بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتحليلات

احتدام التنافس.. كيف تتغير بنية النظام الدولي؟

الوسوم

يعيش النظام الدولي حالة من الفوضى والاضطراب، فيما تتمسك القوى القديمة بنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، الذي ضمن لها السيادة والتحكم في أجزاء واسعة من العالم، وعلى رأس هذه الدول الولايات المتحدة، التى حولت النظام الدولي من ثنائي القطبية إلى أحادي القطبية بعد انتهاء الحرب البارة عام 1991 بانهيار الاتحاد السوفيتي، إلا أنها تواجه الآن منافسة قوية من قبل الصين وروسيا، حيث التأثير على مصالحها في مناطق واسعة من العالم، والتبشير بإنهاء نظام القطبية الأحادية، والانتقال لنظام دولي متعدد الأقطاب تتوزع فيه مصادر القوى.

وأخذت أشكال الصراع بين الولايات المتحدة ومنافسيها، في التنوع والحدة، بداية من الصراع على منابع الطاقة سواء الغاز أوالنفط، فرغم سعي واشنطن للاكتفاء الذاتي من الطاقة، إلا أنها ترغب في إبقاء سيطرتها على أهم منابع الطاقة، لدعم حلفائها، وكسر استغلال روسيا لحاجة أوروبا إلى الطاقة منها، حيث تحصل على أكثر من 40 % من احتياجاتها من الطاقة من موسكو، والآن تعمل واشنطن وحلفائها الأوربيون للسيطرة على غاز منطقة شرق المتوسط.

وبخلاف التنافس على منابع الطاقة، هناك تنافس أيضا على جذب المزيد من القوى الإقليمية، والاستعانة بالفاعلين من غير الدول، وعلى رأسها الجماعات المسلحة والمتمردة، من أجل تعزيز النفوذ وتحجيم الخصوم، ويضاف أيضا إلى قائمة أدوات الصراع إدخال التكنولوجيا في المنافسة والاضرار بالخصوم، حيث هناك تحذيرات من أن تسبب الحروب الإلكترونية في اندلاع حرب عالمية ثالثة، آخرها الاتهامات الأوروبية لروسيا بالتدخل إلكترونيا في حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وكذلك التدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، وفي ظل هذه التطورات عززت الدول من قدراتها العسكرية كما وكيفا.

ورغم احتفاظ واشنطن بقدر أكبر من غيرها في التأثير على النظام الدولي، إلا أنه بدأ يشهد تغيرات ملحوظة، وأكد على ذلك ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الأمريكية والدبلوماسي الأمريكي السابق، عام 2017، حينما قال بنهاية النظام العالمي الأحادي القطبية القائم منذ نهاية الحرب الباردة، وبداية ما أسماه بـ”عصر الفوضى”، حيث تسوده التهديدات والتحولات السريعة وغير المتوقعة، لذا ما زالت هذه التحولات قائمة  وسريعة التطور، خاصة في وجود ترامب  في البيت الأبيض، الذي قد يعجل بحدوث صدامات قوية مع القوى الصاعدة وإن لم تصل للمواجهة المباشرة.

أولا- السيطرة على منابع الطاقة:

ما زال النفط والغاز يتصدران مشهد الصراعات الدولية، رغم التقدم في الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ومع برزو أهمية النفط، سيطرت الولايات المتحدة ومعها شركائها الأوروبيين على منابع النفط والغاز خاصة في منطقة الخليج العربي، ورغم إعلان الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما سياسة “التوجه شرقا”، لنقل الثقل الأمريكي إلى آسيا، إلا أن أمريكا لا يمكن أن تترك نفط الشرق الأوسط للصين لتهيمن عليه، بخلاف ارتفاع تكلفة استخراج النفط الصخري الذي كانت تعول عليه أمريكا في تلبية احتياجاتها.

