أوراق بحثيةتقارير

القرار الأردني بإيقاف العمل باتفاقية التجارة الحرة مع تركيا.. الدوافع والتداعيات

الوسوم

في ضوء ساسية الحكومة القائمة على الانفتاح الاقتصادي وتحرير التجارة، وقعت الأردن اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا خلال العام 2009، لتدخل حيز التنفيذ في مارس 2011، بهدف تحقيق الاستفادة المتبادلة للجانبين من خلال ارتفاع حجم التبادل التجاري بين البلدين وجذب استثمارات جديدة، ولكن لم تعد الاتفاقية بنتائج إيجابية على المملكة الأردنية، حيث تفاقم عجز الميزان التجاري بقوة لصالح تركيا منذ نفاذ الاتفاقية، التي جاءت في صالح الجانب التركي نتيجة للفارق الكبير بين القدرات التنافسية والتصديرية للصناعات الأردنية والصناعات التركية، ما أدى إلى ارتفاع الصادرات التركية الى الأردن ومضاعفاتها ثلاث مرات خلال العشرة أعوام الأخيرة لتصل إلى 682 مليون دولار خلال العام 2017 الماضي مقارنة بنحو 305 مليون دولار خلال العام 2006، بالمقابل لم تتجاوز الصادرات الأردنية إلى تركيا في العام ذاته 93 مليون دولار أي ما يشكل نحو سُبع الصادرات التركية فقط، التي تركزت في منتجات الأسمدة والكيماويات، فيما ارتفعت واردات الأردن من السلع التركية خاصةً السلع الحساسة ذات الرسوم الجمركية المرتفعة، التي كانت على حساب حصة الصناعات الأردنية في السوق المحلية ما ألحق أضراراً وآثاراً سلبية مباشرة بها.

وانطلاقاً من حماية الصناعات الوطنية، أصدر مجلس الوزراء الأردني قراراً بوقف العمل باتفاقية الشراكة لإقامة منطقة تجارة حرة بين الأردن وتركيا، ما أثار انقسامات في البلدين بين مؤيد ومعارض للقرار، وحول مستقبل العلاقة بين البلدين.

أولاً- تاريخ العلاقات «الأردنية التركية»:

تتميز العلاقات الأردنية التركية طيلة السبعين عاماً الماضية بقوتها ومتانتها، حيث يعود تاريخها إلى ثلاثينيات القرن الماضي، بعد قيام الملك المؤسس عبد الله الأول- بأول زيارة رسمية من زعيم عربي- إلى الجمهورية التركية عام 1937، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وتأسيس الجمهورية التركية، لتبدأ العلاقات الثنائية بين البلدين.

وتعزيزاً لمستوى العلاقات بين البلدين، افتتحت أول سفارة لتركيا في عمان بعد التوقيع على اتفاقية الصداقة بين عمان وأنقرة عام 1947، وشهدت العلاقات التركية الأردنية تطوراً لافتاً في عهد حزب العدالة والتنمية، تخللها زيارات متبادلة بين المسؤولين في البلدين، ففي ديسمبر عام 2009، زار الرئيس التركي السابق عبد الله غول الأردن، وأجرى عاهل الأردن زيارة إلى تركيا في مارس 2013.

وهناك أكثر من 40 اتفاقية ومذكرة تفاهم موقعة بين البلدين في عدة مجالات، تستهدف تعزيز التعاون الثنائي، ولعبت اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، دوراً استراتيجياً في تعزيز تلك العلاقات، واتفق الجانبان مؤخراً على إنشاء منطقة حرة في العقبة كي تتمكن تركيا من نقل بضائعها وشحنها.

ويتطلع الجانب التركي إلى الشراكة مع الأردن؛ لتحقيق الاستقرار في المنطقة وكذلك فتح خطوط التجارة التي تمر عبر الأراضي والموانئ الأردنية باتجاه دول الخليج العربي، كما يتطلع الأردن كذلك إلى فتح خطوط التجارة بين الأردن وبين دول البلقان ودول الاتحاد الأوروبي عبر الموانئ والأراضي التركية .

