بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

قراءات

عرض كتاب.. السامريون «الأشرار الدول الغنية والسياسات الفقيرة وتهديد العالم النامي»

الوسوم

شهدنا في الآونة الأخيرة اتباع الولايات المتحدة الأمريكية لسياسات حمائية، وفرض رسوم جمركية على بعض السلع، ونشوب حرب تجارية بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، هما “أميركا والصين” بفرض حواجز تجارية على بعضهم البعض.

الاقتصادي الكوري “ها- جوون تشانج” – عَمل سابقًا  كمستشار لدى البنك الدولي-  يتحدث في هذا الكتاب المعنون ( السامريون الأشرار.. الدول الغنية والسياسات الفقيرة وتهديد العالم النامي) عن  تاريخ  العولمة؛ الذي قسمها إلى شقين ينطوي الأول على تاريخ العولمة الرسمي، والتي تُظهر الصورة مضللة لتاريخ العولمة والتي تعد معلومة لدى الجميع، ليفسر بعد ذلك الشق الثاني وهو تاريخ العولمة الحقيقي (العولمة الأولى) أي في “حقبة الحكم الاستعماري والمعاهدات الجائرة) وممارسة التجارة الحرة التي فرضتها الدول الثرية على الدول الضعيفة مرغمًة لا مخيرة.

وعلى الوجه الآخر، نجد أن جميع الدول المتقدمة اليوم بما فيها بريطانيا وأمريكا حققا ثراءهما على قاعدة من السياسات التي تعارض عقيدة الاقتصاديات النيوليبرالية، على الرغم من أن كلتاهما موطنين مفترضين للسوق الحرة، فنجد أن بريطانيا عام 1932، فرضت تعريفات جمركية، لما شهدته من نجاح السياسات الحمائية في الدول المنافسة خاصة الولايات المتحدة في تطوير صناعاتها، في حين أن بريطانيا في الوقت ذاته فرضت التجارة الحرة بقوة الحكم الاستعماري والمعاهدات الجائرة.

وأخذت الدول الثرية في استخدام هذا الحماية والدعم  ومنها الولايات المتحدة الأمريكية، والتمييز ضد المستثمرين الأجانب، ما تمنعه بقوة المعاهدات الدولية مثل اتفاقيات منظمة التجارة العالمية وتحظرها المنظمات المالية الدولية ومنها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ولم يعد إلا دول قليلة هي التي لم تستخدم الكثير من الحماية.

وبدأ مؤلف الكتاب “ها- جوون تشانج” بانتقاد الليبرالية الجديدة التي ادعت أن المعجزة الاقتصادية الكورية، تحققت نتيجة لاتباعها استراتيجية التنمية الاقتصادية النيوليبرالية في الستينات والثمانيات، ولكن ما فعلته كوريا هو أنها عملت على تغذية صناعات جديدة محددة، واتخذت هذه التغذية شكل الحماية الجمركية والدعم المالي، إلى أن اشتد عود هذه الصناعات وأصبحت قادرة على المنافسة الدولية.

حيث كانت المعجزة الاقتصادية الكورية نتيجة مزيج براجماتي ناجع من المحفزات السوقية والتوجيه من الدولة، فالحكومة الكورية لم تقهر السوق كما كان دأب في الشيوعية، ولكنها لم تكن أيضًا تؤمن إيمانًا كاملًا بالسوق الحرة، في حين كانت الاستراتيجية الكورية تأخذ الأسواق مأخذ الجد، وكانت تدرك أيضًا أن الأسواق بحاجة  إلى التصحيح من خلال تدخل السياسة، ويمثل سر نجاح كوريا في مزيج دقيق من الحماية والتجارة المُنفتحة.

ولم يكن  المؤلف على يقين أن الحمائية هي المسببة للتنمية الاقتصادية، ولكنه يحاول أن يفسر أنه يمكن  للتنمية الاقتصادية أن تتعايش مع الحمائية، ويرى “ها-جوون تشانج” أن غالبًا ما تكون التجارة الحرة أفضل سياسة تجارية على المدى القصير لما تؤديه من زيادة الاستهلاك الحالي للبلد، ولكنها لم تعد السبيل الأمثل لتنمية الاقتصاد، فالتنمية بغير الحماية أمرر بالغ الصعوبة.