ورغم عمل بكين على تنويع مصادر النفط واختراق القارة الأفريقية، إلا أنها تعتمد على الشرق الأوسط الذي تستورد منه حوالي نصف احتياجاتها، فيما تعتمد على أفريقيا في تلبية حوالي 17% من احتياجاتها، بالتالي تعتبر بكين الآن أكبر مستهلك للطاقة بعد أن كانت واشنطن تحتل هذه المكانة.

وبخلاف النفط في منطقة الخليج، برزت الآن أهمية منطقة شرق المتوسط، التي تضم مصر وقبرص واليونان وسوريا وفلسطين ودولة الاحتلال الإسرائيلي، الغنية بالغاز، حيث قدرت هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية، احتواء المنطقة على أكثر من 340 تريليون قدم مكعب من الغاز فقط، بخلاف المكثفات النفطية، وهذا الرقم كافي لإمداد أوروبا بالغاز لمدة 30 عاما، وهذه فترة ملائمة إن اعتمدت أوروبا على هذا الغاز، واستغلالها في الضغط على روسيا التي تستورد منها ما يقارب نصف احتياجاتها من الطاقة.

وقد حاولت الولايات المتحدة ومعها شركائها الأوروبيين، استغلال ما جرى في سوريا من أجل السيطرة على الغاز الواقع قبالة سواحلها، ما أدركته روسيا، لتعمل مع إيران على الحيلولة دون إتمام هذا الأمر، لتتدخل عسكريا في 2015، لتسقط هذه الحساب بجانب حسابات آخرى بخلاف الطاقة، حيث  أرادت واشنطن وشركائها حرمان روسيا من أي وجود حقيقي في الشرق الأوسط، وإذا سقطت سوريا في أيديهم فإن التالي هي إيران، شريكة روسيا أيضا، في الشرق الأوسط.

كذلك يوجد تنافس على النفط الأفريقي خاصة من قبل الصين، التي تحاول السيطرة عليه، لأن نفط الخليج أصبح خالصا للنفوذ الغربي، وفي عام 2015، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ عن خطط لضخ 60 مليار دولار في مشروعات تنمية في أفريقيا، وستركز على مشروعات البنية التحتية واستخراج النفط، كذلك لم تترك واشنطن أفريقيا لتسيطر عليها، فقد أدركت هذا الأمر  وبدأت في إعادة التموضع في القارة عسكريا عن طريق إنشاء القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا عام 2007، لمجابهة بكين، أما اقتصاديا زادت من مساعداتها للقارة، فقد رصدت عام 2000 حوالي 5 مليارات دولار لتمويل مشاريع مشتركة مع بلدان شمال أفريقيا.

ثانيا- جذب القوى الإقليمية والوكلاء:

لا تستطيع أيا من الدول الكبرى تحقيق سياساتها وإدامة نفوذها خارج حدودها، بدون وجود وكلاء وداعمين لها، من أجل تعزيز سيطرتها وتقليل تكاليف الانخراط في النزاعات أو السيطرة على الموارد، فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عملت الولايات المتحدة على تعزيز  نفوذها وتشكيل الكتلة الغربية، وتقسيم العالم إلى محورين شرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي، وآخر غربي بزعامة الولايات المتحدة، التي عملت على خلق وكلاء وتابعين لها من أجل إدامة هذه السيطرة فمثلا في آسيا استعانت بكوريا الجنوبية واليابان للحفاظ على مصالحها والتصدي مؤخرا للصعود الصيني، وفي الشرق الأوسط سيطرت على منابع النفط في الخليج وأخضعت أنظمتها لها وهكذا في مناطق أخر بالأمريكتين وفي قارة أفريقيا.

