أوراق بحثيةتحليلات

المرأة المصرية في تقرير أنشطة الأعمال والقانون لعام 2018

الوسوم

أصدر البنك الدولي يوم الخميس التاسع والعشرين من شهر مارس الماضي تقريره الخامس حول المعوقات والقيود القانونية أمام الأنشطة الاقتصادية للنساء في العالم، الذي يأتي بعنوان “المرأة وأنشطة الأعمال والقانون 2018”.

ويصدر هذا التقرير كل عامين ليرصد منذ عشر سنوات الأوضاع في 189 دولة حول العالم، ويتناول التقرير بالبحث سبعة مجالات (مؤشرات) هي الوصول إلى المؤسسات، واستخدام العقارات، والحصول على وظيفة، وتقديم حوافز للعمل، والتقاضي، والجدارة الائتمانية، وحماية النساء من العنف، حيث يتم قياس تلك المؤشرات من خلال مجموعة من الدرجات (من صفر إلى 100) لكل مؤشر، فكلما حصلت الدولة على درجة مرتفعة في مؤشر ما، كلما دل ذلك على تحقيق تلك الدولة أداء جيدًا في إزالة العوائق أمام الأنشطة الاقتصادية للنساء.

وبصورة عامة لم يحصل أي اقتصاد هذا العام على مجموع الدرجات النهائية، حيث ما زالت النساء في بلدان العالم المتقدمة والنامية على السواء تعاني من قيود حول أنشطتها الاقتصادية، وعلى الرغم من ذلك فقد سجلت المملكة المتحدة ونيوزيلندا وإسبانيا أعلى الدرجات في المؤشرات السبعة، وبصورة عامة فقد حصلت الدول ذات الاقتصادات المرتفعة الدخل في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على أعلى متوسط الدرجات في معظم تلك المؤشرات.

ونحاول في هذا المقال إلقاء الضوء على التقدم الذي أحرزته مصر في المؤشرات السبعة الواردة في تقرير هذا العام، خاصة فيما يتعلق بإصلاح القوانين، والسعي نحو المساواة بين المرأة والرجل، وكذلك القيود والمعوقات التي ما زالت تواجه النشاط الاقتصادي للمرأة المصرية التي تمثل ما يقارب 47,3 مليون نسمة من المجتمع، وتبلغ قوة عملها حوالي 23% من إجمالي قوة العمل في المجتمع.

الوصول إلى المؤسسات

وفيما يتعلق بالمؤشر الأول الذي يتعلق بالوصول إلى المؤسسات، فقد حصلت مصر على 64 درجة من مجموع 100 درجة، وهي درجة متوسطة، فمن الصحيح أن المرأة المصرية تتمتع بالمساواة مع الرجل في حق الحصول على وظيفة، وتسجيل الأعمال التجارية وفتح الحسابات المصرفية، وكذلك حرية توقيع العقود، واختيار مكان العيش، وحرية السفر إلى الخارج، إلا أنها تعاني من بعض الحواجز التي تعوق مشاركتها الاقتصادية في المجتمع، مثل اشتراط الحصول على موافقة الزوج عند التقدم للحصول على جواز السفر، وكذلك استخراج بطاقة الهوية الوطنية، ويشير التقرير إلى أن النساء في مصر ملزمات بطاعة الأزواج، وكذلك عدم الخروج من المنزل بدون موافقة الزوج، هذا فضلاً عن وجود قيود حول إدارتها لمنزل الزوجية.

ويحاول الدستور المصري الصادر عام 2014 إلى معالجة بعض المعوقات التي تمنع المرأة من المشاركة الاقتصادية والاجتماعية، حيث توجد مادة لمنع التمييز حسب النوع الاجتماعي، كما ينص الدستور على حصة (كوتة) بنسبة 25% للنساء في المجالس المحلية، هذا فضلاً عن أن قانون الانتخابات ينص على تخصيص 10% من المقاعد البرلمانية للنساء، الأمر الذي يعني أن المشرع المصري يعمل على إنصاف المرأة ودفعها للمناصب القيادية في الدولة، والمشاركة في اتخاذ القرارات الهامة في المجالات المختلفة.

