مقالات

الفرص والعوائق الأمريكية للبرنامج النووي السعودي (تقدير موقف)

الوسوم

 

مقدمة

شرعت السلطات السعودية منذ مطلع العام الجاري في تدشين الأطر التنظيمية والإدارية لبرنامجها النووي المزمع البدء في إنشاؤه مطلع 2020، الذي رصدت له الرياض ميزانية أولية تقدر بأكثر من 80 مليار دولار أمريكي لبناء 16 مفاعل نووي على مدار 20 سنة، بغية الوصول لتخفيض الاعتماد على الوقود الأحفوري لتوليد الكهرباء، وبحسب وزارة الطاقة السعودية فإن البرنامج النووي بحلول 2040 سيغطي 10% من احتياجات المملكة من الكهرباء.

ويجادل متخصصون في كل من السياسات السعودية والشأن النووي حول اعتيادية امتلاك تكنولوجيا نووية سلمية في الشرق الأوسط لما يعج به من صراعات سياسية مزمنة قد تجعل تحويل إنتاج الطاقة السلمية إلى إمكانية عسكرية، فيما يذهب البعض إلى اتخاذ السعودية كنموذج لهذه المخاطر، حيث أن خطاب المملكة على اختلاف ملوكها في العقدين الماضيين لا يفرق بين برنامج نووي سلمي لإنتاج الطاقة وبين امتلاك سلاح نووي ودائماً ما يتم ربطه بصراع سياسي إقليمي وبالتالي عسكرته، إلا أن هذا الخطاب تجاه امتلاك برنامج سلمي لإنتاج الطاقة النووية كبديل عن عصر النفط الرخيص، وكشكل وضرورة لتنمية مستقبلية في المملكة، دائماً ما ربطته السلطة في السعودية خلال الثلاث أعوام الماضية بصراعها مع إيران، وأخر هذا الربط كانت تصريحات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قبل أسبوعين في مقابلة معه على قناة “سي بي إس” الأمريكية.

وأتت هذه المقابلة على هامش زيارة بن سلمان للولايات المتحدة التي بدأت في العشرين من الشهر الجاري، التي على رأس أجندتها إبرام اتفاق بناء محطات نووية في المملكة من قِبل تحالف شركات أمريكية ينتظر من إدارة ترامب تخفيف الشروط الأمريكية المفروضة على هذه الشركات لنقل وتدشين ومراقبة التكنولوجيا النووية خارج الولايات المتحدة؛ حيث من المزمع بناء 16 مفاعل نووي في السعودية على مدار العقدين المقبلين، ويأتي هذا المسعى السابق بالتوازي مع عزم إدارة ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، وفق حزمة عقوبات أمريكية جديدة تشدد من مراقبة وامتلاك التكنولوجيا النووية، بعيداً عن ما تحدده الاتفاقيات الدولية ومعايير السلامة التي تشرف عليها وعلى الالتزام بها الأمم المتحدة وهيئاتها المعنية.

في السطور التالية تقدير موقف عن هذا الطموح النووي السعودي من حيث فرص وعوائق تنفيذه، وخلفياته السياسية الداخلية والخارجية التي ستؤثر في مسارات تحققه وتوجيهه على مدار العشرين عاماً القادمة.

