بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتقديرات

أثيوبيا بعد اختيار أبي أحمد.. تحديات معقدة ومسارات متشابكة

الوسوم

ألقت عملية الانتقال المتعثر للسلطة في أثيوبيا الضوء عل مستقبل نظامها السياسي خلال المرحلة الجديدة، حيث تثار حاليا العديد من التساؤلات حول موقف رئيس الوزراء الجديد من القضايا الداخلية والخارجية وكيفية معالجتها مستقبلا.

اختيار أو تصعيد أبي أحمد لسدة الحكم في أثيوبيا جاء بعد مفاوضات ومساومات بين شركاء الائتلاف الحاكم “الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الأثيوبية” التي لا تزال حركة تحرير التيجراي تحتفظ بمراكز القوى فيه، الأمر الذي يدفعنا لإثارة مزيد من التساؤلات حول إن كان اختيار أبي أحمد مجرد امتداد طبيعي للسياسة الأثيوبية التي أرسى دعائمها رئيس الوزراء السابق “ميلس زيناوي” فور سقوط نظام الديرغ، أم أن لـ”أبي أحمد” رؤى أخرى حول مستقبل السياسة الأثيوبية.

أشعل اختيار أبي أحمد حماسة العديد من المتابعين للشأن الأثيوبي لكونه أول رئيس وزراء لأثيوبيا من أصول مسلمة ومن عرقية الأورومو، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام العديد من التكهنات حول مستقبل السياسة الخارجية الأثيوبية وتعاملها مع قضاياها الشائكة مع الدول العربية والإسلامية مثل الموقف من سد النهضة.

التكهنات السابقة أصيبت ببعض الإحباط بعد فشل جولة المفاوضات الأخيرة حول سد النهضة التي انطلقت فعاليتها في العاصمة الخرطوم يوم 5 إبريل 2018، وتعد تلك المفاوضات هي الاختبار الخارجي الأول لسياسة أبى أحمد الخارجية، حيث جاء موقفه مطابقا لموقف سابقيه من القضية بل أكثر تشددا حيث سبق أن أكد خلال خطابه الأول بعد أداء اليمين الدستورية على أهمية تشيد السد باعتباره قاطرة النمو الاقتصادي في بلاده وأنه رمز للسلام الاجتماعي بين مكونات المجتمع الأثيوبي(1).

أعطى الموقف الأثيوبي الأخير بعض النقاط الكاشفة حول مسارات السياسة الأثيوبية سواء كانت الخارجية أم الداخلية في المرحلة المقبلة في ظل تولي “أبي أحمد” سدة الحكم والسلطة في أثيوبيا ما ستحاول الدراسة استشرافه من خلال استعراض التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ينبغي على “أبى أحمد” مواجهتها في بناء مسارات سياسته في حكم أثيوبيا.

أولاـ الاختيار الأنسب:

قبل الشروع في قراءة التحديات ورسم المسارات السياسية ينبغي التنويه إلى أن اختيار “أبي أحمد” كان الأنسب والأفضل لتولي منصب رئيس الوزراء، لوجود العديد من العوامل التي تضافرت معا ودفعت الجبهة الثورية للشعوب الأثيوبية إلي تنصيبه، ومن هذه العوامل:

• الانتماء الإثني:

شكلت الاحتجاجات الأورومية المستمرة منذ الانتخابات البرلمانية الأخيرة 2015، التحدي الأبرز للنظام السياسي الأثيوبي ووضعت مستقبله على المحك خاصة بعد تقديم رئيس الوزراء ديسالين استقالته في بداية عام 2018، ما يؤكد فشله وفشل النظام في مواجهة الاضطرابات المستمرة في إقليم أوروميا، خاصة بعد اشتداد الأصوات المطالبة بتفعيل الحق الدستوري الذي يمنح تلك الجماعات حق تقرير مصيرها.

لذا كان يتعين على الائتلاف الحاكم “الجبهة الثورية” امتصاص تلك الاضطرابات السياسية عبر السماح لمنتمي جماعة الأورومو بتولي المناصب السياسية الحساسة في البلد كنوع من الموائمة مع جماعة الأورومو المضطربة سياسيا.

قوبل اختيار أبي أحمد كرئيس للوزراء بارتياح مشوب بالحذر داخل صفوف جماعة الأورومو، حيث نجحت الأداة الإعلامية والدعائية الأثيوبية في تصوير اختيار “أبي أحمد”  بأنه نصرا سياسيا جديدا لجماعة الأورومو المسلمة ما أدى إلى تخفيف وتيرة الأحداث فعلا داخل المجتمع الأورومي.