استخدام العقارات

أما عن المؤشر الثاني الخاص باستخدام العقارات، الذي يهدف إلى توثيق البلدان التي لا تملك فيها النساء نفس حقوق الملكية التي يحظى بها الرجال، ما يجعل من الصعب على النساء استخدام العقارات كضمانة للحصول على التمويل، فقد حصلت مصر على 40 درجة في هذا المؤشر، وهي درجة متدنية، فعلى الرغم من أن القانون المصري يعطي المرأة كما للرجل من حقوق في التصرف في ممتلكاتها الخاصة، إلا أن المرأة المصرية ما زالت تعاني من إهدار حقوقها في قضية المواريث في المجتمع.

الحصول على العمل

حصلت مصر على 59 درجة في المؤشر الثالث الخاص بحق الحصول على العمل، وهي درجة متوسطة. حيث يشير التقرير إلى أن القانون المصري ينص على حصول المرأة على ما لا يقل عن ثلثي أجورها خلال الأسابيع الأربعة عشر الأولى أو مدة الإجازة إذا كانت أقصر، وكذلك على عدم التمييز على أساس نوع الجنس في العمل، وكذلك حظر فصل النساء الحوامل من العمل، وحق المرأة في العمل نفس ساعات الليل كالرجال. كما ينص القانون على التساوي في سن التقاعد الإلزامي للرجل والمرأة، وكذلك على المساواة بين الرجل والمرأة في الأعمار التي يمكن التقاعد فيها مع استحقاقات المعاش التقاعدي وكذلك استحقاقات التقاعد الجزئي.

ومع ذلك فما زالت هناك بعض المعوقات أمام عمل المرأة في مصر، حيث لا يفرض القانون المصري إجازة مدفوعة الأجر للنساء لمدة 14 أسبوعًا على الأقل، كما أن القانون لا يفرض المساواة بين الجنسين في الأجر عن العمل متساوي القيمة. وتعاني المرأة المصرية من معوقات في بيئة العمل تتمثل في عدم حصولها على المرونة الكافية المتوفرة للرجل في العمل، وكذلك عدم القدرة على التقدم إلى جميع الأعمال خاصة التي تتمتع بالخطورة أو المرفوضة مجتمعيًا مثل التعدين والمصانع وأعمال البناء، كما أنها لا تستطيع القيام بنفس المهام في العمل مثل الرجال.

ويشير التقرير بصفة عامة إلى أن القيود على الوظائف تزيد من صعوبة حصول المرأة على وظيفة مناسبة، ففي 104 بلدان في أنحاء العالم، يوجد شكل من أشكال القيود على عمل المرأة في أنشطة مثل التعدين والصناعة والبناء والطاقة والزراعة والمياه والنقل. الأمر الذي يعني أن هناك ما يقارب 2.75 مليار امرأة لا تتاح لها الفرص ذاتها التي تتاح للرجال وذلك بسبب نوع الجنس. فعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من الاقتصادات محل الرصد لديها قوانين تقضي بعدم التمييز في أماكن العمل على أساس النوع الاجتماعي، يفرض 76 اقتصاداً فحسب المساواة في الأجر عن العمل المتساوي القيمة، و37 اقتصاداً ليس لديه قوانين تحمي العاملات الحوامل من الفصل.

تقديم حوافز العمل

أما عن المؤشر الرابع، فقد حصلت مصر على 60 درجة في هذا المؤشر والخاص بتقديم حوافز العمل، ويرجع هذا الارتفاع النسبي لهذا المؤشر إلى وجود بعض العوامل التي من شأنها دعم عمل المرأة المصرية، حيث ينص قانون العمل المصري على إجازة أمومة مدفوعة الأجر بالكامل لمدة 90 يومًا، وعدم فصل النساء الحوامل، ومنع تزويج الفتيات دون السن القانوني وهو 18 عاما دون استثناء. كما تحرص الحكومة على تقديم خدمات رعاية الأطفال وتقديم التعليم الابتدائي بشكل مجاني. ومع ذلك فإن المرأة المصرية ما زال تواجه بعض المعوقات فيما يتعلق بحوافز العمل، لعل أهمها هو عدم ضمان الحصول على درجة وظيفية متساوية مع الرجل بعد إجازة الأمومة، وكذلك عدم الحصول على إعفاءات ضريبية فيما يتعلق بحضانة الأطفال.