خلفيات بعيدة وقريبة

تصريح بن سلمان السابق لا يخرج عن سلسلة تصريحات لمسؤولين سعوديين في السنوات العشر الأخيرة، وتحديداً من بداية التفاوض بين إيران والقوى الدولية عام 2009، حيث بدأت الرياض إزاء الانفتاح الدولي والأمريكي تجاه خيار التفاوض مع طهران إلى ورقة النووي الباكستاني في مناوراتها السياسية مع إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما منذ دخوله البيت الأبيض، الذي بدأ في 2009 برسالة شفهية من الملك عبدالله بن عبد العزيز إلى أوباما عن طريق الدبلوماسي الأمريكي المخضرم دينيس روس، مفادها أن المملكة ستسعى لامتلاك سلاح نووي، وتلا ذلك سلسلة من التلميحات للإدارة الأمريكية بالأساس بفكرة امتلاك الرياض لسلاح نووي بموازاة جولات المفاوضات الناجحة بين الأولى والدول الغربية من جهة وطهران من جهة أخرى، بداية من تسريب معلومات خلال تلك الفترة تعطي ملامح لدور السعودية في رعاية البرنامج النووي الباكستاني منذ بدايته أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وإذا ما كان دعم السعودية المالي يقف عند ضمانها لمظلة نووية من دولة صديقة مماثلة للمظلة الأمريكية لدول أوربا إبان الحرب الباردة أم أن هناك استحقاقات تتجاوز ذلك ضمنها كما أعلن مسؤولين في حلف الناتو في 2011 أن هناك رؤوس نووية سعودية صنعت في المنشآت الباكستانية وجاهزة لكي تستلمها الرياض.

وقبل ذلك سربت معلومات ووثائق رسمية سعودية حول استراتيجية الدولة السعودية تجاه مسألة السلاح النووي، أبرزها ما نشرته صحيفة “الجارديان” البريطانية في مارس 2003 حول استراتيجية السعودية تجاه مسألة السلاح النووي، جوهر هذه الاستراتيجية خطوات تصاعدية مرتبطة بالتغيرات والتهديدات التي يمثلها البرنامج النووي الإيراني، وتبدأ هذه الاستراتيجية من التأكيد والعمل على خلو المنطقة من السلاح النووي كأحد الدول الموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، يلي ذلك طلب مظلة نووية من دولة صديقة، وأخيراً اقتناء سلاح نووي، وقتها علق مسؤولون سعوديون بالقول إنهم ملتزمون بمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.

من ناحية أخرى فباكستان كدولة نووية تمتلك ما يقرب 130 رأس نووي صُنعت لتوازن ردع مع جارتها الهند، ترتبط مع السعودية بروابط وثيقة الصلة وتمتلك الأخيرة نفوذ قوي على الطبقة السياسية في إسلام آباد، ويذكر محللون أن هذه العلاقات القوية أدت إلى كسر حظر زيارة المنشآت النووية الباكستانية، فزارها وزير الدفاع السعودي السابق، سلطان بن عبد العزيز مرتين عام 1999 وعام 2003، وهو الأمر المحظور حتى على رؤساء وزراء باكستان أنفسهم، ما يشي بصحة المعلومات الخاصة بدور السعودية في البرنامج النووي الباكستاني، لكن الحديث عن استلام أو شراء السعودية لسلاح نووي من باكستان هو أمر أخر، فحتى مع وجود طبقة سياسية تدين بالعرفان وبشبه ولاء كامل للسعودية في إسلام آباد على رأسها نواز شريف، فإن هناك مفارقة خاصة بمدى تنفيذ ذلك، أبرزها العدوان على اليمن، تكمن في رفض البرلمان الباكستاني الاشتراك في تحالف “عاصفة الحزم” والتزام الحياد، فحتى مع وجود التزامات ومعاهدات دفاعية من جانب باكستان تجاه السعودية فأن ذلك لم يجبر إسلام آباد على خوض مغامرة اليمن، فماذا عن نقل سلاح نووي سواء كاستحقاق نظير تمويل الرياض للبرنامج النووي أو بيع؟ ستكون هذه المرة الأولى التي تبيع فيها دولة نووية لدولة غير نووية قنبلة نووية.

في هذا السياق يوضح الباحث ومدير برنامج الخليج في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، سايمون هندرسون، في مقال له في مارس من العام الماضي أنه منذ عام 2003 على الأقل، حافظت المملكة العربية السعودية دوماً على تبني استراتيجية نووية عسكرية مبطنة، فقد أشارت بعض التقارير إلى أن المملكة تدرس إما الحصول على سلاح نووي رادع خاص بها أو تشكيل تحالف مع قوة نووية حالية من الممكن أن توفر الحماية لها، أو التوصل إلى اتفاق إقليمي لجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية، وتجدر الإشارة هنا إلى أن مناقشة هذه الخيارات تزامنت مع القلق المتزايد من خطط إيران النووية، الأمر الذي يتناقض مع موقف إسرائيل– التي يقال عنها إنها طورت أسلحة نووية في أواخر ستينيات القرن الماضي.