أما الاتحاد السوفيتي فاتبع السياسة ذاتها وقاد الكتلة الشرقية، محيطا نفسه بالوكلاء في بقع مختلفة من العالم، إلا أنه انهار وكان أحد أسباب سقوطه ضعف الدول الداخلة في نطاقه ووكلائه بالخارج، واليوم أدرك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذا الأمر، ويحاول تعزيز سيطرته في الخارج وخلق وكلاء جدد والتعاون مع قوى إقليمية ودول صاعدة، مستعينا بذلك بصادرات السلاح خاصة الاستراتيجية، ما تخشاه الولايات المتحدة، حيث تتخوف من منافسة السلاح الروسي لها، بجانب جذب بعض الدول للتعاون مع روسيا بل التحول إلى وكيل لها والوقوف معها أمام الولايات المتحدة وتهديد مصالحها.

ثالثا- الاستمرار في توظيف الفاعلين من غير الدول:

زاد منذ قرب نهاية الحرب الباردة، دور الفاعلين من غير الدول سواء الجماعات السياسية والمسلحة، أو الشركات المتعددة الجنسيات خاصة غير الخاضعة لسيطرة الدول بشكل كبير، فمصطلح الفاعلين الدوليين في النظام الدولي أصبح لا يقتصر على الدول بحد ذاتها، وإنما يتجاوزها ليصل إلى المنظمات الدولية بخلاف الشركات المتعددة الجنسيات، كما يوجد الأشخاص الذين يلعبون دورا في الساحة الدولية كرجال الأعمال وتجار السلاح، واتضحت أهمية هذا الأمر خاصة في الشق السياسي والصراعات العسكرية، بتوظيف الجماعات المسلحة، في إطار الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

حيث نجحت الولايات المتحدة في خلق عدة كيانات مسلحة داخل أفغانستان ودعمها، أهمها تنظيم القاعدة، الذي كان أحد أسباب هزيمة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان التي تدخلت فيها عسكريا عام 1979، وبدأ الخروج منها مهزوما عام 1988، ومنذ هذا الوقت بدأ توظيف الجماعات المسلحة التي صنفت فيما بعد إرهابية، حسب مصالح الدولة وحسب المستهدف منها.

وبدأت ارتدادات هذا الأمر في الظهور سريعا وخروج هذه الأداة من أيدي الولايات المتحدة، حيث قام تنظيم القاعدة “الجبهة الإسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبين”، على أنقاض جماعات المقاومة الإسلامية في أفغانستان، بزعامة عبدالله عزام، وبدأ منذ مطلع تسعينات القرن، بزعامة أسامة بن لادن، في شن عدة هجمات استهدفت المصالح الأمريكية بالخارج من بينها:

تفجير قنبلتين في عدن باليمن، في 29 ديسمبر 1992، بفندق وموقف سيارات لقتل الجنود الأمريكيين.

مهاجمة مركز التجارة العالمي في نيويورك بشاحنة مفخخة في عام 1993، قتل في الهجوم 6 أشخاص وأصيب أكثر من ألف شخص، ووقعت أضرار بالممتلكات بـ 300 مليون دولار.

تفجير سفارات الولايات المتحدة، في كينيا وتنزانيا عام 1998، قتل خلال الهجوم أكثر من 300 شخص.

قصف أعضاء من القاعدة باليمن في أكتوبر، المدمرة «يو إس إس كول» في هجوم انتحاري، قتل 17 جندياً أميركياً ودمر المدمرة في الميناء 2000.

تنفيذ هجمات 11 سبتمبر 2001، على الأراضي الأمريكية، واعتبرت أكثر الأعمال الإرهابية تدميراً في الولايات المتحدة والعالم، قتل خلالها حوالي 3 آلاف شخص، حيث اصطدمت طائرتان بأبراج مركز التجارة العالمي، وطائرة بوزارة الدفاع.

وجراء الهجمات التي استهدفت المصالح الأمريكية بالخارج، إلى جانب استهداف الداخل الأمريكي ذاته، أدركت واشنطن أنه لابد من السيطرة على التنظيم المارق الذي خرج من يدها، لتشن حربا على أفغانستان في 2001، لإسقاط نظام طالبان الذي كان يأوي القاعدة، وحتى اليوم لم تنجح واشنطن في القضاء على القاعدة، أو إنهاء خطر طالبان التي ما زالت تسيطر على حوالي نصف الأراضي الأفغانية.

