بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

قراءات

عرض كتاب.. «اللعبة المتاحة: اضطراب البنوك المركزية وتفادي الانهيار القادم»

الوسوم

في هذا العالم المتشعب اللايقيني والملئ بالتناقضات، يقدم لنا الاقتصادي المتميز الدكتور “محمد العريان”، أطروحته الجديدة بعنوان “اللعبة المتاحة:اضطراب ال بنوك المركزية وتفادي الانهيار القادم”، التي يحاول من خلالها تقديم ترجمة وافية لكيفية عمل النظام المالي العالمي، والآليات المختلفة التي تستخدمها البنوك المركزية، وكذلك تحليل المشكلات الحقيقية التي تواجه الاقتصاد العالمي، خاصة بعد الأزمة المالية العالمية، وما الذي يجب فعله لتجنب تلك المشكلات مستقبلًا.

ويشرح “العريان” عبر ثنايا هذا الكتاب، كيف تحولت البنوك المركزية من مؤسسات بعيدة عن الأضواء تقوم على وظيفتها التقليدية كونها المصدر الوحيد للعملة إلى مؤسسات ذائعة الصيت تقوم على إدارة وتنظيم أكثر تعقيدًا للنظام المصرفي، خاصة بعد الأزمة المالية 2008، بحيث أصبحت مسؤولة بمفردها عن مصير الاقتصاد العالمي، الأمر الذي دفعها في كثير من الأحيان إلى الابتعاد عن الأدوات التقليدية إلى الاعتماد على أدوات غير مختبرة وغير مألوفة من قبل.

وعلى الرغم من أن عنوان الكتاب يشير إلى أنه كتاب عن البنوك المركزية، إلا أن “العريان” حرص على تقديم جولة كبيرة من التحديات التي نواجهها في عالم اليوم، إلى جانب تقديم الحلول والنتائج الأكثر احتمالية لمستقبل الاقتصاد العالمي، كما أنه يناقش العديد من الموضوعات المختلفة مثل التنوع المعرفي والتحيز الثقافي وارتباط ذلك بتحقيق النمو الاقتصادي، وبالتالي يمكن القول إن الكتاب يقدم تحليلًا واسعًا حول هذا العالم المتشعب، الذي تسوده تحديات عدة تتمثل في النمو المنخفض والشعبوية المتزايدة والسياسات الحزبية الخاطئة التي نراها يوميًا من البلدان المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة وصولًا إلى البلدان النامية وعلى رأسها الصين.

لماذا هذا الكتاب وكيف وما هو؟

يتكون الكتاب من سبعة أجزاء مقسمة إلى خمسة وثلاثين فصلًا، يحاول خلالها “العريان” تقديم رؤية متوازنة، حول كيف تم الوصول إلى الوضع الحالي بحيث أصبحت البنوك المركزية هي “اللعبة الوحيدة المتاحة”، وعلى الرغم من أنه يرى أنها ليست المسؤولة عن وصولها إلى هذا الوضع، إلا أنها إذا استمرت في ذلك فستصبح جزءًا من المشكلة.

ويحاول العريان في هذا الكتاب الإجابة على سؤال، هل قامت البنوك المركزية بتشويه الاقتصاد بشكل دائم؟، فخلال السنوات التي لحقت الأزمة المالية اتخذت البنوك المركزية العديد من القرارات غير العادية التي تتمثل في أسعار فائدة صفرية أو ربما أقل من ذلك كما حدث في بعض بلدان العالم المتقدم للمرة الأولى في التاريخ، وكذلك توسيع ميزانياتها العمومية، وشراء السندات الحكومية وغيرها من الأصول بصورة كبيرة، وعلى الرغم من اتفاق الجميع على ضرورة آخذ العديد من القرارات من أجل تجنب تكرار الأزمة، إلا أن مثل هذه الحوافز النقدية أصبحت الآن مصدر قلق من بعض المتخصصين.

