين هي “الصبر”.

ومن ناحية المجال العام وهو من أشد الملفات التي يواجه السيسي بسببها انتقادات من جانب المعارضة، أعلن السيسي إنه كان يتمنى أن تكون الانتخابات الرئاسية أكثر تنافسية، كما تحدث عن نيته التغلب على هذا الوضع في الانتخابات الرئاسية المُقبلة، خاصة وإننا في مرحلة الانتهاء من “تثبيت الدولة” وكان هذا على قمة أهداف الرئيس المصري وقت ترشحه للرئاسة للمرة الأولى.

حاول الرئيس أيضا خلال اللقاء التأكيد على إيمانه بالانفتاح والتعددية السياسية، وكذلك قيم الثورة المصرية في يناير 2011 وفي يونيو 2013، وكان هذا هو جوهر حديث الرئيس، فهل نرى انعكاسا لمثل هذا الإيمان خلال الفترة الرئاسية الثانية؟ أم ستستمر الفجوة بين إيمان الرئيس وقناعاته وما يشعر به المواطنين من واقع فعلي؟

فلقد أصبح الرئيس بعد هذا اللقاء على دراية بما يشعر به المواطنين من خوف غير صحي على حالة الدولة المصرية وأهدافها، ما يستوجب التحرك السياسي من أجل إنهاء هذه المخاوف، ونعتقد ونتمنى أن يتحرك الرئيس المصري في هذا الاتجاه خلال الفترة الثانية، فتأمين مخاوف المصريين هو أقل ما يمكن رده لهم بعد تحملهم الأعباء الاقتصادية الحالية، وعدم لجوئهم إلى رفض السياسات الحالية بشكل واضح ولو حتى في شكل تزايد معدلات الجريمة.

وأول هذه الخطوات ولا شك هو إعادة تقييم طريقة التعامل الأمني مع من ينتقد الأوضاع الحالية طالما ذلك لا يشمل فعلا يضر بالدولة أو بمواد الدستور المصري، وعدم استخدام مكافحة الإرهاب كذريعة لمحاصرة المصريين، وكذلك البت في كيفية تعظيم المشاركة السياسية للمواطنين، وأيضا معالجة الأوضاع الحزبية المتردية، وللرئيس سابقة في فض نزاع داخلي داخل حزب الوفد، وكذلك ضرورة إيجاد طريقة للبت في قيود عمل الحركات الشبابية الإصلاحية، وتوظيف هذه الطاقات الشبابية في تحقيق التنمية السياسية.

كما هناك محطة هامة خلال الفترة الرئاسية الثانية ستدل على مدى صحة الحياة السياسية، وهي انتخابات مجلس النواب في عام 2020، ولاقت الانتخابات البرلمانية الأخيرة انتقادات كثيرة عن إلية إدارتها من الناحية السياسية، ونتمنى أن نشاهد انتخابات برلمانية أكثر تنافسية عن سابقتها، بما يعزز من سلطات الدولة المصرية وقدرتها على أداء الوظائف المرجوة منها، وربما تحدث انتخابات المحليات خلال الفترة الثانية للرئيس، وهي كلها استحقاقات تستوجب إعادة تنظيم الحياة السياسية في مصر، بما يرفع من جودة النظام السياسي.

وإذا أقدم الرئيس على معالجة هذه الأوضاع فلن ينسى المصريون له ذلك، وسيكافئه الله أيضا على العبور بالمصريين من أزمة سياسية مستحكمة في البلاد منذ عدة عقود، ورضاء الله هو مبتغى وغاية الرئيس المصري كما ذكر في حواره مع ساندرا نشأت.

الاقتصاد المصري .. سيناريوهات ما بعد القرض

فرص مهدرة: القطاع غير الرسمي خارج سيطرة الدولة

القوة الناعمة في مصر من أين إلى أين؟

الدور الإقليمي لمصر.. بين التطلعات وحدود التأثير

إغلاق