ولم تكتف واشنطن بتدمير أفغانستان لتتجه إلى احتلال العراق في 2003، مخلفة ورائها عشرات التنظيمات الإرهابية، التي انتهت بظهور تنظيم داعش الإرهابي في 2014، في اتهامات كبيرة لواشنطن بأنها من خلقت التنظيم سواء بشكل غير مباشر بسبب تدمير العراق، أو بشكل مباشر عبر دعم التنظيم ذاته، في محاولة منها لتوظيفه من أجل إعادة تفكيك وتركيب المنطقة، لكن هذه الأداة فشلت حتى الآن، ونجح التنظيم في اختراق حصون أوروبا والولايات المتحدة ذاتها منفذا العديد من العمليات الإرهابية.

ومع فشل ورقة داعش، ما زالت واشنطن ومعها بعض الدول الأوروبية، محتفظة بورقة الجماعات الكردية المسلحة في سوريا والعراق، حيث تسيطر على حوالي ربع الأراضي السورية، مستغلة ما جرى في سوريا عام 2011، بخلاف وجودها في كردستان العراق، وتصر واشنطن على دعمها ومنع روسيا أو سوريا أو تركيا من استهدافهم، حيث يوجد الكثير من النفط والغاز في المناطق الواقعة تحت سيطرة الجماعات الكردية في سوريا، وترغب في الحفاظ عليه، رغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسبوع الماضي أنهم سيرحلون عن سوريا، إلا أن هذه مجرد تصريحات ولا يتوافق مع السياسات الفعلية، من استمرار تقديم الأسلحة للجماعات الكردية بشكل خاص، بعد خسارة معظم المعارضة التي كانت تدعمها واشنطن في البداية للسيطرة على سوريا.

أما روسيا أدركت أهمية سلاح الفاعلين من غير الدول، خاصة الجماعات المسلحة والمتمردة، فهي من كانت أحد أسباب سقوط الاتحاد السوفيتي، لذا تحاول الآن استغلال حركة طالبان من أجل إنهاء الوجود الأمريكي في أفغانستان ومعه حلف شمال الأطلنطي “ناتو”، فقد وجهت الولايات المتحدة مرارا اتهامات قاسية لموسكو، بدعم طالبان وتزويدهم بأسلحة متقدمة، فيما تنفي روسيا هذا الاتهامات، معتبرة أن الناتو وواشنطن يلقون بفشلهم الذريع على موسكو، ولم تكتف روسيا بدعم طالبان ماديا فقط إنما سياسيا، وذلك بالتعاون مع الصين وباكستان وإيران، حيث طرحت أكثر من رعاية مفاوضات سياسية بين الحركة والحكومة الأفغانية، ما يعني اختراق أفغانستان وإيجاد موطىء قدم لها.

كذلك تتخوف روسيا من استغلال واشنطن لأفغانستان، وتحويلها لموطن لجماعات داعش، وجذب الروس إليها ومواطني الدول المجاورة من أجل تهديد روسيا التي تعتبر أفغانستان امتداد حيوي لها ونقطة اتصال مع شريكتها إيران.

لذا من المرجح أن يتم استمرار هذه الأداة مستقبلا في إطار الصراع بين القوى الكبرى، لكنها حتى الآن محصورة بشكل كبير في منطقة الشرق الأوسط، التي ما زالت ساحة لتصفية الخلافات، فانتقال هذا الأمر للداخل الأوروبي لن يمكن احتوائه وسيكون أكثر تدميرا.