صعود البنوك المركزية وانهيارها وانبعاثها:

حول الكيفية التي أصبحت من خلالها البنوك المركزية هي “اللعبة الوحيدة المتاحة”، فيري العريان أن البنوك المركزية بعد الأزمة المالية قد انتهت- بحكم الضرورة وليس الاختيار- إلى حمل الكثير من المسؤوليات في صياغة وتنفيذ السياسات، وعلى الرغم من نجاحها في تجنيب العالم “المعاناة الإنسانية الهائلة” بتقويض حدة عواقب الركود العظيم وتحقيق قدر من النمو الضعيف، إلا أنها فشلت في تحقيق ما يحتاجه العالم الغربي بصفة خاصة من نمو مرتفع وشامل ودائم، مع استقرار مالي حقيقي.

ويرجع ذلك إلى أن السياسيين اعتمدوا على خبراء المصارف المركزية لتوفير المصدر الرئيسي للتحفيز الاقتصادي، ونتيجة لذلك، فقد فشلوا (أي السياسيين) في فرض الإصلاحات التي كانت هناك حاجة ماسة إليها، وقد أدت الفترة الطويلة من التساهل في السياسة النقدية إلى رفع أسعار الأصول وبالتالي عدم المساواة في توزيع الثروة، وارتفاع الشهية للمخاطر المالية (الأمولة) بصورة أكبر من رغبة الشركات في تحمل المخاطر الاقتصادية عن طريق زيادة الاستثمار.

ويطلق العريان على الفترة التي نعيشها منذ عام 2009 مصطلح “الوضع الطبيعي الجديد New Normal”، التي يتوقع أن تنتهي في غضون السنوات القليلة المقبلة، ثم بعد ذلك يصبح الاقتصاد العالمي أمام مفترق طرق “T junction”، حيث يجب الاختيار بين طريقين، طريق ينطوي على نمو أقل وركود دوري وعدم استقرار مالي، وكذلك عدم العدالة في (الدخل والثرورة والفرص)، وبالتالي مزيد من الاختلالات والتوترات السياسية داخل المجتمعات، أما الطريق الآخر فهو الطريق الذي يعتمد على تطوير القدرة الإنتاجية للاقتصاد العالمي عبر مزيد من الاستثمارات والابتكارات المفيدة.

ولكن من حسن الحظ، أنه ليس من المعلوم ما هو الطريق الذي سيسلكه الاقتصاد العالمي بعد استنفاد “الوضع الطبيعي الجديد”، ذلك أن الأمر يتعلق بالخيارات التي سيتم الاعتماد عليها من قبل الحكومات والشركات والأفراد، وبالتالي فمن أجل الوصول إلى الاختيار الأفضل، يجب أن يتم فهم القوى الكبرى في العالم التي تتحكم في اتخاذ القرار الاقتصادي التي تتمثل في البنوك المركزية.

من ماذا، إلى: وماذا في ذلك؟

يحاول هذا الجزء تسليط الضوء على القضايا الرئيسة التي تواجه المجتمع اليوم، التي جرى تضخيمها دون قصد- في الغالب- من خلال ما لم يكن متخيلًا في السابق للبنوك المركزية باعتبارها الأداة الوحيدة الممكنة، مع محاولة تقديم السياسات المناسبة لمواجهة تلك القضايا.

وتتمثل أبرز تلك القضايا التي تسبب الرياح المعاكسة للتقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي في تضاؤل الثقة في المؤسسات الوطنية والدولية، وخداع السيولة في الأسواق المالية، وارتفاع معدلات البطالة، والخلل الوظيفي السياسي، وعدم المساواة الثلاثية (الدخل، الثرورة، الفرص).