كما تسعى عمان وأنقرة إلى تفعيل خط النقل البحري “رورو” بين مدينتي العقبة الأردنية وإسكندرون التركية، ما جرى الاتفاق عليه بين البلدين في مارس 2016- والرورو هي اختصار لعبارة  ” roll-on” “roll-off”، وهو أسلوب يُستخدم في نقل البضائع بين البلدان، والرورو عبارة عن خط ملاحي يتم من خلاله تصدير المنتجات من بلد إلى آخر على شاحنات تنقلها عبّارات، تُسمى سفن الدحرجة، وهي سفن مصممة لحمل السيارات، والقاطرات، والشاحنات التي تحمل بضائع، بين ميناءين، ثم تتابع طريقها برًا.

وبلغ حجم الاستثمارات التركية في المملكة نحو 2,2 مليار دولار وتتوزع على مختلف القطاعات، أبرزها المقاولات والمياه، وقطاعات الخدمات وتكنولوجيا المعلومات والصناعات الغذائية والبنية التحتية، ويتطلع الأردن أن تكون العلاقة الأردنية الاقتصادية مع تركيا علاقة شراكة وليست علاقة تنافسية بسبب عدم استقرار المنطقة.

وبشأن التعاون التجاري بين البلدين، فتعد تركيا من أبرز أربعة شركاء تجاريين للأردن، حيث بلغت الصادرات الأردنية إلى تركيا خلال عام 2017 نحو 93 مليون دولار، مقابل نحو 78 مليون دولار خلال عام 2016، في حين بلغت الواردات الأردنية من تركيا نحو 682,1 مليون دولار، مقابل نحو 664 مليون دولار خلال عام 2016.

وتضاعف حجم التبادل التجاري عدة مرات، بعد إلغاء التأشيرات بين البلدين، ليصل نحو مليار دولار خلال عام 2015، بعد أن كان لا يتجاوز 150 مليونًا عام 2010، أي قبل نفاذ الاتفاقية، لتتصاعد الواردات من تركيا لنحو 250 مليون دولار، بينما ظلت الصادرات الأردنية عند مستوياتها التي لم تتعد 100 مليون دولار.

واستمر ارتفاع حجم التبادل التجاري بين البلدين، حيث ارتفعت الصادرات التركية للأردن بنسبة 13.3 % لعام 2016، مدفوعة بارتفاع صادرات الملابس بأكثر من الضعف لتصل نحو 73 مليون دولار، مقارنة بنحو 32 مليون دولار عام 2014، كما ارتفعت الصادرات التركية للأردن من الشعيرات الصناعية بنسبة قاربت 85%، ومن الأجهزة الكهربائية المنزلية بما يقارب 37% ومن البلاستيك ومنتجاته بنسبة قاربت 18% بين عامي 2014 و2016.

وفي المقابل شهدت الصادرات الأردنية إلى تركيا تراجعاً كبيراً وصلت نسبته إلى النصف، حيث بلغت نحو 86 مليون دولار العام 2016 مقارنة مع 170 مليون دولار عام 2014، تركز معظمها بصادرات الأسمدة التي تدخل السوق التركية معفاة وبقيمة بلغت 62 مليون دولار، الأمر الذي يرجع لعدم تطبيق الجانب التركي بنود الاتفاقية، ووضع العراقيل أمام المنتجات الأردنية، وتجدر الإشارة إلى أن نحو 60% من السلع التركية المستوردة إلى الأردن يتم إعفائها من الجمارك، فيما تخضع النسبة المتبقية من الواردات إلى نسب جمركية محدودة تتراوح بين 5% و20%، وعلى الرغم من التطور الكبير الذي طرأ على تجارة البلدين، إلا أن هناك إمكانيات كبيرة لدى الطرفين لزيادة حجم التجارة بينهما إلى نحو 5 مليار دولار خلال السنوات القليلة المقبلة.

وفي السياق ذاته، فقد تم تسيير رحلات طيران مباشرة بين إسطنبول- عمان، وأنقرة – عمان، حيث أسهمت تلك الرحلات الدورية المباشرة في تعزيز التواصل وبناء علاقات قوية بين رجال الأعمال الأردنيين والأتراك، بالإضافة إلى التواصل الثقافي بين الشعبين والبدء برحلات “رورو” البحرية بين مينائي العقبة والإسكندرون، حيث سيحيي خط الرورو أنشطة المصدرين إلى المنطقة بعد أن تأثرت سلباً مع اندلاع الأزمة في سوريا، التي كانت البوابة الرئيسية للمصدرين الأتراك نحو الشرق الأوسط. كما يسهم الرورو في فتح آفاق تعاون جديدة بين البلدين، وسيزيد من الصادرات التركية إلى المنطقة، وسينعكس ايجاباً على سوق العمل والمنتجين والمصدرين الأتراك، عند الأخذ بعين الاعتبار استمرار الأزمة السورية لفترة طويلة.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك العديد من الفرص والامكانات المتاحة في كلا البلدين لتطوير التعاون الاقتصادي خاصة في مجالات التجارة والاستثمار، حيث تتمكن المنتجات الأردنية من الوصول لأكثر من مليار مستهلك في العالم بحكم اتفاقيات التجارة الحرة التي وقعها الأردن.