لعل الاستراتيجية التي حظيت بالقدر الأكبر من النقاش العام بالنسبة للسعوديين هي الحصول على أسلحة نووية من باكستان، سواء تلك المشتراة أم بموجب بعض ترتيبات الرقابة المشتركة مع القوات الباكستانية، وفي وقت سابق من هذا العام، أشارت التقارير إلى أن المملكة كانت في عام 2007، حدّثت ترسانتها السابقة من الصواريخ الصينية من طراز CSS- 2 التي تعمل بالوقود السائل، واستبدلتها بصواريخ CSS- 5 أكثر تقدماً، تعمل بالوقود الصلب، وتم تصميم كلا النوعين لحمل رؤوس نووية، ولكن بسبب إصرار الولايات المتحدة كما أفادت التقارير، تم تكييف الصواريخ الأحدث طرازاً لكي تحمل رؤوس حربية غير نووية.

فيما تذهب صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية في تقرير لها قبل مايو 2015 إلى أن السعودية وعدت بمجاراة إيران في قدراتها النووية، وذلك بموازاة لقاء أوباما بالأميرين محمد بن نايف ومحمد بن سلمان، وعلقت الجريدة، أن السعودية موقفها ضبابي وغير مفهوم ما تعنيه بمجاراة إيران في القدرة النووية، فمن ناحية لا تستطيع الذهاب إلى خيار امتلاك سلاح نووي مباشرة وما سيصاحبه من أضرار أقلها اندلاع سباق تسلح نووي في المنطقة وإيجاد مبرر لإيران لامتلاك سلاح نووي في ظل تأزم واحتقان طائفي حسب قول الصحيفة التي رجحت أن تبدأ السعودية في أولى خطوات برنامج نووي سعودي.

وفي نفس العام رجحت الرياض بجانب مسألة الحصول على سلاح نووي من باكستان، إنشاء وتطوير برنامج نووي لن يكون خارج دائرة النفوذ الأمريكية ولحاجة السعودية سواء للقدرة الأمريكية في هذا المجال أو الغطاء السياسي والدولي من جانب واشنطن، لكن ذلك كله حال وجود إرادة سياسية سعودية حقيقية لن يصل إلى قدرة البرنامج النووي الإيراني إلا بعد سنوات ليست بالقليلة، ومع الأخذ في الاعتبار الظرف الخاص بالمفاوضات النووية الإيرانية وقرب توقيع الاتفاق وقتها، فإن صانعي القرار في السعودية طرحوا الورقة النووية في إطار عدم كفاية الضمانات الأمريكية كرسالة موجهة لواشنطن سواء فيما تبقى من شهور لإدارة أوباما أو الإدارة القادمة مفادها أن المملكة سيكون لها تصرف أحادي لتسوية وتحقيق أهدافها الإقليمية سواء وافقت عليها واشنطن أو رفضت، وأن سقف ذلك لن يستثنى منه الخيار النووي.

ضمن حدود المسموح أمريكياً

حسب وسائل إعلام سعودية وأمريكية، احتل تدشين برنامج نووي سعودي أولوية في أجندة بن سلمان في زيارته الجارية إلى واشنطن، إلا أنه حتى كتابة هذه السطور وبعد أسبوع على لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالأمير السعودي، فإن هذه الأولوية السعودية لم تطرح بشكل جدي إلا في أوساط الدوائر المعنية بالتكنولوجيا والأمن النووي في الولايات المتحدة، أما على المستوى السياسي فلم يشمل لقاء ترامب بـ”بن سلمان” أي إجراء بخصوص هذا الشأن، فيما كان الحديث على المستوى الإعلامي مليء بالمخاوف والهواجس حول انتشار التكنولوجيا النووية في منطقة الشرق الأوسط وإمكانية تطويعها لإنتاج سلاح نووي، خاصة عقب تصريحات بن سلمان في لقاءه مع شبكة “سي بي إس” الأمريكية عن حتمية امتلاك بلاده للقنبلة النووية حال وصول طهران لقدرة إنتاجها.