وفي ضوء هذا، تساءل مؤلف الكتاب :”لماذا لا توصي الدول الثرية اليوم الدول النامية باتباع الاستراتيجيات التي خدمتها فأحسنت خدمتها؟، ولماذا تطرح الدول المتقدمة بدلًا من ذلك تاريخيًا خياليًا للرسمالية وخياله ردئ أيضًا؟، حيث  نجد اليوم في الدول الثرية من يعظ الدول الفقيرة بالسوق الحرة والتجارة الحرة ليقتنص الواعظون نصيبًا أكبر من أسواق هذه الدول وليقوا أنفسهم من ظهور منافسين محتملين.

لذا، أطلق عليهم الاقتصادي “ها-جوون تشانج” لقب السامريون الأشرار وهم الذين يستفيدون من مآزق الآخرين، ويقومون هؤلاء بتوصية الدول الفقيرة بالسوق الحرة والتجارة الحرة، بأن هذان الطريقتان اللتان سلكتهما دولهم في الماضي فحققت الثراء لهم، ويوضح المؤلف أن العولمة دُعت نتيجة السياسة وليس التكنولوجيا كما يزعم السامرين الأشرار.

هذا، و يحلو للسامرين الأشرار أن يقدموا العولمة بوصفها نتيجة حتمية للتطورات المستمرة في تقنيات التواصل والنقل، ويحلوا لهم تصوير منتقديهم الراغبين في تهيئة العالم للركود الذين تجعلهم عدواتهم للنشاط الاقتصادي أعداء للفقراء، ويزعمون أن سبيل النجاة الوحيد من قوة المد التاريخي هي العولمة وهم بهذا يقدمون حلًا على غرار الواحد الملائم للجميع من “السترة الذهبية المكبلة” التي تعني؛ لكي يستقيم بلد ما مع العولمة لابد لها من خصخصة المشاريع المملوكة للدولة، والحفاظ على مستوى منخفض من التضخم، وتقليص حجم البيروقراطية الحكومية، وتحقيق موازنة الميزانية، وتحرير التجارة، ورفع قواعد الاستثمار الأجنبي، ورفع قواعد أسواق رأس المال، وجعل العملة قابلة للتحويل وتقليص الفساد وخصخصة صناديق التقاعد.

وفي سياق ذلك  تَزعم جميع الدول الناجحة أن ارتداء هذه السترة تكون في طريقها إلى الرخاء، واستخدموا ” الثالوث المُدنس” المتمثل في (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة الدولية) التي تكون خاضعة لسيطرة الدول الثرية لتقديم هذه السترة إلى الدول النامية.

أظهر الاقتصادي” ها-جوون تشانج” كيفية سيطرة بريطانيا على العالم؛ التي تعد نصيرة التجارة الحرة اليوم، ففي عام 1721 بدأ في جوهرة حماية الصناعات البريطانية التصنيعية من المنافسة الأجنبية وتشجيعها على التصدير، ولم تكن التعريفات هي السلاح الوحيد في السياسة التجارية البريطانية آنذاك، حيث فرضت حظرًا على الأنشطة الصناعية المتقدمة التي لم ترغب لها في التطور، حيث منعت إنشاء مصانع لف وتقطيع الحديد والصلب في أمريكا الذي يعد من المنتجات مرتفعة القيمة المضافة،  لترغمها على التخصص في صناعات أخرى منخفضة القيمة المضافة، وبعد تحولها إلى سياسة التجارة الحرة، أخذت في إحكام “إمبريالية التجارة الحرة”، فعندما كانت بريطانيا تريد توسيع سوق المنتجات الزراعية فأصبحت تغوي منافسيها إلى الارتداد إلى الزراعة.