رابعا- الاعتماد على الحرب الإلكترونية:

ظهرت القرصنة الإلكترونية بشكل كبير مع انتشار استخدام الكمبيوتر أواخر سبعينات القرن الماضي، وكانت في بداية  ظهورها مجرد ممارسات غير منظمة أو واضحة الأهداف لأشخاص مهتمين بالتكنولوجيا، لكن أخذت في الزيادة والتقدم لتكون أحد مسارح الحروب بين الدول، وعرفت باسم “الحرب الإلكترونية”، وهي عبارة عن عمليات اختراق و قرصنة إلكترونية موجهة سياسيا من دولة ما بهدف التجسس على شبكة حواسيب هيئات رسمية أو شركات خاصة كبرى في دولة أخرى، أو تخريب و تعطيل تلك الشبكات و ما يرتبط بها من أجهزة، وهي أحد أشكال حرب المعلومات التي ينظر إليها أحيانا على أنها مماثلة للحرب التقليدية.

وينخرط في هذا النشاط إما أفراد أو شبكات من المحترفين أو أشخاص يعملون بشكل رسمي ضمن مؤسسات دولهم، مثل جوليان أسانج مؤسس موقع ويكليكس، كذلك قد يقوم بعمليات القرصنة عملاء تابعون للدولة، ويعملون ضمن مؤسساتها مثل أجهزة الاستخبارات كما حدث في عام 2010، حينما اخترقت الولايات المتحدة البرنامج النووي الإيراني بالتعاون مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

ومؤخرا في إطار الصراع بين القوى الكبرى، وجهت بريطانيا اتهامات إلى روسيا، بالتدخل إلكترونيا والتأثير على الناخبين في الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي، كذلك ما زالت السلطات الأمريكية تحقق في اختراق روسيا للانتخابات الرئاسية التي فاز فيها ترامب، سواء كان ذلك عبر  التأثير على الناخبين بجانب تسريب بيانات الحزب الديمقراطي الذي خسرت مرشحته هيلاري كلينتون أمام ترامب.

ونتيجة لهذا الأمر، سرى الخوف داخل القارة الأوروبية من هذا السلاح، كما حدث في  هولندا، حيث لجأت السلطات الهولندية إلى عدّ بطاقات الاقتراع يدويا في إحدى الانتخابات، منعا لحدوث أي تلاعب إلكتروني في نتائج الانتخابات عن طريق عمليات قرصنة قد تشنها روسيا، كذلك أعلنت شركة للأمن الرقمي في فرنسا اكتشاف متسللين روس يحاولون تنفيذ هجمات إليكترونية تستهدف المرشح الرئاسي الفرنسي إيمانويل ماكرون عام 2017، الذي كان ينافس اليمنية المتطرفة ماري لوبان والمفضلة لدى روسيا.

أما الصين لم تركز على الأهداف السياسية في أعمال القرصنة وإنما اهتمت بالعوائد الاقتصادية، لهذا نفذ صينيون الكثير من عمليات القرصنة تجاه الولايات المتحدة، لسرقة اختراعات وتصميمات متقدمة، بخلاف سرقة تصميمات، وأثبت تقرير لشركة  “فاير أي ” (FireEye) الأمريكية عام 2016 مسؤولية الحكومة الصينية عن العديد من الاختراقات لأمريكا، وفي تقرير آخر  لشركة فورستر الأميركية، أكد أن التجسس والقرصنة الالكترونية يكلف الشركات الأمريكية نحو 500 مليار دولار سنويا.

ونتيجة لهذه الأعمال دخل الرئيس ترامب في حرب اقتصادية ضد الصين، معلنا فرض أكثر من 50 مليار دولار رسوم جمركية إضافية على الواردات الصينية بسبب أعمال القرصنة والسرقة الفكرية، إلى جانب ضمها ضمن قائمة الدول المفروض على صادراتها من الصلب والألمونيوم، رسوم جمركية مرتفعة.