وكانت شركات أمريكية وروسية وكورية جنوبية وفرنسية وصينية قدمت عروضا تنافسية لإنشاء المفاعلات النووية السعودية، ولكن كان من شبه المؤكد لاعتبارات سياسية وتقنية أن يفوز بهذه المناقصة اتحاد شركات أمريكي بقيادة شركة “وستنجهاوس”، التي سُرب لوسائل إعلام أن لقاء ولي العهد برئيسها ضمن زيارته الحالية قد تم “تأجيله”، وذلك عقب التصريحات المثيرة للجدل التي أطلقها بن سلمان لوسائل إعلام أمريكية، التي تأتي بالتوازي مع مشروع قانون للكونجرس الأميركي يقيد حرية الشركات الأمريكية العاملة في القطاع النووي من نقل وتشغيل تكنولوجيا نووية، وهو بحسب مراقبين ينفي قدرة الرياض على إدماج برنامجها النووي والموافقة السياسية الأمريكية عليه ضمن مجمل الصفقات والاتفاقات التي تباهى بها ترامب أمام مؤيديه على أرضية “الحصول على جزء من ثروة السعودية الغنية”.

وعلى الرغم من الخيارات المتاحة أمام الرياض، إلا أنها تفضل أن يكون برنامجها النووي ضمن المظلة الأمريكية خاصة في ظل مناخ من إعادة تأسيس العلاقات الاستراتيجية بين البلدين الجارية منذ العام الماضي، لعدة فوائد خلافاً للشق التقني؛ فأولاً يصبح البرنامج النووي السعودي الأول من نوعه الذي تدعمه واشنطن- البرنامج النووي الإسرائيلي دشن بتكنولوجيا فرنسية- بشكل سياسي في الشرق الأوسط، وكضمانة لاستمرارية البرنامج على المدى البعيد من حيث الإدارة والتشغيل وليس فقط البناء، بالإضافة إلى دعم مستقبلي من واشنطن إذا ما أرادت المملكة الانسحاب من اتفاقية حظر انتشار السلاح النووي.

لكن على الجهة المقابلة، فإنهُ منذ إدارة الرئيس جون كينيدي – بداية الستينيات- ووفق ما يسميه الأمريكيون بـ”العقيدة النووية”، فإن واشنطن تنأى بنفسها عن نقل التكنولوجيا النووية لأي دولة حتى وإن كانت دولة حليفة طالما كانت هذه الدولة مشتبكة في صراع إقليمي قد يؤدي إلى سباق تسلح نووي، وتحت هذه العقيدة شُرع عدد من القوانين الحاكمة لهذه المسألة وكيفية عمل الشركات الأمريكية تحت مراقبة وتقييد هذه القوانين، التي على سبيل المثال تحرم نقل تكنولوجيا التخصيب والمعالجة للخارج. وهذا الأمر بالنسبة للرياض يشكل عائقاً كبيراً أمام إرادتها سابقة الذكر من الزاوية السياسية التي رغبت في أن يتم تجاوزها من خلال زيارة بن سلمان الأخيرة وصفقاتها، خاصة أن الرياض تريد امتلاك تكنولوجيا تخصيب وليس فقط إنشاء محطات نووية لتوليد الطاقة الكهربائية دون أن تنتج الوقود النووي اللازم لتشغيلها، الأمر الذي يناقض القوانين الأمريكية التي تحصر نقل التكنولوجيا النووية في إنشاء المحطات النووية وبيع الوقود النووي المخصب في الولايات المتحدة وليس بيع تكنولوجيا إنتاج الوقود النووي المُخصب.