إلى أن ظهرت قوة مضادة للسياسة التجارية البريطانية جاءت من الولايات المتحدة؛ التي فرضت بريطانيا عليها استخدامات التعريفات لحماية صناعاتها الجديدة ومنعتها من تصدير منتجات تنافس المنتجات البريطانية وفرضت محاذير على ما يمكن للأمريكيين تصنيعه، لتتبع مبدأ حماية ” الصناعات الوليدة”، وبدأت في رفع التعريفات الصناعية التي فرضها “لينكولن” وهو الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة، وبرر رفع هذه التعريفات، نتيجة  لحجم الإنفاق على الحرب الأهلية، وظلت التعريفات مفروضة على الواردات المُصنعة حتى الحرب العالمية الأولى وكانت حينذاك الأعلى في أي بلد في العالم، وكانت أيضًا أكثر بلاد العالم في الاقتصاد الأسرع نموًا واتجهت إلى إضعاف اقتصاديات الدول الأخرى ومنها ألمانيا.

بعد ذلك، حولت الولايات المتحدة مسار سياساتها و مناصرة قضية التجارة الحرة بعد الحرب العالمية الثانية، وتبنت نظامًا شبيهًا لـ”إمبريالية التجارة الحرة”، بعد أن تأكدت سيادتها الصناعية بدون أي منافسة، ولكنها ظلت تستخدم الإجراءات الحمائية اللاتعريفية عند اللزوم مثل مناهضتها لسياسة الإغراق، فعندما تحولت إلى تجارة أكثر تحررًا ظلت تشجع صناعات بعينها بوسائل أخرى من خلال تمويل جهود البحث والتطوير.

لذا، يتبين أن جميع الدول الثرية اليوم استخدمت مزيجًا من الحماية والدعم وفرض قيود من أجل تنمية اقتصادها وهي تختلف من دولة إلى أخر من حيث التوقيت وتفاوتت الاستمرارية، وليتضح أيضًا أن تلك الدول المتقدمة  قامت إكراه الدول النامية على سياسات السوق الحرة والتجارة الحرة بحجة أن المنتجين في الدول النامية بحاجة إلى التعرض لأكبر قدر ممكن من المنافسة، لكي يجدوا الحافز إلى رفع إنتاجيتهم من أجل البقاء.

فعلى مدار الربع قرن الأخير، حررت أغلب الدول النامية تجارتها بدرجة هائلة لنجد أن الدول ذات الدخل المنخفض لم تستطع أن تعوض إلا أقل من 30% من العائد الضريبي المفقود جراء تحرير التجارة خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، ونتيجة لذلك التناقص في العائد أصبح هناك انكماشًا في الإنفاق على قطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة والبنية الأساسية المادية، فالدول المتقدمة لا تريد أن يظهر لها المزيد من المنافسين من خلال إتباع السياسات الوطنية التي استخداماتها هي نفسها بنجاح في الماضي.

ففي حالة قيام الدول الفقيرة بالتصدير إلى الدول الثرية فإنها تواجه تعريفات أعلى من التي تواجهها الدول الثرية، لذا الدول النامية بحاجة إلى السماح لها بحرية استخدام أدوات تعزيز الصناعات الوليدة مثل التعريفات الجمركية والدعم وتنظيم الاستثمار الأجنبي،  فالتبادل التجاري يساعد على التنمية الاقتصادية ولكن حينما تقوم بلد ما بتوظيف مزيج من الحماية والتجارة المُنفتحة،  فالتبادل التجاري أهم من اقتصاديات التجارة الحرة بالنسبة للتنمية الاقتصادية.

فالتجارة الحرة تطالب الدول الفقيرة أن تنافس مع منتجين أجانب أكثر تطورًا، فيفضي ذلك إلى هلاك الشركات قبل أن يتسنى لها اكتساب القدرات اللازمة.

اتجه المؤلف بالحديث عن الاستثمار الأجنبي في الفصل الرابع، ليوضح الحجة المعيارية القائلة بأن تنظيم الاستثمار الأجنبي يضير بآفاق نمو لاقتصاد، وتناول مشكلات الاستثمار الأجنبي خاصة في الدول النامية على المدى البعيد، حيث يجلب الاستثمار الأجنبي أخطارًا تفوق ما يجلبه من منافع وهو ما يعترف به النيولبراليون، ونجد أن أغلب الدول الثرية اليوم قامت بتنظيم الاستثمار الأجنبي عندما كانت الطرف المتلقي له خاصة الولايات المتحدة، التي تعده أخطر من القوة العسكرية وتمثله عدوًا لها.