• التسامح الإثني الديني:

أبي أحمد دون غيره من القيادات السياسية الأورومية الموالية للنظام السياسي امتلك ميزة جعلته الأنسب لتولي المنصب ألا وهي تسامحه الإثني والديني، فأبي أحمد ولد لأب أورومي مسلم وأم أمهرية مسيحية، وتجلى هذا على أرض الواقع حين نجح مرات عديدة في إيقاف مصادمات وحرب طائفية في مسقط رأسه في مدينة بيشاشا بين المسلمين والمسيحيين(2)، أي أن اختيار أبي أحمد لم يكن فقط ترضية لجماعة الأورومو بل أيضا لجماعة الأمهرا التي باتت تعاني هي الأخرى من التهميش السياسي خلال السنوات الأخيرة.

الأمر الأخر الذي ساهم في تعزيز فرضية التسامح الإثني لدى “أبي أحمد” هو أنه تيجراني الهوى فمسيرة حياة أبي أحمد كانت حافلة من التقرب والتودد لجماعة التيجراي ففي البداية عمل على الالتحاق بالجيش والأجهزة الاستخباراتية الأثيوبية والتدرج فيها مع العلم أن تلك المؤسسات تسيطر عليها التيجراي بشكل كبير جدا، كما حرص أبي أحمد على تعلم وإتقان اللغة التيجرانية وأصبح من متحدثي اللغة التجيرانية(3).

• الخلفية العسكرية والأمنية:

الأمر الأخر الذي عزز من فرص أبي أحمد ألا وهو خلفيته العسكرية والأمنية، فأبي أحمد خدم في الجيش الأثيوبي منذ أن كان طفلا في الرابعة عشر من عمره وتدرج في صفوفه.(4)

كان أبي أحمد مقاتلا في صفوف منظمة أورومو الديمقراطية الشعبية  OPDO أثناء الثورة على نظام منجستو عام 1991 وساهم خلال تواجده في ميلشيات OPDO في دخول العاصمة أديس أبابا وطرد نظام الديرغ، ثم التحق بعد ذلك بصفوف الجيش الفيدرالي الأثيوبي وتدرج في صفوفه وأصبح نائب مدير “وكالة أمن المعلومات” وهي جهاز مخابرات داخل الجيش مهمتها تقديم الاستشارات والمعلومات الاستخباراتية للحكومة(5).

من المؤكد أن الخلفية العسكرية الاستخباراتية لأبي أحمد ستجعله مدركا بشكل جيد لمكامن القوة والخطر داخل النظام الأثيوبي، كما ستجعله أكثر حساسية إزاء السياسات التي من شأنها تغيير موازين القوى بين الجماعات الإثنية في الداخل الأثيوبي، فمن المعروف أن جماعة التيجراي تسيطر بشكل كبير على الجيش والمخابرات في أثيوبيا وبالتالي أي تغيير في تلك الموازين سيتبعه رد فعل ما من الجيش الأثيوبي، لذا من المؤكد أنه سيتجنب غضب الجيش والمخابرات في المرحلة المقبلة.

•رجل دولة:

أبي أحمد رجل دولة بالمعني الحقيقي المتعارف عليه، حيث تدرج وتقلب في أروقة السلطة والحكم في أثيوبيا، بدأ من مقاتل في الميلشيات الأورومية إلى جندي في الجيش إلى قائد في المخابرات، ثم التحول إلى الحياة المدنية السياسية حيث أصبح عضوا في البرلمان، ثم وزير للعلوم والتكنولوجيا في حكومة ديسالين ثم رئيسا للحزب المنتمي إليه.

• قيادة كاريزمية جديدة:

لعل من أهم الأسباب التي أدت إلى فشل ديسالين ودفعته إلي تقديم استقالته ألا وهو افتقاده لعنصر الكاريزما الشعبية والسياسية التي تمتع بها سابقه ميلس زيناوي، فالكاريزما الشخصية بالتأكيد تلعب دورا كبيرا في المجتمعات المنقسمة إثنيا وذاتيا فقد رأينا أن زيناوي نجح في الماضي في لم شتات حركات التحرير الأثيوبية الموالية للجماعات الإثنية وتكوين جبهة متحدة ضد نظام منجستو ونجح أيضا في تثبيت النظام السياسي والانطلاق به نحو تحقيق العديد من الإنجازات الاقتصادية والإقليمية، واليوم نجد أن أبي أحمد يمتلك كاريزما مشابهة لكاريزما زيناوي قد تمكنه من تجاوز الاضطرابات السياسية الأخيرة، ولعل أهم ما يعزز كاريزما “أبي أحمد” ألا وهو صغر سنة 41 عاما ما قد يستقطب الشباب للالتفاف حوله باعتباره ممثل جيل الشباب.