وبعيداً عن كيفية إدارة هذا الملف الحساس بين واشنطن والرياض في ظل مناخ توافقي ناتج عن مئات المليارات السعودية التي ستضخ على مدار السنوات القادمة في الاقتصاد الأمريكي، فإنهُ من زاوية قانونية أمريكية لا يجب على الشركات الأمريكية العاملة في القطاع النووي أن تنقل تكنولوجيا معالجة وتخصيب (يورانيوم- بلوتونيوم) خارج الولايات المتحدة، أي أن المفاعلات التي تبنيها شركات أمريكية ليست لإنتاج الوقود النووي ولكن فقط لاستهلاكه، أي باختصار يتم تشغيل هذه المفاعلات بوقود نووي تم تخصيبه في الولايات المتحدة وفق القوانين الأمريكية التي تعد أكثر صرامة في مسألة تداول التكنولوجيا النووية من معاهدات ومواثيق الأمم المتحدة.

وخلافاً للسابق، فإن تعويل الرياض على إدارة ترامب في تذليل العقبات القانونية والسياسية الأمريكية في مسألة نقل التكنولوجيا النووية عادت بالسلب على المملكة؛ ففي غمرة التحدي والاستجابة بين البيت الأبيض والكونجرس الأمريكي حول الشأن النووي خاصة فيما يتعلق بمراجعة قوانين العقوبات النووية والاتفاق النووي مع إيران، ودفع الإدارة الأمريكية نحو إعادة النقاش حول الاتفاق النووي مع إيران تمهيداً لانسحاب واشنطن منه، فعاجل مشرعو الكونجرس ترامب وضيفه السعودي الأسبوع الماضي بمشروع قانون من شأنه تعطيل الصفقة النووية بين السعودية والولايات المتحدة، ومن ثم تعطيل الطموح النووي السعودي، خاصة بعد تصريحات بن سلمان الأخيرة حول حتمية امتلاك بلاده لقنبلة نووية، حيث تقدم نائبان أميركيان بمشروع يهدف إلى ضمان عدم انتشار الأسلحة النووية، وفيما بدا مشروع السعودية لإبرام صفقة نووية مع واشنطن متعثراً، لإصرار الأمريكيين على شرط يحرم الرياض من تخصيب اليورانيوم، رد وزير الطاقة السعودي خالد الفالح، أمس، بأن بلاده لديها “مصادر بديلة كثيرة أخرى” وافقت على العمل مع المملكة إذا لم توافق أمريكا.

تصريح وزير الطاقة السعودي لا يدل فقط على تعثر الاتفاق بين بلاده وواشنطن في هذا الشأن، ولكن يدل أيضاُ على مدى ما تملكه الرياض من أوراق ضغط ومناورة لتحقيق ما تريده من طموح نووي بتوافق وغطاء أمريكي، فعلى سبيل المثال لا الحصر إذا ما ذهبت المملكة إلى حل مشابه لما فعلته مصر، واتفاقها مع روسيا لإنشاء محطة الضبعة النووية، فإن الغرض السياسي للطموح النووي السعودي سينتفي بسبب تعقيد في غير محله وغير مطلوب مع الجانب الأمريكي في وقت تسعى فيه الرياض بكل غالي ونفيس لاستغلال واقع تواجد الإدارة الأمريكية الراهنة لإصلاح العلاقات الثنائية بين البلدين، وهو إدخال روسيا في ملف حساس مثل هذا يجعل فكرة التنافس في غير محلها، والأمر نفسه بالنسبة للصين، أما كوريا الجنوبية وفرنسا فإن الأمر سيفي إلى برنامج نووي “شرفي” مثل البرنامج النووي الإماراتي الذي تتخذه واشنطن كنموذج مثالي لأي دولة من حلفائها يسعوا لامتلاك تكنولوجيا نووية.