فسياسة الاستثمار الأجنبي الليبرالية، التي تتيح للشركات الأقوى دخول البلد النامي، ستحد على المدى البعيد من نطاق القدرات التي يمكن للشركات المحلية أن تراكمها.

وعليه، لم تتبن أي للدول الثرية من قبل منهج دعه يعمل في علاقتها مع الشركات العابرة للجنسيات، ليطرح سؤالًا لماذا تحرص الدول الثرية” السامرية الشريرة” على جعل الدول النامية توقع كل هذه الاتفاقيات الدولية التي تقيد قدرتها على تنظيم الاستثمار الأجنبي؟ فالدول الثرية يحسبون إن حررت الدولة الاستثمار الأجنبي المباشر من القواعد التنظيمية، فإن التدفق  الاستثماري إليها، سوف يزداد بما يساعد النمو الاقتصادي، في حين أن الاستثمار الأجنبي يتبع النمو الاقتصادي أكثر مما يتسبب فيه، فإن الشركات الأجنبية لم تدخل دولة  مالم يعد سوقها مغريًا وجاذبًا  لهذه الشركات، فعلى الدول أن تجعل النمو يبدأ قبل أن يبدأ الشركات متعددة الجنسيات بها.

إن الاستثمار الأجنبي المباشر قد يساعد على التنمية الاقتصادية ولكن ذلك في حالة دخوله كجزء من استراتيجية تنموية بعيدة المدى ولكن في أغلب الدول تعتبر تحقيقه في المدى القصير،  وقد ينفع تنظيم الاستثمار الأجنبي المباشر الشركات الأجنبية على المدى البعيد،  هذا بجانب أن هناك دولًا نجحت ومازالت تنجح من خلال تنظيم الفعال للاستثمار الأجنبي، ولكن الدول الثرية جعلته مستحيلًا في البلاد النامية بحجه أنه يمنع تحقيق التنمية الاقتصادية.

وبعد ذلك ، انتقل بالحديث عن خصخصة المشاريع المملوكة للدولة؛ ما يمتلكها كل المواطنين ملكية جماعية، ويستأجرون مدراء محترفين برواتب ثابتة لإدارتها، وبدأ بسؤاله  لماذا يرى السامريون الأشرار أنه لا بد من خصخصة المشاريع المملوكة للدولة؟ وكانت حجتها في ذلك أن الأفراد لا تعتني الاعتناء  بأشياء ليست أشياءها، فنرى أن جميع الأسباب التي يوعز إليها أداء المشاريع المملوكة للدولة تنطبق على كبرى شركات القطاع.

ويرى “ها- جوون تشانج”  أن الفكر النيوليبرالي للمشاريع المملوكة للدول لم تعد صحيحًا، حيث هناك مشاريع مملوكة للدولة ذات أداء جيد وسرد بعد ذلك قصص ناجحة لملكية الدولة،  وهناك مشاريع جيدة مملوكة للدولة، وهناك مشاريع رديئة مملوكة للدولة، وقد تنفع الخصخصة حينًا وتكون في حين آخر وصفة للخراب، وغالبًا ما يمكن تحسين أداء المشاريع المملوكة للدولة بدون الخصخصة، وخاصًة في الدول النامية المفتقرة إلى القدرات التنظيمية اللازمة.

وهناك مشاريع مثل مشاريع الصناعات التي تمثل  احتكارات عامة، والصناعات المتعلقة باستثمارات ضخمة ومخاطرة مرتفعة، والمشاريع العاملة في خدمات ضرورية، هنا ينبغي أن تكون مملوكة للدولة، ولم يكن هناك قاعدة حاسمة تحدد ما الذي يؤدي إلى نجاح مشروع مملوك للدولة، لذا عندما يتعلق الأمر بإدارة مشروع، نكون بحاجة إلى موقف برجماتي.