مما سبق نستنتج أن العوامل السابقة تضافرت معا وجعلت اختيار أبي أحمد ليس فقط الاختيار المناسب لتولى السلطة والحكم في أثيوبيا بل أيضا المنقذ والمخلص للجميع من الأزمات فالائتلاف الحاكم بات يعول علي قدرته في إنهاء الاضطرابات السياسية في إقليم الأورومو، وجماعة الأورومو تعول عليه في إنهاء معاناتها المستمرة من التهميش والإقصاء، في الوقت الذي تنظر إليه جماعة الأمهرا على أنه وسيلة لاستعادة مكانتها من جديد في المجتمع الأثيوبي.

ثانياـ تحديات معقدة:

يواجه “أبي أحمد” حاليا العديد من التحديات المعقدة التي ساهمت في الفترة السابقة في تعقيد الأزمة السياسية والاقتصادية في الداخل الأثيوبي ودفعت به إلى سدة الحكم في البلاد، البعض من تلك التحديات مرتبط ببنية النظام السياسي الأثيوبي حيث التوافقية والفيدرالية الإثنية والبعض الأخر متعلق بالتردي الاقتصادي الأثيوبي وفشل الحكومات السابقة في إنجاز انطلاقات ونجاحات اقتصادية كبرى رغم ما يروجه النظام عن تدشين المشروعات القومية العملاقة التي ستشكل قاطرة للنمو والتنمية في أثيوبيا، ولا ينبغي إغفال التحديات الإقليمية التي تواجه النظام السياسي ومدى ارتباطها واتساقها مع التحديات الداخلية، فالتحديات الإقليمية لها تأثير متعاظم على الداخل الأثيوبي مثل العلاقات مع إريتريا والموقف من سد النهضة فضلا عن الجهود الأثيوبية في محاربة الإرهاب في الداخل الصومالي، وسيتم توضيح تلك التحديات في النقاط التالية:

• اختلالات بنيوية واضطرابات سياسية متواصلة:

يعاني النظام السياسي الأثيوبي من اختلالات بنيوية حادة خلفتها قرون متواصلة من التهميش السياسي والاقتصادي لبعض الجماعات، الأمر الذي أفرز اضطرابات سياسية متواصلة تكاد لا تنقطع، فالاضطرابات السياسية في أثيوبيا وصلت إلى مرحلة المطالبة بحق تقرير المصير لبعض الجماعات.

تبنت أديس أبابا نظرية الديمقراطية التوافقية في مرحلة ما بعد منجستو لتحقيق العدالة بين الجماعات الإثنية المختلفة من خلال تمثيل الجماعات الإثنية في الزمرة الحاكمة عبر ائتلاف موسع من الأحزاب الإثنية مثل الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الأثيوبية التي تضم 4 أحزاب تعبر عن الجماعات الإثنية الأربع الرئيسية.

بالإضافة إلى تشكيل الجبهة الثورية، اتبعت أثيوبيا نظاما فيدراليا متطرفا يتيح لكل جماعة أن تفرض سيطرتها على المناطق الخاضعة لها وفرض قوانينها الخاصة فضلا عن حقها في تقرير مصيرها.

الصيغة السياسية التوافقية التي ابتدعها ميلس زيناوي بعد سقوط نظام منجستو لم تفلح في بناء نظام سياسي سليم يحقق التوافقية والعدالة بين الجماعات الإثنية المختلفة، حيث جري إفراغ الفيدرالية الإثنية من مضمونها السياسي والقانوني عن طريق تغول السلطات المركزية للحكومة في أديس أبابا واحتكارها لكافة مصادر القوة، كما تحول الائتلاف الحاكم في أثيوبيا إلى ما يشبه كارتل سياسي بين مجموعة الأحزاب الإثنية المحتكرة للحياة السياسية الأثيوبية، هذا بالإضافة إلي احتكار حركة تحرير التيجراي المكون الرئيسي للائتلاف الحاكم لكافة موارد الدولة الاقتصادية والهيئات الحكومية الحساسة كالجيش والمخابرات.