محصلة عامة واستشراف

الفارق الجوهري بين البرنامج النووي الإيراني وثماره الاقتصادية والسياسية وبين الطموح النووي السعودي لمعادلة هذا التفوق الإيراني على مدى الحاضر والمستقبل، يكمن في أن العقيدة النووية الأمريكية تجعل من المملكة مستهلك وليس منتج للطاقة النووية، وبالتالي حاجة المملكة في المستقبل لشراء المزيد من الوقود النووي في حين أن خصمها ينتجه منذ سنوات وله شرعية، وبالتالي يتحقق ما تخشاه الرياض منذ المفاوضات النووية، وهو أن الاتفاق النووي بخلاف “شرعنة” برنامج إيران النووي على مستوى دولي، يجعلها قوة خارج المنافسة على مستوى الإقليم لما لها من قدرات اقتصادية تراكمية في مختلف المجالات راكمتها تحت الحصار، في حين أن الرياض قد بدأت للتو في التحول الاقتصادي من النمط الريعي القائم على بيع النفط.

ويتحقق السابق إذا ما اضطرت السعودية لتنفيذ طموحها النووي وفق الروشتة الأمريكية، فإن البديهي أن هذا البرنامج النووي السعودي لن يحقق طموح بن سلمان في مكافئة وموازنة ناهيك عن منافسة البرنامج النووي الإيراني، فطهران تمتلك وتشغل مفاعلاتها النووية بتكنولوجيا محلية بوقود محلي وقدرة على المعالجة والتخصيب، بالإضافة لعامل أهم هو الشرعية الدولية التي كفلها الاتفاق النووي الإيراني، أما البرنامج النووي السعودي فإنه سيضحى مجرد محطات إنتاج كهرباء مشغلة بتكنولوجيا وإدارة وتشغيل وبناء ووقود أمريكي، أي حرمان الرياض من حق امتلاك المعرفي والتراكمي لتكنولوجيا الطاقة النووية بعكس إيران، التي إذا ما قورنت بها السعودية في هذا الشأن سنجد أن المملكة بحلول 2040 لم تصل إلى مستوى الدولة النووية لكنها مجرد مستهلك للوقود النووي الأمريكي لتوليد ما يكفي فقط 10% من احتياجاتها!

هذا الأمر على الرغم من ضآلته من حيث تقييد الإمكانيات والقدرة، يجعل مستقبل الطاقة في المملكة بيد واشنطن، في تناقض درامي تاريخي عن تبدل الأدوار المعتاد بين البلدين منذ ثلاثينيات القرن الماضي، حيث شكلت الرياض المصدر الأهم والأكثر استقرار لسوق الطاقة الأمريكي بل والعالمي. بخلاف أن مسألة الـ10% التي تبذل من أجلها المملكة كل هذه المجهودات في سبيل إقناع الولايات المتحدة بنقل التكنولوجيا النووية للسعودية بإشراف واستفادة أمريكية، يراها بعض الأمريكيين أبعد ما يكون عن الكثير المعلن من قبل الرياض حيال هذا الملف، الذي ينحصر في دواعي تنموية اقتصادية تتماشى مع رؤى بن سلمان التنموية المستقبلية أو لملاحقة تفوق إيران سواء في التكنولوجيا النووية وثمارها الاقتصادية خاصة بعد الاتفاق النووي ورفع العقوبات، وأن هناك جانب عسكري في طموح السعودية النووية كشف عنه بن سلمان في تصريحاته الإعلامية المشار إليها أعلاه، ويمكن أن يكون هذا الجانب العسكري هو جوهر الطموح النووي السعودي، ليس فقط لخلفياته الباكستانية، لكن أيضاً لأن نسبة 10% من استهلاك المملكة من الكهرباء يمكن تغطيتها بشبكة ربط كهربائي مع حلفائها مثل مصر، بتكلفة اقتصادية وسياسية ومعامل مخاطر أقل بكثير من بناء وتشغيل 16 مفاعل نووي.

إغلاق