خامسا- حروب الاقتصاد:

تنافس الصين الولايات المتحدة بقوة اقتصاديا، ما تخشاه واشنطن حيث تركز بكين على مزاحمة واشنطن اقتصاديا، بخلاف روسيا التي تولي أهمية الآن للاعتبارات السياسية والعسكرية، وتتمثل أبرز محطات التنافس الاقتصادي في التالي:

1- إنشاء تكتلات اقتصادية بديلة:

طرحت بكين مبادرة “الحزام والطريق”، في عام 2013، تحت اسم “حزام واحد وطريق واحد”، وتتضمن أنفاق الصين مليارات الدولارات بالاستثمار في البنى التحتية على طول طريق الحرير الذي يربطها بالقارة الأوروبية، وتركز المبادرة بشكل أساسي على التواصل والتعاون بين الدول، وتشمل فرعين رئيسيين، “حزام طريق الحرير الاقتصادي” البري و”طريق الحرير البحري”، وتنفق بكين حوالي 150 مليار دولار سنويا في الدول الـ 68 المشاركة في المبادرة لدعم بنيتها التحتية لتحقيق مشروعها الاقتصادي الضخم، فهي تمتلك احتياطي نقدى كبير  يقدر بـ 3.051 تريليون دولار، تتصدر به قائمة دول العالم من حيث احتياطي النقد الأجنبي.

ولن يقف المشروع الاقتصادي عند هذا الحد، بل سيمتد مستقبلا إلى المواقف السياسية للدول، التي لن تعمل ضد الصين بالطبع مستقبلا على الأقل إن لم تقف بجانبها حال حدوث صراعات مع دول كبرى كالولايات المتحدة، التي بدأت في عهد ترامب بالتركيز على الداخل بشكل أكبر تحت شعار “أمريكا أولا”، لهذا انسحب ترامب من اتفاقية  الشراكة عبر المحيط الهادي في يناير  2017، الذي ضم 12 دولة.

وأخير هدد ترامب، مطلع الشهر الجاري ، بالخروج من اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية “نافتا”، إذا لم تلتزم المكسيك بدورها في بناء الجدار الحدودي بين المكسيك والولايات المتحدة، ومن المرجح أن يصب هذا الأمر في صالح الصين التي ستحاول ضم بعض هذه الدول إليها واقناعها بالشراكة معها، فأمريكا ترامب ترغب في تحقيق مكاسب فقط دون تحمل أية أعباء.

2- فرض الرسوم الجمركية:

لجأ ترامب إلى فرض المزيد من الرسوم الجمركية لحماية الصناعة الأمريكية، وذلك في نهج جديد مخالف للمبادىء الاقتصادية الليبرالية التي تتبعها واشنطن ذاتها وروجت لها وخاضت الحروب باسمها، فخلال مطلع مارس 2018، أقر  ترامب، فرض رسوم جمركية على واردات الألمونيوم بنسبة 10% والصلب بنسبة 25 % إلى الولايات المتحدة، مستثنيا كندا والمكسيك.

ولأن واشنطن تخشى الصعود الصيني، لم تكتف بهذا الأمر، بل أعلن البيت الأبيض، يوم 22 مارس 2018، اعتزام ترامب فرض رسوم جمركية عقابية على واردات واشنطن من المنتجات الصينية بقيمة تترواح من 50 مليار دولار إلى 60 مليار دولار، ردا على ما تسميه الممارسات التجارية غير العادلة من جانب الصين، وسيتم الانتهاء من هذه خلال 60 يوماً لمواجهة ما أسمته إدارة ترامب بـ «العدوان الاقتصادي» للصين.

أما بالنسبة لروسيا، تحاول الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيون حرمانها من عوائد النفط والغاز الذي تستورده من موسكو، التي تمثل حوالي نصف ميزانية روسيا، وذلك بالحد من وارادات للطاقة الروسية، واللجوء إلى تنمية منطقة شرق المتوسط، من أجل تحجيم تدخلات روسيا في الشأن الأوروبي إلى جانب إضعاف موسكو، وإثارة حالة من السخط الداخلي بسبب ارتفاع الأسعار والتضخم، فخلافا للصين لا تعتمد موسكو بشكل أساسي سوى على تصدير الأسلحة والنفط والغاز.