وهنالك فرصاً لإيجاد شراكات بين القطاع الخاص الأردني والتركي لإعادة إعمار العديد من دول المنطقة، وزيادة التعاون في المجالات الثقافية والتعليمية حيث يتميز الاقتصاد الأردني بتنافسيته، حيث يعتمد على تنوع عائداته، ويتمتع بعوامل استقرار اقتصادية واستثمارية وسياسية، وتلعب هذه العوامل دوراً كبيراً في تحفيز وتشجيع أصحاب الأعمال والمستثمرين والقطاع الخاص في تركيا على الاستثمار في الأردن من خلال العديد من القطاعات والأنشطة التي يمكن أن تمثل إضافة نوعية لاستثماراتهم خاصةً القطاع الصحي والسياحي والطاقة البديلة والصناعة الدوائية والاتصالات والتعليم.

ثانياً- قراءة في اتفاقية التجارة الحرة بين الأردن وتركيا:

وقعت كل من الأردن وتركيا اتفاقية التجارة الحرة، خلال عام 2009 ودخلت حيز التنفيذ في مارس 2011، وبموجب الاتفاقية، يتم منح المنتجات الزراعية والصناعية معاملة تفضيلية وتعفي جميع السلع التي تم الاتفاق عليها من الرسوم الجمركية والرسوم ذات الأثر المماثل.

ووفق الاتفاقية؛ تخفض الرسوم الجمركية والرسوم ذات الأثر المماثل المطبقة في الأردن على الواردات ذات المنشأ التركي من الملحق بواقع بين 55 % و65%.

ومنذ دخول الاتفاقية حيز النفاذ في 1/3/2011، بدأ إعفاء قوائم من السلع التركية المستوردة إلى الأردن والمدرجة في ثلاث قوائم إما كلياً أو بالتدريج، فهناك قائمة B1 التي تضم 192 سلعة تم اعفاؤها بشكل كامل من الرسوم الجمركية خلال 4 سنوات من دخول الاتفاقية حيز النفاذ، بحيث بدأ التخفيض في عام 2011 وانتهي عام 2014، وتم التخفيض بنسبة مئوية ثابتة تبلغ 25% سنوياً، ومن بينها الإسمنت، العطور، الأقمشة المنسوجة.

وهناك قائمة B2  تضم 1320 سلعة ومرت بفترة انتقالية مدتها عامين قبل البدء بإعفائها من الرسوم الجمركية بشكل تدريجي خلال 6 سنوات من دخول الاتفاقية حيز النفاذ، بحيث بدأ التخفيض عام 2012 وانتهي في عام 2017.

وأعفيت بشكل كامل من الرسوم الجمركية في 1/1/2017 ويذكر منها: ملح الطعام، زيوت ومواد التشحيم، ملابس، مبيدات حشرية، رخام وترافرتين، حديد تسليح، مقطورات.

وفيما يتعلق بالقائمة  B3، تضم 254 بنداً جمركياً، تم منحها فترة انتقالية مدتها 3 سنوات قبل البدء بإعفائها من الرسوم الجمركية بشكل تدريجي خلال 6 سنوات من دخول الاتفاقية حيز النفاذ، بحيث بدأ التخفيض عام 2013 وينتهي عام 2018.، وتم إعفائها بشكل كامل في 1/1/ 2018، يذكر منها على سبيل المثال الأجهزة المنزلية الكهربائية، أسلاك وكابلات، ملابس ومصنرات، أبواب وأطرها، حلي من ذهب وفضة.

وتشمل الاتفاقية إطار تطوير العلاقات التجارية الثنائية بين الأردن وتركيا من خلال تأسيس منطقة التجارة الحرة التي تقع في نطاقها الرسوم الجمركية والحصص الكمية (الكوتا)،  والمواصفات والصحة النباتية وتدابير الحماية ومكافحة الإغراق وقواعد المنشأ والمنافسة العادلة ومنع الاحتكار وتدابير الدعم والإجراءات التعويضية وحماية الملكية الفكرية والمشتريات الحكومية والتعاون الاقتصادي والتقني وفض النزاعات.