ويشير العريان إلى أن هناك العديد من التداعيات الهامة التي تعيق النمو، يتمثل أهمها في القوة المتنامية للمصرفيين المركزيين حول العالم على مدى العقود العديدة الماضية من “آلان غرينسبان” إلى الآخرين، الذين عملوا على تخفيض أسعار الفائدة وتسهيل الدورات التجارية، ودفع الأسواق إلى إتجاه واحد فقط، هو الاتجاه الأعلى، ولكن كما يرى العريان فقد كان “عاليًا في السكر”، بحيث تأخر الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي بصورة كبيرة، وأصبحت الشركات تخشي الاستثمار، هذا فضلًا عن خوف المستهلكين من الإنفاق، وبالتالي فلا أحد يعرف ما يحمله المستقبل للاقتصاد العالمي، ولكن هناك احتمالات واضحة لإعصار اقتصادي آخر.

الطريق المرغوب فيه:

يرى “العريان” أن هناك نقصًا واضحًا في الجهود المبذولة داخل الدول من أجل التنسيق بين الحكومات الوطنية والبنوك المركزية لأجل إنشاء استراتيجية وطنية شاملة للتغلب على الآثار المترتبة على الأزمة المالية وتحقيق نمو اقتصادي قوي وشامل من خلال استخدام السياسات المالية والهيكلية، هذا فضلًا عن غياب التنسيق بين السياسات العالمية لإدارة الاقتصاد العالمي، وبالتالي يتمثل الطريق المرغوب فيه من وجهة نظر المؤلف في الاستغلال الحقيقي للإمكانات الكبيرة، حيث يحتاج الاقتصاد العالمي إلى “مايسترو عالمي” أفضل، يقوم على التنسيق الكافي للسياسة العابرة للقارات، ويتمثل هذا المايسترو في صندوق النقد الدولي IMF، تلك المؤسسة التي تتمتع بعضوية عالمية، وطاقم من الموهوبين، وتمتلك قدرًا كبيرًا من الخبرات والتجارب.

أما عن إصلاح الركود الكبير الحالي، فيبين “العريان” أنه يحتاج إلى منهج من أربعة محاور؛ تتمثل في تعزيز النمو الاقتصادي عبر الإصلاحات الهيكلية؛ وتشجيع المزيد من التوازن في الطلب الكلي؛ وتخفيض الديون أمام البلدان التي يمكن أن تؤدي الديون المتراكمة لديها إلى الانهيار المحتمل؛ وأخيرًا التنسيق بين دول العالم في السياسات الاقتصادية المتبعة.

كما يقدم العريان كذلك العديد من النصائح  حول ضرورة الاهتمام بتطوير نظم التعليم، وتعزيز البنية التحتية، وتحسين القدرة التنافسية ومزيد من المرونة للعمالة، مع ضرورة إغلاق الثغرات الضريبية، وزيادة معدلات الضرائب الهامشية على الأغنياء من أجل تقليل عدم المساواة.

من ماذا يجب أن يحدث إلى ما الذي يمكن أن يحدث؟

يشير “العريان” في هذا الجزء من الكتاب إلى أنه من الصعب علينا كبشر أن نتوقع كيف سيكون الاقتصاد العالمي، نظرًا لأن العالم الذي يتسم بالتناقضات والتشعبات من الممكن أن يتحدانا كصناع قرارات، ومع ذلك يؤكد أن الإجراءات الاقتصادية الحكومية هي العامل الأكثر حسمًا في تحديد أي طريق للاقتصاد العالمي سيتم آخذه عند مفترق الطرق، وما إذا كانت هذه الإجراءات على وجه التحديد ستنجح في الانضمام إلى البنوك المركزية لمعالجة الدمج غير المعتاد بين القضايا الدورية وطويلة المدى والهيكلية، أو أنها لن تفعل ويبقى ما عدا ذلك غير قادر على المعالجة.

ولذا من الأهمية بمكان أن نضغط بأنه لا يوجد شئ محتوم في هذه المرحلة الحالية فيما يتعلق بالنتائج الاقتصادية العالمية، فالاختيارات أهم بكثير من القدر، وأن معظم الاختيارات التي نأخذ بها تتطلب عقليات مفتوحة وتنوعًا معرفيًا، وتحتاج إلى المقدرة على العمل بسلاسة خارج مناطق عملنا التقليدية.