وإزاء فشل الديمقراطية التوافقية الأثيوبية استمرت الاضطرابات السياسية خاصة في الأقاليم المحرومة مثل أوروميا التي تشهد اضطراب متواصل منذ الانتخابات البرلمانية التي جرت عام 2015.

لذا على رئيس الوزراء الجديد أبي أحمد العمل على تصحيح الاختلالات البنيوية التي يعانى منها النظام السياسي من أهمها سيطرة جماعة التيجراي على الموارد الاقتصادية والمناصب الحساسة في الجيش، فبقاء الوضع كما هو عليه يعني استمرار الاضطرابات السياسية وفشل النظام السياسي بقيادة “أبي أحمد”.

• نمو اقتصادي سريع مصحوب بمعدلات فساد مرتفعة:

حققت أثيوبيا طبقا لتقارير البنك الدولي معدلات نمو مرتفعة للغاية حيث بلغ متوسط النمو حوالي 10.5% خلال الفترة الممتدة من 2005/2006 إلى العام 2015/2016 في حين كان متوسط معدل النمو الاقتصادي في أفريقيا عموما حوالي 5.4 %.(6)

علي الرغم من معدلات النمو المرتفعة التي حققها الاقتصاد الأثيوبي خلال العقد الأخير إلي أن معدلات الفقر مرتفعة للغاية فمثلا تتذيل أثيوبيا تقرير التنمية البشرية لعام 2016 حيث تحتل المرتبة 174 من أصل 188 دولة (7)، كما تحتل أثيوبيا مرتبة متأخرة في مؤشر الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية إذ تحتل المرتبة 107  في الفساد من أصل 180 دولة(8).

نستنتج من أرقام المؤشرات السابقة أن الفساد السياسي والاقتصادي في أثيوبيا يبتلع طفرة النمو الاقتصادي التي حققتها أثيوبيا خلال المرحلة الأخيرة، ما يؤدي إلى شعور الجماعات الإثنية بالحرمان الاقتصادي ما يدفعها إلى الاضطرابات السياسية.

من هنا نجد أن أبي أحمد مطالبا بالمحافظة على معدلات النمو المرتفعة التي يحققها الاقتصاد الأثيوبي خلال المرحلة الأخيرة  من ناحية ومن ناحية أخري محاربة الفساد المستشري في المجتمع الأثيوبي.

• نفوذ وتوتر إقليمي:

سيتم هنا التركيز على نقطتين فقط هما الموقف من الأزمة مع إريتريا وسد النهضة.

• العلاقات مع إريتريا:

تتمتع أثيوبيا بنفوذ إقليمي قوى في منطقة القرن الأفريقي جعلها ركيزة السياسات الأمريكية في تلك المنطقة، فالولايات المتحدة تعتمد على الجيش الأثيوبي في مواجهة التنظيمات المتطرفة في الصومال، ففي عام 2006 دعمت واشنطن العملية العسكرية الأثيوبية في الصومال لإسقاط نظام المحاكم الإسلامية.

على الرغم من النفوذ الإقليمي الذي تتمتع به أثيوبيا إلي أنها تحظى ببعض التوترات الإقليمية من أهمها العلاقات مع جارتها إريتريا فضلا عن الصراع الدبلوماسي مع الجانب المصري حول التأثيرات الفنية لسد النهضة.

نجحت إريتريا في الحصول على استقلالها عن أثيوبيا عام 1993 بعد حرب طويلة بين الجيش الأثيوبي وحركة التحرير الإريترية، ولم تلبث أن دخلت العلاقات بين البلدين في نفق مظلم بعد أن اندلعت حرب حدودية (1998 ـ 2000) بينهما انتهت باحتلال أثيوبيا لمدينة بادمة الإريترية وتطالب أسمرة حاليا باستعادتها، وخلفت الحرب حوالي 70 ألف قتيل بين الجانبين، ومن هنا نعتبر أن كيفية صوغ العلاقات مع إريتريا سيشكل تحديا كبيرا لسياسات “أبي أحمد” خلال الفترة المقبلة.(9)

• سد النهضة:

من المقرر خلال الشهور القليلة القادمة أن تتم عملية ملء سد النهضة ما يفرض تحديا إقليميا قويا أمام “أبي أحمد” حول كيفية طمأنة الجانب المصري بشأن عدم تضرر حصة مصر من مياه النيل ضررا بالغا.