سادسا- تطوير القدرات العسكرية:

اعتبرت إدارة الرئيس الأمريكي أن ما تقوم به الصين وروسيا يهدف إلى إنهاء نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، الذي ضمن التفوق والسيطرة لواشنطن، ودعت الصين أكثر من مرة صراحة إلى تغير بنية النظام الدولي، لهذا وضعت إدارى ترامب استراتيجية أمنية ودفاعية جديدة، لمعالجة هذا الأمر، حيث أعلن ترامب في 18 ديسمبر 2017، “استراتيجية الأمن القومي”، قال فيها إن بلاده تدخل “عصرا جديدا من التنافس” تتحداها روسيا والصين، معتبرة كذلك أن استثمار روسيا في تطوير قدراتها العسكرية، يشكل تهديدا كبيرا للأمن القومي الأمريكي.

وشددت إدارة ترامب على هذا الأمر، في استراتجيتها العسكرية الجديدة،  ليعلن وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس، يوم 19 يناير 2018، عن “الاستراتيجية الدفاعية الجديدة”، وحملت بنودها الأساسية نزعة هجومية تنافسية حادة مع روسيا والصين، بجانب بعض الفاعلين الإقليميين كإيران وكوريا الشمالية، كما حملت دعوات صريحة لعودة سباقات التسلح الدولية، والعودة بالنظام الدولي إلى مرحلة الحرب الباردة.

وكانت مرحلة سباق التسلح بين واشنطن والاتحاد السوفيتي انتهت بنهاية الحرب الباردة، وركزت بشكل أساسي على  القدرات النووية، لكن هذا السباق عاد مجددا، سواء على مستوى تطوير القدرات النووية والصواريخ الباليستية، أو القدرات التقليدية، كما أن سباق التسلح أصبح اليوم بين أكثر من قوة سواء دولية مثل الصين وروسيا أو إقليمية مثل تركيا ومصر والسعودية وإيران وكوريا الشمالية وليس فقط بين قطبين.

وخلافا لنهج إدارة باراك أوباما الرئيس السابق، زادت إدارة ترامب، من الانفاق العسكري، حيث خفض أوباما ميزانية الدفاع، وقلل عدد الجنود، وأعطى الأولوية لمحاربة الإرهاب، وليس مواجهة روسيا والصين، من أجل توفير 487 مليار دولار  من ميزانية وزارة الدفاع على مدى 10 سنوات، كما كان مقررا في استراتيجة أوباما خفض عدد القوات البرية من 565 ألف إلى 520 ألف جندي عامل بعد 2014 وصولا إلى 500 ألف، وقد  خصص أوباما  619 مليار دولار لميزانية وزارة الدفاع عن عام 2017 قبل مغادرته البيت الأبيض،لكن جاء ترامب ليوقع أكبر ميزانية في تاريخ وزارة الدفاع بقيمة 700 مليار دولار، من أجل الاستثمار في القدرات النووية، والفضاء، والدفاعات الجوية، لأن تفوق الولايات المتحدة عسكرياً بدأ يتلاشى لصاح روسيا والصين.

وبما أن الصين بجانب روسيا مستهدفتين من قبل واشنطن، طالبت بكين في ديسمبر 2017، الولايات المتحدة بالتخلي عن “عقلية الحرب الباردة”، واستراتيجية المباريات الصفرية، أما روسيا اعتبرت تحركات واشنطن  “استعمارية”، ورافضة لعالم مبني على أقطاب مختلفة، وكرهها لوجود عدة قوى عظمى، لهذا رفعت بكين ميزانيتها العسكرية، في عام 2016، بنسبة 7.6 % لتصل إلى 146 مليار دولار، وفي عام 2017، زادت بنسبة 7 %، لكن تقارير عدة تؤكد أن ميزانتها أكبر من ذلك بكثير، ففي تقرير  لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام نشر في 2015، قدر نفقات الصين بـ 216 مليار دولار، وبالنسبة لروسيا أعلنت نهاية ديسمبر 2017، عن أن ميزانية الدفاع لعام 2018 ستبلغ 46 مليار دولار ، بخلاف تطوير قدراتها النووية والصاروخية آخرها اختبار الصاروخ الباليستي (أر اس-28) “شيطان 2″، نهاية مارس الماضي، وهو قادر على حمل من 10 إلى 15 رأساً نووية، بسرعة تفوق سرعة الصوت.