ووفقاً للاتفاقية، التي تغطي التجارة في السلع الزراعية والصناعية، تدخل السلع الصناعية الأردنية المنشأ السوق التركي معفاة من الرسوم الجمركية فور دخول الاتفاقية حيز النفاذ، ويستثنى من ذلك السلع الواردة في القائمة الحساسة (الملحق الثاني) List A of Annex II. وتشمل الاتفاقية عدداً محدوداً من السلع الزراعية بما فيها السلع الزراعية المصنعة، بحيث يخضع عدداً محدوداً جداً من الصناعات الغذائية لنظام حصص كمية (كوتا) وتخفيض جزئي على التعريفة الجمركية.

وقد تم توقيع تلك الاتفاقية بهدف زيادة التعاون الثنائي بين البلدين من خلال زيادة حجم التبادل التجاري، وحجم الاستثمارات المتبادلة بينهما، ولكن وعلى عكس التوقعات- جاءت تلك الاتفاقية في صالح الجانب التركي فقط، ولم تسهم في تحقيق الأهداف المرجوة منها، ما أدى إلى ارتفاع الأصوات المطالبة بضرورة إعادة النظر ببنود اتفاقية التجارة الحرة الموقعة مع تركيا، وضرورة تفعيل البنود غير المفعلة منها خاصةً ما يتعلق بنقل الخبرات الصناعية والتكنولوجية التركية، وعكس التجربة التركية بتعزيز الصادرات وزيادة تنافسية المنتجات الذي يحتل مكانة مهمة وله أثر مباشر وكبير في رفع مستوى التعاون الأردني التركي، فضلاً عن ضرورة بحث تفعيل المواد 30 إلى 39 من الاتفاقية والتي تشير إلى تقديم الدعم الفني لتطوير القطاع الصناعي الأردني والمشاريع الصغيرة والمتوسطة على وجه الخصوص من خلال بحث امكانية دعم تركيا لبرامج تطوير الصناعة المحلية من خلال الاستفادة من الخبرات التركية في مجال تدريب وتأهيل الكوادر العاملة في القطاع الصناعي، خاصةً في ظل افتتاح مكتب لمؤسسة «تيكا» في الأردن.

ثالثاً- قرار إلغاء اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا.. بين التأييد والمعارضة:

قرر مجلس الوزراء الأردني وقف العمل باتفاقية الشراكة لإقامة منطقة تجارة حرة بين الأردن وتركيا، حيث كان من المتوقع أن تسهم الاتفاقية في تحقيق الاستفادة المتبادلة للجانبين من خلال ارتفاع حجم التجارة في الاتجاهين وولادة استثمارات جديدة، خاصةً وأن الأردن يوفر بيئة استثمارية منافسة وجاذبة، وسبق وأن تم إطلاع الجانب التركي على مجالات وفرص الاستثمار وأبدى رجال الأعمال الأتراك اهتماماً بتلك الفرص وكانت لديهم توجهات استثمارية، خاصة في منطقتي العقبة والمفرق.

وقد أثار قرار الحكومة الأردنية بوقف العمل باتفاقية التجارة الحرة مع تركيا انقسامات بين آراء الاقتصاديين بين مؤيد ومعارض: فتستند وجهة النظر المؤيدة للقرار نظراً لأنه:

يصب في صالح المنتجات الأردنية التي تواجه صعوبات في المنافسة والنفاذ إلى الأسواق الخارجية، حيث أن الاتفاقية لم تعد بنتائج إيجابية على المملكة حيث تفاقم عجز الميزان التجاري بقوة لصالح تركيا منذ نفاذ الاتفاقية ولم يطرأ ارتفاع على صادرات الأردن إلى السوق التركي، فطبقاً لحجم التبادل التجاري بين البلدين كما سبق عرضها نجد أن الاتفاقية جاءت في صالح الجانب التركي نتيجة للفارق الكبير بين القدرات التنافسية والتصديرية للصناعات الأردنية والصناعات التركية، حيث ارتفعت الصادرات التركية الى الأردن بشكل كبير وتضاعفت ثلاث مرات خلال العشرة أعوام الأخيرة لتصل إلى 682 مليون دولار خلال العام 2017 الماضي مقارنة بنحو 305 مليون دولار خلال العام 2006، بالمقابل لم تتجاوز الصادرات الأردنية إلى تركيا في العام ذاته 93 مليون دولار أي ما يشكل نحو سُبع الصادرات التركية فقط، التي تركزت في منتجات الأسمدة والكيماويات، فيما ارتفعت واردات الأردن من السلع التركية خاصةً في السلع الحساسة ذات الرسوم الجمركية المرتفعة، التي كانت على حساب حصة الصناعات الأردنية في السوق المحلية ما ألحق أضراراً وآثاراً سلبية مباشرة بها، وبهذا يكون العجز التجاري بين البلدين في تزايد مستمر من خلال ارتفاع الصادرات التركية للمملكة مقابل بقاء الصادرات الأردنية على حالها.

