أوراق بحثيةتحليلات

اقتصاديات محرمة.. التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لظاهرة غسل الأموال

الوسوم

تشكل جريمة غسل الأموال وتمويل الإرهاب خطراً كبيراً على الاقتصاد القومي وتهدد الاستقرار المالي للدول لما لها من آثار سلبية على الجانبين الاقتصادي والاجتماعي، كما أنها تعتبر من ضمن الجرائم العابرة للحدود لسهولة تصديرها من دولة لأخرى.

وظهر مصطلح غسل الأموال في الولايات المتحدة الأمريكية في السبعينات، وكان لها ارتباط وثيق بتجارة المخدرات، و”تجار التجزئة” يقومون بجمع الأموال ذات الفئات الصغيرة وتحويلها لفئات كبيرة ثم إيداعها في المصارف وهذه صورة مبسطة من صور غسل الأموال، ويحاول المجرمين الاستفادة من الأموال غير المشروعة وإضفاء الصبغة القانونية عن طريق إخفاء أو محاولة تغيير مصدرها. وبدأت الدول في مواجهة هذه الجريمة وأنشأت مجموعة العمل المالي في أواخر الثمانينات وأصدرت التوصيات الأربعين لمكافحة جريمة غسل الأموال والتوصيات التسع لمكافحة تمويل الإرهاب، هذا بجانب إصدار هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن اتفاقية ذات صلة بموضوع غسل الأموال.

وسنتناول من خلال السطور التالية شيء من التفصيل عن جريمة غسل الأموال وما لها من آثار سلبية على الأمن القومي ومحاولة الدول على تحجيم تفاقمها.

مراحل غسل الاموال:

هناك 3 مراحل لعملية غسل الأموال، تتمثل في إدخال الأموال في الدورة الاقتصادية وتحويلها من نقود ذات فئات صغيرة إلى ودائع في حسابات مصرفية ودخولها في مرحلة التنظيف وهذه هي المرحلة الأولى، أما المرحلة الثانية فتتمثل في إخفاء مصدر الأموال بإجراء العديد من العمليات على حساباتهم على سبيل المثال شراء أصل بها أو شراء أسهم وسندات أو في الصرافة وإعطائها إطار شرعي بشكل قانوني، أما عن المرحلة الثالثة تتمثل في دمج الأموال المغسولة على الأموال الشرعية ووضعها في قطاعات الاقتصاد الشرعية وليكن التجارة .

ويمكن التعرف على تصنيفات لجرائم غسل الاموال فقد تتم من خلال تجارة السلع والخدمات غير المشروعة كالمخدرات أو الاتجار بالبشر أو الأموال الصادرة عن الرشوة أو السرقة أو الاختلاس والنصب والاحتيال أو الأموال الواردة عن صفقات الأسلحة أو الأموال الواردة من القروض بدون ضمانات وتحويلها خارج البلاد أو الأموال الناتجة عن التداول غير المشروع  في الأوراق المالية في البورصات العالمية وتحويلها خارج البلاد غيرها من طرق وأساليب غسل الأموال.

عمليات غسل الأموال والتعاون الدولي المشترك:

نظراً لطبيعة جريمة غسل الأموال باعتبارها جريمة عابرة للحدود تصب في إطار جرائم أخرى مع اتساع عملياتها عبر النظم المالية والاقتصادية المختلفة، وهذا ما يجبر دول العالم على التكاتف لتحجيمها خاصة دول المنطقة، فتأثرت دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالحراك الدولي في العقد الأخير لزيادة مكافحة جرائم غسل الأموال وتجارة المخدات أو تمويل الإرهاب وما يرتبط بها من سلسلة من الجرائم المدمرة اقتصاديا واجتماعياً وسياساً ولابد من اتخاذ مجموعة من التدابير وإصدار التشريعات اللازمة لرصد المعاملات المشبوهة؛ ولهذا:

بدأ التعاون الدولي والإقليمي بالعمل على مكافحة غسل الأموال باتخاذ مجموعة من الإجراءات من عام 2003، وإنشاء كيان يسير بخطوات ثابتة نحو مكافحة هذه الجرائم لما لها من انعكاسات سلبية خطيرة، وتم إنشاء مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا ومن أهم اهدافها:

العمل على تحديد الجرائم المتعلقة بجريمة غسل الأموال ورصدها وتحديد إذا ما كانت ذات طبيعة إقليمية والسير نحو معالجتها والحد من انتشارها.

وضع أطر دستورية وتشريعية بما يتناسب مع طبيعة الجريمة ووفقاً للقيم الثقافية الخاصة بالدولة.

الالتزام بالمعايير الدولية التي تضعها المؤسسات الدولية لمكافحة هذه النوعية من الجرائم والسعي نحو توحيدها.