هل من الخطأ “استعارة” الأفكار؟ هنا بدأ “ها- جوون تشانج ” بداية فصله السادس، كان اليبراليون في القرن التاسع عشر المناهضون لبراءات الاختراع مخطئون، حيث عجزوا عن إدراك حقيقة أن منافع بعض أشكال احتكار الاختراع أكبر من تكاليفها، فحماية الصناعات الوليدة تؤدي بالفعل إلى العجز، باصطناعها سلطة احتكارية للشركات المحلية، ولكن على المدى البعيد قد يعوض أضرار الاحتكار بتوليد أفكار جديدة تزيد الإنتاجية، وتعد المشكلة الأشد الأكثر ضررَا لبراءة الاختراع هو حبس التدفق المعرفي عن الدول المتخلفة تكنولوجيًا التي تحتاج تكنولوجيا أفضل من أجل تنمية اقتصادها، لذا فأن استعارة أفكار من أجانب أكثر إنتاجية هو أمر جوهري للتنمية الاقتصادية.

واستكمالًا لذلك، بدأت الدول في سباق التسلح التكنولوجي، الذي بدأ مع ظهور التقنيات الصناعية الحديثة التي تتفوق في قدراتها الإنتاجية تفوقًا كبيرًا على التقنيات التقليدية، وكانت بريطانيا حينذاك القوة الصناعية الرائدة في العالم وأخذت في إقامة حواجز قانونية تمنع انتقال التكنولوجيا، وقامت الدول الأخرى سعيًا للحاق ببريطانيا من خلال الحصول على التقنيات المتقدمة سواء بطريقة مشروعة أو غير مشروعة.

أما فيما يتعلق بالدول النامية لن تحصل عي شيء في مقابل تزايد رسوم التراخيص والنفقات الإضافية المتعلقة بحماية الملكية الفكرية، في حين أن الدول الثرية حينما  تزيد من حماية  حقوق الملكية الفكرية فهي تتوقع زيادة في الابتكار، فيرى “ها- جوون تشانج” على الدول الثرية أن تعين الدول النامية على تطوير قدرات استخدام التكنولوجيا الأكثر إنتاجية وتطويرها، وطرح فكرة إنشاء ضريبة دولية على عوائد براءات الاختراع وتستخدم ذلك في توفير الدعم التكنولوجي للدول النامية.

وتبعًا لسياسات صندوق النقد الدولي التي تمثل يد يعدها السامريون الأشرار، التي تتدخل حينما تقع الدول النامية في أزمة ميزان المدفوعات، يكون توقيع اتفاقية تمويل لهذه الدول ضرورة في هذا الوقت، حيث تعقد الدول الثرية أن الدول النامية ليس لديها من الانضباط الذاتي ما يجعلها تعيش في حدود إمكانياتها، وبهذا التمويل من المؤسسات المالية يصبح التضخم هو العدو الأول للدولة المُقترضة، “فالتضخم هو ضرب من ضروب الضرائب يفرض بلا قانون”.

ويذهب الاقتصاديون النيولبراليون إلى أن هناك شيئين ضروريان للمحافظة على التضخم عند مستوى منخفض، من خلال أن يكون هناك انضباط نقدي؛ أي لا يزيد المعروض النقدي عن الحد اللازم، والثاني أن يكون هناك حرص مالي ؛ أي لا ينبغي أن تعيش الحكومة في ما يتجاوز حدود إمكانياتها، والذي لم يعد حكرًا في وقتنا على الحكومات فأصبح هناك إفراط من قبل القطاع الخاص والمستهلكين في الإقراض.

ولكن هل التضخم يضر النمو؟،  نجد أن كثيرًا من الاقتصاديين النيولبراليين يعترفون أن أقل من 10% من التضخم لا يترك أثرًا عكسيًا على النمو الاقتصادي، وهناك اقتصاديين من البنك الدولي بينوا أن معدل التضخم ما دون 40% لا توجد علاقة بين التضخم والنمو الاقتصادي بل إنهما أثبتوا انه كلما ارتفع التضخم فوق 20% كان ذلك أكثر ارتباطًا بارتفاع النمو، مثل البرازيل التي بلغ معدل التضخم في فترة الستينات والسبعينات نحو 42% ورغم ذلك كانت البرازيل من أسرع اقتصادات العالم نموًا  في الوقت ذاته، وكوريا أيضًا.