الوصول إلى المحاكم (التقاضي)

أما عن المؤشر الخامس المتعلق بالوصول إلى المحاكم (التقاضي)، فقد حصلت مصر على 75 درجة، وهي درجة مرتفعة نسبيًا، ويرجع ذلك إلى ما يفرضه الدستور والقانون المصري فيما يتعلق بالتساوي بين المرأة والرجل في الشهادة أمام القضاء، وكذلك ينص القانون المصري على إنشاء لجنة لمكافحة التمييز ضد المرأة، ومع ذلك فإن التقرير يشير إلى ضرورة إجراء بعض الإصلاحات القانونية حول تقديم المساعدات القانونية للمرأة فيما يتعلق بالأمور المدنية والعائلية.

الجدارة الائتمانية

وفي المؤشر السادس والخاص بالجدارة الائتمانية، فقد حصلت مصر على 25 درجة، وهي درجة متدنية، ويرجع ذلك إلى عدم وجود قوانين تنص على حظر الوصول إلى الائتمان في حالة التمييز على أساس الجنس أو على أساس الحالة الزوجية، هذا فضلاً عن عدم تقديم شركات المرافق المعلومات إلى وكالات الائتمان.

ويشير التقرير إلى أن هذا المجال يحتاج إلى العديد من التحسينات والإصلاحات في جميع دول العالم، حيث توجد تشريعات تحظر التمييز على أساس النوع الاجتماعي في الخدمات المالية في 72 اقتصادًا فحسب، وسجل 79 اقتصادًا مجموع النقاط (صفر) على هذا المقياس. وسجلت الاقتصادات المنخفضة الدخل – ومن بينها مصر – أداءًا متدنيًا، بلغ في المتوسط ثماني درجات.

حماية النساء من العنف

ويتعلق المؤشر السابع بحماية النساء من العنف، وقد حصلت مصر على 60 درجة في هذا المؤشر، وهي درجة جيدة إلى حد ما. حيث تتمتع مصر بوجود قوانين تتعلق بالتحرش الجنسي في العمل، وكذلك في التعليم، والأماكن العامة. ومع ذلك فإن التقرير يشير إلى عدم وجود تشريع في مصر يتناول العنف الأسرى على وجه التحديد. كما تعاني المرأة المصرية من المضايقات في ميدان العمل، مع غياب سبل إنصاف مدنية ضد التحرش الجنسي في العمل.

ومن المؤسف أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا توجد بها أقل سبل الحماية من العنف ضد النساء، إذ سجلت أكثر من ثلث الاقتصادات في المنطقة مجموع نقاط صفر على هذا المؤشر، ولا يوجد في 70% من اقتصادات المنطقة تشريع بشأن الحماية من التحرش الجنسي في مكان العمل.

أما عن بقية دول العالم، فمن بين 189 اقتصاد، هناك 123 اقتصادًا لا توجد فيه قوانين لمكافحة التحرش الجنسي في الأوساط التعليمية، وهناك 45 اقتصادًا ليس فيه قوانين بشأن الحماية من العنف المنزلي، كما لا توجد قوانين لمناهضة التحرش الجنسي في مكان العمل في 59 اقتصاد، وفي 18 اقتصاد يمكن للزوج بحكم القانون أن يمنع زوجته من العمل. وبوجه عام، حصلت 21 دولة على مجموع النقاط صفر في مؤشر حماية النساء من العنف، أغلبها في أفريقيا جنوب الصحراء، وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وفي نهاية المقال؛ ينبغي الإشارة إلى ما أكد عليه التقرير من أن إزالة القيود أمام المرأة للمشاركة اجتماعيًا واقتصاديًا، من شأنه زيادة إنتاجية العمالة بما يقارب 25% في بعض البلدان، حيث يعد إتاحة تساوي الفرص أمام النساء هو واجب أخلاقي قبل أن يكون قانونيًا، وبالتالي يجب أن يتم إلغاء كافة القوانين التي تنطوي على تمييز ضد المرأة، بما يعود بالنفع على المجتمع بكامله، فالنساء يمثلن قوة دافعة قوية للنمو الاقتصادي في أي دولة، لاسيما وأنه من المعلوم أن النساء يتحكمن في النصيب الأكبر من الإنفاق الاستهلاكي في العالم.

تعرف على التكلفة الاقنصادية للعنف ضد المرأة

معوقات النجاح.. كيف تنجح مصر في التحول إلى الاقتصاد غير النقدي؟

كيف تعمقت ظاهرة اللامساواة في الدخل والثروة في مصر؟

التكلفة الاقتصادية للعنف والتمييز ضد المرأة

إغلاق