وختاما تكشف مجالات التنافس بين الولايات المتحدة وخصومها روسيا والصين بشكل خاص ووكلائهم، أن الصدام مستمر لفترة طويلة وسيشمل مناطق وملفات عدة، اهمها ملف الطاقة والاقتصاد، إلى جانب استمرار الصراع على الشرق الأوسط، ومنطقة جنوب شرق آسيا، فالشرق الأوسط لا زالت تمثل أهمية لواشنطن ولحلفائها الأوروبيين بشكل كبير لا يمكنها التنازل عنه، وهو ما يوضح سر السعي الروسي الغربي ومعهم الصين على جذب دول الشرق الوسط إليها سواء من حيث صفقات التسليح أو تقديم المساعدات الاقتصادية، إلى جانب استغلال القضايا السياسية مثل القضية الفلسطينية، حيث تحاول روسيا والصين أن تحل محل واشنطن في هذا الأمر ما تتصدى له واشنطن ومعها دولة الاحتلال.

لكن التغير في بنية النظام الدولي، بدأ بالفعل ولن يمكن لإدارة ترامب أن توقفه، إنما تتعايش معه، خاصة في ظل سياسته الرافضة لتقديم تنازلات لدول إقليمية أو شركاء لبلاده خاصة في مجالات الاقتصاد والحماية، أما روسيا والصين يحاولان على قدر الإمكان جذب المزيد من الحلفاء إليهما، لأن ما ساعد الولايات المتحدة بشكل كبير على الصمود طوال السنوات السابقة، هي شبكة الحلفاء، التي يعمل خصومها الآن على تفكيكها.

المصدر
الحرب الإلكترونية.. عندما يصبح الحاسوب فتاكا، الجزيرة نت،16/10/2016،محمد عمر، التوظيف السياسي لأعمال القرصنة الإلكترونية و أثرها على استقرار العلاقات الدولية، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، 4/7/2017 ترامب يقر فرض رسوم جمركية على واردات الألمنيوم والحديد الصلب إلى الولايات المتحدة، روسيا اليوم، 8/3/2018، شاهد: روسيا تختبر إطلاق "الشيطان 2" العابر للقارات، يورو نيوز، 30/3/2018، منى حجازي، النفط محركا.. توجهات الصين نحو الشرق الأوسط، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، 19/3/2018، محمد عبد الله يونس، "عالم 2018": لماذا يتوقع الخبراء تصاعد الأزمات الدولية؟، مركز المستقبل للدراسات والأبحاث المتقدمة، 24/12/2017، نادية سعد الدين، الارتباك الاستراتيجي: اقترابات القوي الكبري في منطقة الشرق الأوسط، السياسة الدولية 9/2/2016، علي زياد، التنافس والصراع بين القوى العالمية على مصادر الطاقة، 28/7/2015، مؤسسة راند، فهم النظام الدولي الحالي، 2016

توجه «ترامب» نحو آسيا.. مآلات النجاح والفشل

أنماط الصدام الأمريكي الروسي في سوريا وأثره على إنهاء الأزمة

التوظيف السياسي لأعمال القرصنة الإلكترونية و أثرها على استقرار العلاقات الدولية

الوجود الأمريكي في أفغانستان.. بين خصخصة الحرب والخطط العسكرية البديلة

إغلاق