تنفيذ المعاهدات والاتفاقيات التي تتم ولها صلة بموضوع مكافحة غسل الأموال.

وقُدر الحجم الكلي لعمليات غسل الأموال بين 2% لـ 5% من الناتج المحلي الإجمالي لجميع بلدان العالم، وتعتبر تجارة المخدرات من أكثر الأنشطة غير المشروعة المرتبطة ارتباطا وثيقا بظاهرة غسل الأموال، تليها تجارة الأسلحة مباشرة ثم التعامل في الأسواق المالية بأشكالها المختلفة؛ حيث بلغت حجم المدخرات المتداولة عالمياً حوالي 500 بليون يورو منها 350 بليون تدخل في عمليات غسل الأموال بطرق مختلفة، وترجع أسباب انتشار ظاهرة غسل الأموال عالمياً إلى تعاظم الأرباح الناتجة عن هذه الجرائم، واتساع عملية العولمة المالية بسبب الانفتاح المالي وتحرير قيود التجارة وهذا هدم الحدود الاقتصادية بين الدول وبعضها وتنافس الدول خاصة الدول النامية في تقديم تنازلات لاستقطاب أكبر قدر ممكن من الأموال بغرض فتح الأبواب أمام الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة دون التركيز  على مصدرها وغيرها من أسباب أخرى.

تداعيات ظاهرة غسل الأموال:

يكون لعمليات غسل الأموال انعكاسات اقتصادية وأخرى اجتماعية ويمكن توضيحها من خلال ما يلى:

الآثار الاقتصادية :

عملية غسل الأموال نطاقها واسع على مستوي العالم ولكن البلدان النامية تتأثر بشكل كبير لها نتيجة عدم استعدادها الاستعداد الأمثل لمكافحتها  بالإضافة لمجموعة الأسباب التالية :

حكومات هذه الدول ما زالت تقوم بتطوير وإنشاء أنظمة للقطاعات المالية التي تحولت من القطاع العام للخاص وعمل إطار مناسب لطريقة عملها.

غسل الأموال له تأثير كبير على القرارات الاقتصادية لاعتمادها  على إحصائيات قد تكون مضللة وبالتالي قد يتم الالتباس في عوائد عملية غسل الاموال على إنها ناتجة عن عملية إنتاجية شرعية وهذا ما يؤثر على صانع السياسات الاقتصادية بالدولة.

قد تخلق الأموال المشبوهة طلب زائف على النقود وبالتالي يتم التوجه من قبل الحكومات لتعديل السياسات الاقتصادية ثم يتم اختفاء هذه الأموال بدون سبب اقتصادي، ما يؤدي الى انهيار القطاع المالي بالاقتصاد وذلك يمثل تهديد اقتصادي قوي.

تشوه الاقتصاد من خلال إبعاد عنصري الربح والمنافسة اللازمين لقيادة السوق وبالتالي الإضرار بسمعة اقتصاد الدولة وبرامجها الاقتصادية في جذب الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة.

إلحاق الأضرار  بالجهاز المصرفي؛ حيث أن الأموال المتحصلة من مصادر غير مشروعة تأتى فجأة وتسحب فجأة لعوامل ليس لها علاقة بآلية السوق التي تعمل في خلق خلل بين العرض الكلي والطلب الكلي للنقود.

الآثار الاجتماعية :

حدوث خلل في التركيبة الاجتماعية وظهور الأنشطة الإجرامية للحصول على أرباح سريعة وكبيرة بشكل غير مشروع مع عدم وجود عواقب.

زيادة معدلات الجريمة نتيجة وجود ارتباط وثيق بين غسل الأموال والجرائم الأخرى المسببة للانفلات الأخلاقي.

زيادة معدلات البطالة نتيجة استنزاف للناتج المحلي الذي يؤدي الى ضعف الدخل القومي وبالتالي قلة المشاريع وعدم توفر فرص عمل  ما يدفع العاطلين إلى الانخراط في الجرائم أو تجنيدهم في عصابات للإضرار بالمجتمع.

حرمان الطبقات الفقيرة من الاحتياجات الضرورية من مأكل ومشرب ومسكن وصحة وتعليم ووجود فجوة ما بين الأغنياء والفقراء وبالتالي عد وجود توازن اجتماعي

تردى معيشة الفرد، ونلاحظ أن نسبة كبيرة من سكان العالم يعانون بصورة مستمرة من الجوع ونقص المياه والخدمات المختلفة التي توفر حياة كريمة للفرد في وطنه.

انتشار الفساد وزيادة معدلاته وهو أمر يمس أمن البلد واستقراره القومي.