• الرسوم الجمركية غير التفضيلية التي تفرضها تركيا علي الصناعات الأردنية منخفضة ولا تتجاوز في أقصى حد 6.5 % ضمن نظام الأفضليات المعمم GSP وبشكل مشابه لدول الاتحاد الأوروبي، وهو متاح للأردن منذ عدة سنوات قبل توقيع اتفاقية التجارة الحرة الأردنية التركية، ومن ثم لم تستفد الصناعات الأردنية بتلك التخفيضات الناجمة عن الاتفاقية.

بلغت نسبة الفاقد في الناتج المحلي الإجمالي الناجم عن تدفق استيراد السلع التركية للأردن، نحو 1% بالمتوسط خلال الخمسة أعوام الماضية (2012-2017)، ما أدى إلى فقدان الاقتصاد الأردني لأكثر من 14 ألف فرصة عمل خلال 6 سنوات كان من الممكن أن يولدها الاقتصاد الأردني أو من فقدوا وظائفهم بشكل حقيقي نتيجة للاتفاقية، وكذلك نقص في تعويضات العاملين التي كان يمنحها القطاع الصناعي بواقع 25 مليون دينار سنوياً.

 لم تتوقع غرفة الأردن حدوث أي أثر سلبي مباشر على المواطن نتيجة تعليق العمل بالاتفاقية، إذ أن معظم واردات الأردن من السوق التركي تتركز بالملابس والأجهزة الكهربائية المنزلية والسجاد وجميعها لديها بديل أردني ولا تستهلك سوى 7.5% من سلة المستهلك الأردني.

تم توقيع الاتفاقية على أساس استثناء قائمة تتضمن عدداً قليلاً من السلع، والإبقاء على قوائم أخرى كان لها الأثر السلبي الكبير على الصناعة الوطنية مثل القائمة (ب3) التي ينتهي التخفيض الجمركي عليها بداية العام 2018 الجاري، والتي تتضمن منتجات صناعية لها بديل من الصناعات المحلية. وقد أسهم تخفيض الرسوم الجمركية على هذه السلع بزيادة الصادرات التركية للأردن على حساب حصة الصناعات الأردنية في السوق المحلي وألحق آثاراً سلبية وأضراراً مباشرة بها. خاصةً وأن الصناعات التركية تتمتع بميزة اقتصاديات الحجم نظراً لكبر حجم السوق التركية وانفتاح الأسواق الأوروبية أمام الصادرات التركية، مما أدى لحدوث تطور كبير في القدرة التنافسية للصناعات التركية من حيث الجودة والمواصفات وشهادات المطابقة والابتكار، بالإضافة إلى انخفاض كبير في تكاليف الإنتاج، مما يعطي المنتجات التركية مزايا نسبية لاختراق الأسواق الدولية.

إيقاف العمل باتفاقية التجارة الحرة مع تركيا، يستهدف تجنب المزيد من الآثار السلبية التي لحقت بالقطاع الصناعي في ضوء المنافسة غير المتكافئة التي يتعرض لها من البضائع التركية التي تحظى بدعم من الحكومة، مما أفقد المنتج الأردني القدرة على المنافسة في السوق المحلي.