خلال الفترة الماضية نجحت الدبلوماسية الأثيوبية في تحقيق العديد من المكاسب السياسية على حساب الدور المصري فمثلا في البداية نجحت في استقطاب معظم دول المنابع إلي صفها والتوقيع على اتفاقية مشتركة (اتفاقية عنتيبي 2010) قاطعتها كل من مصر والسودان، كما استغلت أثيوبيا الاضطرابات السياسية المصرية وشرعت في بناء السد حتي أوشكت على الانتهاء منه في عام 2018.

اتبعت أثيوبيا خلال السنوات السبع الماضية تكتيكا تفاوضيا يعتمد على إطالة الوقت والتأجيل المتلاحق حتى تتمكن من فرض السد كأمر واقع على المفاوض المصري وإضعاف موقفه فمثلا عقدت 17 جولة تفاوضية بين الطرفين حول أثار السد انتهت تلك المفاوضات في نوفمبر 2017 بالفشل واستمرت أثيوبيا في عملية البناء.

ستظهر في الفترة اللاحقة آثار السد وعملية الملء علي الجانب المصري لذا على الحكومة الأثيوبية العمل حاليا على امتصاص الغضب المصري إذا تعاظمت الآثار الضارة للسد على حصة مصر من مياه نهر النيل.

ثالثاـ مسارات متشابكة:

مسارات السياسة الأثيوبية خلال الفترة المقبلة تتسم بالتشبيك والتعقيد، فالمسارات الداخلية تتقاطع وتتماس مع المسارات الخارجية، فمثلا مسار مواجهة المخاوف المصرية من سد النهضة بالتأكيد يتقاطع مع الأزمة الداخلية الأثيوبية، فمن ناحية تحاول أديس أبابا طمأنة الجانب المصري ومن ناحية أخرى تريد الإسراع من بناء السد لتحقيق نمو اقتصادي فعال يعود بالنفع على الجماعات المحرومة والمهمشة.

كما ينعكس مسار العلاقات مع إريتريا على الواقع الاقتصادي الأثيوبي فخلال الفترة الماضية كانت تعتمد أديس أبابا على موانئ جيبوتي من أجل الاتصال بالعالم الخارجي في ظل القطيعة السياسي مع النظام في أسمرة، وفي حال تخفيف التوترات بين الجانبين الإريتري والأثيوبي في عهد أبي أحمد من الممكن أن تنشط التجارة الأثيوبية مع العالم عبر موانئ إريتريا.

وعلي كل حال يمكن تلخيص مسارات السياسة الأثيوبية سواء الداخلية أو الخارجية  في النقاط التالية:

• احتواء الجماعات الغاضبة:

ذكر من قبل أن اختيار أبي أحمد جاء لترضية جماعتي الأورومو والأمهرا الغاضبتين، ومن خلال استقراء مواقف أبي أحمد خلال الفترة الأخيرة تبين أنه يسعى إلي تبني استراتيجيه احتواء للجماعات الغاضبة عن طريق مداعبة أحلامهم وطموحاتهم من خلال:

◘ الوعد بتنفيذ سياسات اقتصادية طموحة تعالج البطالة والاحتقان الاجتماعي فضلا عن مواجهة الفساد المستشري في المجتمع الذي يلتهم عوائد النمو الاقتصادي.

◘ الإيماء بالتصالح المتدرج مع الجماعات المعارضة من خلال إبداء التعاطف مع الضحايا الذين سقطوا خلال الاضطرابات الأخيرة واللجوء إلى رفع حالة الطوارئ ثم إجراء انتخابات برلمانية تحظي فيها المعارضة ببعض المقاعد المناسبة. (10)

• الإيهام بالديمقراطية:

من ضمن المسارات التي سيتم إتباعها في الفترة المقبلة في أثيوبيا ألا وهو الإيهام بالديمقراطية الجديدة في أثيوبيا، فمن المؤكد أن أبي أحمد سيعمل على تجديد دماء النظام الحاكم بالتخلص من بعض القيادات القديمة والدفع ببعض القيادات الجديدة التي مثل جيل الشباب في الجماعات الإثنية المختلفة مع إعطاء بعض التفضيل الطفيفة  لجماعتي الأورومو والأمهرا في الوقت الذي ستحتفظ فيه جماعة التيجراي بالنفوذ التقليدي في الجيش والمخابرات.