لذا، ما هو سر هوس النيوليبرالين بالتضخم؟،  يعد السيطرة الشديدة على التضخم هي “سلاح ذو حدين”، حيث يلحق التضخم الضرر بالأفراد ذو الدخل الثابت وهم بمثابة أضعف قطاعات السكان والتي تعد المستويات المنخفضة تعد نعمة لهم على طول الخط، إما بالنسبة للعمال ذو دخل متغير ففي ظل المستويات المُنخفضة فهي أكثر حماية لدخولهم ولكنها تقلل دخولهم المستقبلية.

في حالات الركود، تلجأ الدول الثرية إلى تخفيف سياستها النقدية وزيادة عجوزات الميزانية، إما في الحالة الدول النامية، نجد أن الدول الثرية من خلال صندوق النقد الدولي يرغمونها على رفع أسعار الفائدة، بجانب موازنة ميزانياتها أو حتى تحقيق فوائض بها، فهم يفرضوا على الدول النامية سياسات تعوق بشدة قدراتها على الاستثمار والنمو وخلق وظائف على المدى البعيد، وفي حال تجاوز إمكانياتها  أصبح من المستحيل على هذه الدول أن تقترض لتستثمر تسريعًا للنمو الاقتصادي.

وتحت عنوان ” هل يضر الفساد التنمية الاقتصادية؟” نجد أن السامريون الأشرار انطلاقًا من حججهم الاقتصادية النيوليبرالية، إن الطريقة المثلى للتعامل مع الفساد هي إدخالا لمزيد من القوى إلى السوق في كل من القطاعين الخاص والعام، فهم يروا أن تحرير قوى السوق في القطاع الخاص وهو تحريره من القواعد التنظيمية سيقلص من الفساد بحرمان البيروقراطيين من سلطات تخصيص الموارد التي تمكنهم من الحصول على الرشاوي في المقاوم الأول.

ولكن نرى أنه غالبًا ما يوجد فساد بسبب وجود قوى سوقية أكثر من اللازم، كما أنه من خلال تخفيف القواعد التنظيمية  قد يزيد من الوضع سوًء، لذا نجد أن الدول النامية التي اتبعت سياسات السامرين الأشرار تزايد لديها الفساد بدلًا من أن يتراجع، وعلاوة على ما سبق نجد أن الديموقراطية قضية تشغل النيوليبرالين، فهل الديمقراطية والأسواق يعزز كل منهما الآخر؟ فوفقًا لرؤية النيوليبرالين للديمقراطية أنها تعزز الأسواق الحرة، فهم يروا أنه في ظل الديمقراطية، فيكون بوسع الأسواق الحرة أن تنتعش ما يدفع لتحقيق التنمية الاقتصادية، ولكن خلافًا لذلك أن  القرارات الديمقراطية تخرب منطق السوق القائم على منح الأثرياء وزنًا أكبر.

ووضح “ها-جوون تشانج” على الدول لزيادة قدراتها أن تبدأ بالصناعة، رغم ما يوصي به اقتصاديو التجارة الحرة وهو التركيز على الزراعة وتنمية الخدمات، ولكن التصنيع هو طريق الرخاء الأهم وإن لم يكن الوحيد ضاربًا بأمثال في عدة دول كان نجاحها قائم على التصنيع، فالاستثمار في بناء القدرات يستوجب تضحيات على المدى القصير.

ودعا “ها-جوون تشانج” الدول النامية أن تعصي السوق وتعد إلى تعزيز أنشطتها الاقتصادية التي تحقق لها زيادة إنتاجية على المدى البعيد، وخاصًة في مجال التصنيع،  واختتم المؤلف كتابه بالحديث بنبرة تفائل مخاطبًا الدول الثرية، من خلال  كيف يمكن للسامريين الأشرار جعلهم عونًا حقيقيًا للدول النامية على تحسين أوضاعهم الاقتصادية.

المصدر: “ها- جوون تشانج، السامريون الأشرار “الدول الغنية والسياسات الفقيرة وتهديد العالم النامي ( القاهرة: الكتب خان للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 2017)

إغلاق