واجه القطاع الصناعي خلال الفترة الماضية عدة صعوبات للنفاذ للسوق التركية منها ما يتعلق بفرض أعباء مالية غير جمركية على السلع الأردنية أو عوائق إدارية كالتي واجهها قطاع الأجهزة الكهربائية الأردني باشتراط فتح مراكز صيانة في جميع المحافظات التركية، ما ينجم عنه تكلفة مالية مرتفعة- خلافاً لبنود الاتفاقية التي تشير إلى ضرورة تسهيل التبادل التجاري، فضلاً عن إغلاق المنافذ الحدودية مع الدول المجاورة، وانحسار الأسواق التصديرية التقليدية أمام الصادرات الوطنية، ومن ثم يهدف القرار إلى دعم القطاع الصناعي والزراعي والإنتاجي الأردني، وزيادة قدرته التنافسية في السوق المحلية والأسواق الخارجية.

أدى إغراق السوق المحلية بالبضائع المستوردة خلال الأعوام الماضية إلى انخفاض أعداد المنشآت العاملة بشكل كبير وإغلاق مصانع كبرى لها سمعتها داخلياً وخارجياً مما أدى إلى زيادة معدلات البطالة الأردنية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الصناعة الوطنية تشغل نحو 250 ألف عامل وعاملة يعولون ما يزيد على مليون مواطن، الأمر الذي يحتم حماية الصناعة الوطنية من سياسية الإغراق التي تشهدها الأسواق المحلية.

بينما تستند وجهة النظر المعارضة للقرار لعدة أسباب أهمها أن:

قرار إيقاف العمل بالاتفاقية يضر بالأسواق ويسهم في رفع أسعار الكثير من السلع والمنتجات، ما سيؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم في الأردن، كما أنه يخالف سياسة الحكومة  القائمة على الانفتاح الاقتصادي وتحرير التجارة، ويؤثر سلباً على واقع البيئة الاستثمارية ويضعف القدرة على جذب الاستثمارات التي تأتي كون المملكة بوابة للوصول إلى أكثر من مليار مستهلك بفضل الاتفاقيات التي تربط المملكة مع العديد من دول العالم، خاصةً وأن المستثمر لا يفضل وجود أي قيود على التجارة أو الاستيراد.

القرار سيلحق الضرر بالقطاع التجاري والخدمي، فمن مصلحة القطاع وجود تجارة حرة دون قيود وبالتالي يفضل الاتفاقية التجارية التي تسهل حركة مرور السلع إلى الأردن.

إلغاء مثل هذه الاتفاقية من أجل حماية المنتج المحلي سيكون انعكاسه سلباً لأنه يقلل من الكفاءة الإنتاجية، ولن يضغط على المنتج المحلي لتحسين جودة المنتج، بسبب عدم وجود منافس،  في ظل أن الصناعة الوطنية مثل الملابس والسيراميك والأجهزة الكهربائية لا تغطي احتياجات السوق المحلية، خاصةً وأن الإيرادات المالية التي تجنيها الدولة من وقف الاتفاقية لا تتجاوز 15 مليون دينار سنوياً.

لا يحق لقطاع الصناعة المطالبة بإلغاء كامل الاتفاقية، حيث أن صناعة الملابس المحلية لا تغطي أكثر من 20% من احتياجات المستهلك المحلي، وأن هناك احتياجات للمستهلك المحلي من الملابس لا تغطيها الصناعة الوطنية، ويجب تلبية احتياجات المستهلك المحلي، مع الأخذ بعين الاعتبار الصناعة الوطنية المتوفرة.

يهدم القرار منظمة الشركات التي قامت ببناء استثماراتها في الأردن على أساس هذه الاتفاقية، خاصةً وأن القطاع التجاري يلعب دوراً كبيراً في الاقتصاد الوطني ويسهم بشكل كبير في توظيف العمالة الأردنية، بالإضافة إلى مد خزينة الدولة بالضرائب والرسوم التي يدفعها.

وفيما يتعلق برد الفعل التركي، فلم يسلم القرار الأردني من الانتقادات التركية، وربما تضر الخطوة الأردنية بمساعي تركيا، التي أعلنتها مؤخراً لإنشاء منطقة لوجستية في مدينة العقبة البحرية، جنوب الأردن، بغرض تخزين البضائع وإعادة تصديرها إلى العراق ودول المنطقة الأخرى والاستفادة من عمليات إعادة الإعمار المرتقبة في العراق.