• تجاهل المخاوف المصرية:

سيسير مسار العلاقات المصرية الأثيوبية كما هو عليه الآن حيث تتعمد أديس أبابا تجاهل المخاوف المصرية الخاصة بالسد النهضة، إلا أن المرحلة المقبلة ستكون الأشد والأصعب على الطرفين خاصة مع بدء ملئ بحيرة السد واحتمال تعرض مصر لحالة من الجفاف وضعف منسوب المياه فضلا عن ضعف القدرات المصرية في توليد الطاقة الأمر الذي قد يدفع القاهرة إلى اتخاذ سياسات أكثر حدة تجاه الجانب الأثيوبي في الفترة المقبلة لذا يدور التساؤل حول إن كانت سياسة التجاهل والمراوغة ستؤتي ثمارها أم لا؟.

• تصفير المشكلات مع إريتريا:

وصف أبي أحمد ما بين أثيوبيا وإريتريا سوء فهم خلال خطابه الأول وهو ما يوحي إلى نية قوية لديه في تصفير المشكلات مع الجانب الإريتري من أجل تحييد الموقف الإريتري في حال تعالت المواجهة السياسية بين مصر وأثيوبيا حول سد النهضة خلال الفترة المقبلة.

أثيوبيا تدرك جيدا ويقلقها حجم العلاقات بين أسمرة والقاهرة وترى أن هذا التعاون موجه بالأساس ضد النظام الأثيوبي، فالعديد من المشكلات الداخلية عادة ما كن يتم نسبها إلى الجانب المصري والإريتري لذا يحاول أبي أحمد تصفير مشكلات بلاده مع إريتريا لضمان حيادها من أزمة الخلافات المصرية الأثيوبية. (11)

وختاما،ً لن يستطيع أبي أحمد مواجهة التحديات المعقدة والمسارات المتشابكة في حال استمر الوضع كما هو عليه بين الجماعات الإثنية فكل الجماعات تقريبا تعاني من حالات التهميش والإقصاء السياسي والاجتماعي، لذا ينبغي عليه اتباع سياسة مرنة تمكنه من كسب ولاء الجماعات المختلفة.

كما يجب عليه إدراك المظلومية التي تتعرض لها كافة الجماعات الإثنية الأخرى كالتيغراي والصوماليون، فمثلا تم طرد نحو 11 ألف عنصر من التيغراي كانوا يقطنون بعض مناطق الأمهر(11)، كما أن الاضطرابات الأخيرة في إقليم الأورومو كانت بين الأوروميين والصوماليين مما أدي إلى سقوط ضحايا بين الجانبين ومعاناة الصوماليين من غبن اجتماعي وقع عليهم الفترة الماضية أي أنه يجب على رئيس الوزراء الجديد إدراك كافة محاور العلاقات بين الجماعات الإثنية لكي يتم تحقيق السلام بينهم.

المصدر
[1] ـ أول تعليق من رئيس وزراء إثيوبيا الجديد على سد النهضة، صحيفة التحرير،[2]Can Abiy Ahmed Save Ethiopia?, foreign policy,at: [3] Ibid.[4] . Abiy Ahmed becomes Ethiopia's prime minister, BBC,at :[5]. Who is Abiy Ahmed – Ethiopia’s incoming Prime Minister?, new African magazine, At :[6] ـ تقرير البنك الدولي عن النمو في أثيوبيا [7] ـ البنك الدولي، تقرير التنمية البشرية لعام 2016، ص 24.[8] ـ CORRUPTION PERCEPTIONS INDEX 2017, TRANSPARENCY INTERNATIONAL, At [9] . Ethiopia and Eritrea blame each other for border clash,BBC, 13/6/2016.,AT[10] Mikael Arage, What next : Abiy Ahmed nominated as chairman of Ethiopia’s regime,[11]Ethiopia PM Abiy Ahmed wants to resolve Eritrea disputes, BBC, AT[12] Switching a Prime Minister and expectations of change in Ethiopia, Tigrai online ,At

إدارة نظام السيسي لأزمة سد النهضة الأثيوبي

أزمة سد النهضة.. عقبة تحول دون تعزيز العلاقات الاقتصادية المصرية- الإثيوبية

مستقبل جماعة الأورومو.. بين طموحاتها القومية والتوازنات الداخلية

كيف نفهم التوجهات الخارجية المصرية في عهد السيسي؟ تحول الدور الإقليمي المصري في عهد السيسي

بيئة النظام السياسي الإثيوبي.. قراءة في الملامح والتداعيات

إغلاق