مصر.. ومكافحة غسل الأموال:

وفقاً لمعهد بازل للحوكمة صرح بأن  مصر احتلت المركز الخامس عربياً في مجال مكافحة جريمة غسل الأموال والجرائم المرتبطة بها واسترداد الأصول المسروقة وإنفاذ القانون الجنائي  لعام 2017م، وجاء ترتيب مصر العالمي في المركز الـ 60 من أصل 149 دولة من بعد الأردن وقطر والمملكة العربية السعودية والكويت.

وفائدة التقييم أنه يعطى تصنيفاً عالماً لتقييم المخاطر ودرجة المكافحة للدولة بالإضافة الى الشفافية المالية وفعالية النظام التشريعي لوقف النتائج المترتبة على تفشي الجريمة وما يرتبط بها ومحاولة التحسين والتقدم للأمام للوصول الى أفضل النتائج.

وبالنسبة لمصر فقد تم إنشاء وحدة مكافحة غسل الأموال المصرية عام 2002 م بموجب قانون مكافحة غسل الأموال الصادر رقم 80 لسنة 2002م، وهى وحدة التحريات المالية التي تتصدى لوقف أنشطة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في مصر، وتحول دون استغلال الأموال الناتجة عن أنشطة إجرامية أو في تمويل الأنشطة الإجرامية بما يهدد الامن القومي للبلاد.

وتم إنشاء الهيئة العامة للرقابة المالية التي تراقب وتشرف على الجهات العامة في المجال المالي وتنظيم الجهات غير المصرفية و العاملة  في مجال الأدوات المالية وجهات التوريق، لأن أسواق المال من الجهات المستهدفة من قبل القائمين بعملية غسل الاموال ويتم اللجوء إليها ليس بهدف الاستثمار بل لاتخاذها خطوه ومرحلة من مراحل غسل الأموال ويتم بعدها بيع الورقة التالية بسرعة وبأي سعر وبكميات ضخمة وهذا ما يعرض المستثمرين لخسائر فادحة.

وختاما، لا شك أن جريمة غسل الاموال تعد من جرائم العصر التي تعتبر تحدياً كبيراً أمام الجهات المختصة بكبح جماح هذا النوع من الجرائم التي ولدت مع ولادة الشكل الجديد للاقتصاد العالمي والوسائل الإلكترونية والذى ساعد على سرعة انتشارها وتوفير السبيل لوجودها .

ولذلك لابد من الإلمام بتقنيات وأساليب التدقيق في جرائم  غسل الاموال وكل ما هو متعلق بها وسن التشريعات الموائمة لها بما لا يعيق حركة الاستثمارات داخل وخارج الدولة  خاصة أن هذه الجريمة رغم إنها فردية ولكن لها تأثير جماعي وذات طابع محلي ولكن سرعان ما تتحول لجريمة دولية عابرة للحدود.

ولهذا ظاهرة غسل الأموال  تعتبر من ضمن الاقتصاديات المحرمة التي تواجه الاقتصاد القومي للدولة وتجعله يعانى من تهديدات أمنية وكذلك على المستويين الاقليمي والدولي فلابد من الحماية من المخاطر السلبية الناجمة عن هذه الظاهرة.

المصدر
وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب المصريةالموقع الرسمى للبنك المركزي المصري , مكافحة غسل الأموالهشام أحمد تيناوي, المخدرات وظاهرة غسل الاموال , مركز الدراسات والبحوث قسم الندوات واللقاءات العلمية, جامعة نايف العربية للعلوم الامنية , دمشق , 2006.مفاهيم مالية , البنك المركزي المصري , المعهد المصرفي المصري, العدد الواحد وعشرون الموقع الرسمي للهيئة العامة للرقابة المالية , ورقة بحثية بعنوان " دليل المستثمر للتعريف بمكافحة غسل الاموال فى سوق الأوراق المالية"عبد الرحيم القاضي , جريمة غسل الأموال ماهيتها وتطورها التاريخي" , دار المنظومة, مجلة المنبر القانوني, المغرب , 2011 منال المصري, " 11 توصية لمواجهة عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب بمؤتمر مخاطر التكنولوجيا" , بتاريخ 10 فبراير 2018 " مصرفيون : غسل الأموال وتمويل الإرهاب أخطر الجرائم المالية " , موقع أخبار مصر , بتاريخ 10 فبراير 2018" مصر الخامسة عربياً فى مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ", بتاريخ أغسطس 2017 الوقائع العراقية , الجردية الرسمية لجمهورية العراق , العدد 4387, بتاريخ نوفمبر 2011

اقتصاديات محرمة.. كيف تؤثر تجارة المخدرات على الاقتصاد والتنمية المستدامة؟

الإعاقة والتنمية المستدامة في مصر.. ماذا بعد قانون الإعاقة الجديد؟

مال وفير: ما مصادر تمويل العمليات الإرهابية في الشرق الأوسط؟

شركتا «أوبر وكريم».. هل وصلتا لنهاية الرحلة؟

إغلاق