واعتبر بعض الاقتصاديين التركيين أنه قرار سياسي وليس اقتصادياً فحسب، وجاء في ضوء الضغوط التي تمارسها بعض الدول الخليجية على بعض الدول من أجل التضييق على المنتجات التركية. كما ربط فريق من المحللين بين توقيت زيارة وزير الخارجية الإماراتي للأردن، وإلغاء الاتفاقية، حيث أثار التقارب التركي الأردني حفيظة بعض العواصم العربية المجاورة التي وجدت نفسها مضطرة لإعادة النظر في علاقاتها مع عمان بهدف إخراج تركيا من المنطقة وتضييق الخناق عليها، خاصة بعد تصريحات ولي العهد السعودي في القاهرة عن مشاريع سياحية في العقبة، والتي تأتي في إطار التنافس مع الدولة التركية على البحر الأحمر. وجاء الرد الإماراتي على قرار إلغاء منطقة التجارة الحرة مع تركيا سريعًا، حيث تعهد وزير الخارجية الإماراتي بدعم الأردن ومساعدته في المرحلة المقبلة.

وبحسب ما أعلن رئيس سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة ناصر الشريدة، فإن مشروع نيوم، وتحديدًا فيما يخص الأردن سيكون بالكامل على جزء من أراضي العقبة المحاذية للحدود السعودية، ولعل شرط الرياض كان إلغاء عمان اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا مقابل دخولها في المشروع الذي ترى أنه فرصة جيّدة للاستثمار.

رابعاً- مستقبل العلاقات بين البلدين في ضوء إيقاف العمل باتفاقية التجارة الحرة:

يعتبر نائب رئيس الوزراء، الأسبق الدكتور جواد العناني، أن قرار وقف العمل بالاتفاقية يأتي من باب الضغط على الجانب التركي للتفاوض من جديد على الاتفاقية لتحقق العدالة للطرفين في ظل عدم نجاح المحاولات الأردنية السابقة مع الجانب التركي في هذا الخصوص، لذلك يرى العناني أن يتبع وقف العمل بالاتفاقية تحرك سياسي منطقي سريع من جانب الأردن لبحث الموضوع مع الجانب التركي للتأكيد أن القرار جاء لإعادة التفاوض على الاتفاقية والحصول على مرونة بالتعامل من خلالها وليس لأهداف أخرى، خاصةً وأن العلاقات التجارية والاقتصادية بين الأردن وتركيا قديمة وتاريخية وليس هنالك مصلحة للأردن لإنهاء هذه العلاقة.

وهناك سيناريوهان لمستقبل العلاقات الاقتصادية التركية الأردنية بعد إيقاف العمل باتفاقية التجارة الحرة بين البلدين:

يتمثل السيناريو الأول في أن يسهم القرار سلباً على مستقبل العلاقات بين البلدين سواء على المستوى الاقتصادي خاصة بعد التغيرات الواضحة التي أحدثتها هذه الاتفاقية طيلة السبعة أعوام الماضية في الخريطة الاقتصادية الأردنية واعتماد قطاع كبير من الاستثمارات الداخلية على البضائع التركية التي ستتأثر سلبًا بلا شك بعد تنفيذ هذا القرار، أو على المستوى السياسي وتأثر العلاقات بين البلدين بمثل هذه الخطوة.

بينما يتمثل السيناريو الآخر، في استمرار العلاقات بين البلدين وعدم تأثرها بالقرار، نظراً لقوتها ومتانتها فالعلاقات الاقتصادية الأردنية التركية قائمة على المصالح المشتركة بين البلدين، ومن مصلحة عمان التمسك بعلاقاتها مع تركيا التي دعمتها في كثير من المواقف الأخيرة اقتصادياً أو سياسياً، وهي بحاجة إلى شريك استثماري استراتيجي مثل تركيا للاستفادة من خبراتها، فضلاً عن رغبة الجانب التركي في تعزيز انشاء الخط البحري بين الموانئ التركية وميناء العقبة لخدمة تجارة وصادرات البلدين ومساعدة البضائع التركية للدخول إلى أسواق الخليج العربي وأفريقيا، واهتمامها بالمشاركة في تشغيل مشروع الباص السريع في عمان وبين عمان والزرقاء بالاعتماد على الخبرات التركية في هذا المجال، بالإضافة إلى أن إعادة افتتاح خط الطيران بين اسطنبول والعقبة من شأنه خدمة الحركة السياحية بين البلدين وتعزيز قدوم السياح الأتراك إلى العقبة.