مفاتيح التحول إلى التوزيع ذي النسقين:

ونظرًا لأنه لا توجد حالة يقين حول الطريق الذي سيتخده الاقتصاد العالمي عند مفترق الطرق (التوزيع ذي النسقين)، فقد اعتمد المؤلف على تحليلات العلوم السلوكية للإشارة إلى الأخطاء الأكثر شيوعًا التي تحدث في مثل هذه الظروف، التي تتمثل في التفاعل البشري مع الوظائف المختلفة؛ القرارات العمياء؛ التحيزات اللاوعية؛ والتحديات الأخرى المرتبطة بذلك، مع تقديم الإرشادات حول ما يمكن عمله لمعالجة تلك الأخطاء.

ولعل أبرز ما يؤكد حالة عدم اليقين التي نعيشها أن المشكلات جاءت من المناطق التي لم يتوقعها أحد وهي (الأسواق المتقدمة)، حيث آتت المشكلات متجاورة مع بعضها البعض، أجور منخفضة؛ أسعار فائدة منخفضة؛ ومع ذلك معدلات الاستثمار منخفضة كذلك؛ وبالتالي مستويات نمو منخفضة. وعلى الرغم من قيام الحكومات منذ حدوث الأزمة المالية بضخ المزيد من الأموال في الأسواق، إلا أن الفجوة ما زالت قائمة بين الأسواق المالية والاقتصاد الحقيقي.

وتتمثل أحد أهم الإرشادات التي قدمها “العريان” لقادة الشركات لمواجهة حالة عدم اليقين، هو التفكير بشكل مختلف في العالم بعيدًا عن تحيز القرارات التي تؤدي إلى اتباع نفس المسارات القديمة، ما يؤدي إلى زوال تلك الشركات، حيث من المتوقع في العصر الاقتصادي الجديد أن يأتي النجاح من أماكن غير متوقعة، ما يتطلب من الشركات تحقيق التنوع في القوى العاملة سواء من الجنس أو الجنسية أو الخلفية التعليمية أو الاقتصادية، ويستشهد “العريان” بالشركات العملاقة الحالية مثل “جوجل” التي عمدت إلى سياسة توظيفية بعيدة عن الأطر التقليدية التي تتمثل في المدارس والتعليم وأماكن العمل السابقة في السير الذاتية، إلى البحث عن الشغف والأفكار الخلاقة والشخصية الفعالة.

الخلاصة

يؤكد “العريان” في الجزء الأخير من الكتاب أنه يمكن العودة إلى المسار الصحيح عبر العديد من التطورات الإيجابية الموجودة حاليًا التي تتمثل في الطاقة الجديدة والاقتصاد التشاركي، والابتكارات في مجال الرعاية الصحية والتكنولوجيا الحيوية. ويمكن من خلال هذه التطورات توفير الأمل في تحقيق نمو أعلى مستقبليًا، لكن تحقيق ذلك يتطلب إرادة سياسية، وقدرة الحكومات على التدريب الحديث للقوى العاملة، وإعادة بناء الثقة في المؤسسات العالمية مثل البنك والصندوق الدوليين، وإنشاء أطر تشريعية تعمل على تحقيق العدالة في توزيع الثرورة مثل الإصلاح الضريبي. وإن كانت المخاوف تكمن في أن صانعي السياسة لم يبدوا أي قدرة تقريبًا على فعل ذلك خلال السنوات القليلة الماضية.

وأخيرًا؛ يمكن القول إن هذا الكتاب يعد دعوة عامة للرؤساء وأصحاب السلطة السياسية لضرورة الاعتراف بواجباتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مع ضرورة العمل مع صناع السياسات في البنوك المركزية من أجل تحقيق اقتصاد قائم على النمو الاقتصادي الشامل والمستقر.

إغلاق