ويعتمد ذلك السيناريو على أن تقوم الحكومة الأردنية بإعادة النظر في خطوتها الأخيرة، وأن تكون المصلحة الوطنية – لا غيرها – هي المحدد للقرار، فإن كانت الحكومة الأردنية جادة في مراجعة اتفاقيات التجارة الحرة مع الدول الأجنبية حمايةً لمنتجاتها الوطنية، فالأولى أن تقوم بمراجعة سريعة للاتفاقيات الموقعة مع دول الاتحاد الأوروبي التي ألحقت الضرر الأكبر بالاقتصاد الوطني الذي عانى من ارتفاع في معدلات التضخم جراء بقاء الصادرات الأردنية على حالها لما يقرب من عشرين عامًا مدة سريان تلك الاتفاقيات، فبخلاف العجز التجاري الأردني مع تركيا، يعاني الأردن من قفزات في قيمة إجمالي العجز مع دول العالم، حيث ارتفع بنسبة 26% على أساس سنوي، خلال يناير 2018. لتصل قيمة العجز نحو 1,26 مليار دولار، مقابل مليار دولار في الشهر ذاته من العام 2017 الماضي.

وأخيراً يمكننا القول أنه، يجب أن تكون دراسة الفوائد والآثار السلبية الناجمة عن اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا مبنية على أساس مدى تأثير هذه الاتفاقية على الاقتصاد الوطني ككل، ومدى تأثيره على البطالة والاستثمار والضرر بالقاعدة الإنتاجية وسبل معالجة تلك الأضرار، من خلال زيادة حجم الاستثمارات ودعم الاستثمارات المقبلة بين البلدين، ودعم وتعزيز الصناعة الوطنية والاستفادة من الموارد المتاحة للبلدين لتعزيز الشراكة بين القطاع الخاص في الدولتين، خاصةً وأن الأردن بحاجة إلى علاقات تجارية مع دول العالم بشرط أن تكون متوازنة دون أن تضر بالاقتصاد الوطني.

لذلك يجب: إعادة دراسة الاتفاقية والتفاوض على بنودها من جديد، لتكون مبنية على تكافؤ الفرص بين الطرفين، بمعنى أن تحقق الاتفاقية مصالح مشتركة وليس مصلحة دولة على حساب أخرى. ومن ثم يتحتم ضرورة بحث ومعالجة سبب عدم تفعيل أو الاستفادة الكاملة من تلك الاتفاقية وتوفير البرامج التي تساعد على تعظيم استفادة الأردن منها سواء من بعثات تجارية أو تنظيم برامج توعية للصناعيين حول كيفية الاستفادة من الاتفاقيات المماثلة، أو برامج دعم تهدف إلى تطوير الصناعة الوطنية لمساعدتها على النفاذ إلى الأسواق التركية من خلال شهادات المطابقة والجودة والمواصفات. ويتم ذلك بالتزامن مع تقديم الدعم للصناعة الأردنية المحلية وزيادة قدرتها على المنافسة في الخارج، وتذليل التحديات أمامها لكي تزيد قدرتها على المنافسة.

المصدر
- اتفاقيات التجارة الحرة، وزارة التجارة والصناعة والتموين للمملكة الأردنية الهاشمية،- صنع في الأردن": اتفاقية التجارة مع تركيا كانت جائرة- صناعة «الأردن» و «عمان» تثمنان قرار وقف العمل باتفاقية التجارة الحرة مع تركيا، - الشمالي: إعادة النظر باتفاقية التجارة الحرة مع تركيا إذا لم ترفع الصادرات وتجذب الاستثمارات،- «القطاع الصناعي» و«المصدرين» يرحبان بوقف التجارة الحرة مع تركيا و«التجاري» يرفض، - إلغاء الأردن لاتفاقية التجارة الحرة مع تركيا..السر في التوقيت، - السلع في تركيا تواجه اختباراً بعد إيقاف اتفاقية التجارة الحرة مع الأردن، - إعفاء (254) بندا جمركيا أردنيا تركيا، - الأردن يوقف العمل باتفاقية التجارة الحرة مع تركيا،

استعراضات القوة في شرق المتوسط.. هل يسعى الناتو لاستبدال تركيا بمصر؟

استثمار الأزمة الخليجية: تركيا وإيران بين الاختلاف الأيديولوجي والتوافق البراجماتي

جزيرة سواكن تعزز التقارب الاقتصادي بين السودان وتركيا.. وتعمق الصراع جنوب البحر الأحمر

صراع محتدم : ماذا يحمل القرن الأفريقي لمصر اقتصاديا؟

إغلاق