بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتقديرات

أزمة سكريبال.. عودة أجواء الحرب الباردة؟

الوسوم

مقدمة:

مثلت قضية تسميم العميل الروسي المزدوج سيرجي سكريبال وابنته يوليا في مدينة سالزبوري البريطانية في 4 مارس 2018، التصعيد الأول من نوعه من الغرب ضد روسيا، وهو دلالة تشير إلى مدى ما وصل إليه حجم الخلاف بين الغرب وروسيا  ليس فقط على خلفية تلك القضية بعينها، وإنما مثلت تلك القضية الشرارة التي أشعلت فتيل أزمة متراكمة بين الجانبين تعود لعقود من الزمن منذ انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية وانتهاء الحرب الباردة مروراً بمحطات بارزة منها الاجتياح الروسي لجورجيا أو ضمها شبة جزيرة القرم، ودعم الحركات الانفصالية في الشرق الأوكراني أو التدخل العسكري في سوريا بشكل مثل تحدياً واضحاً لإرادة الغرب الذي وقف عاجزاً أمام روسيا عظمى (جديدة) تحاول استعادة المجد السوفيتي وتتحرك مدافعة عن “مجالها الحيوي” ولا تبالي بالعقوبات الغربية.

ولا شك أن هذا الصعود الروسي أمام تراجع أمريكي مشهود في بعض الملفات، أدى إلى التذكير بآجواء الحرب الباردة وظهور عالم متعدد الأقطاب لا تتحكم فيه الهيمنة الأمريكية وحدها، وظهرت أبرز ملامح الحرب الباردة في الوقت الراهن من خلال حروب الوكالة سواء في الأزمة الأوكرانية و الأزمة السورية و سباق التسلح بين الجانبين و شيوع آجواء انعدام الثقة وفرض العقوبات والتدخل في الشؤون الداخلية لكلا الطرفين وحلفاءهما، وكما كانت الحرب الباردة في القرن الماضي تحكمها محددات معينة تفرض سقفاً من الخلاف بين الغرب وروسيا لا يمكن تجاوزه، فإن أيضاً آجواء الحرب الباردة التي يعيشها العالم اليوم تفرض قيوداً ما وإن اختلفت نوعية هذه القيود ومدى التزام الأطراف بها.

أولاً- محددات الأزمة:

أعلنت بريطانيا في السادس من مارس 2018 تسميم العميل الروسي المزدوج سيرجي سكريبال وابنته يوليا في جنوب إنجلترا، الأمر الذي اعتبرته بمثابة إعلان حرب ضد بلادها من روسيا التي نفت أي علاقة لها بالحادث وأن بريطانيا تريد أن تهيج الرأي العام العالمي ضد روسيا دونما أية أدلة، الأمر الذي ترجم فيما بعد إلى عملية طرد دبلوماسيين روس من دول غربية وإغلاق القنصلية في سياتل بالولايات المتحدة وإقدام روسيا على طرد دبلوماسيين غربيين أيضا.

ولم تكن هذه القضية سوى “فرصة سانحة” لكي تعبر بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب عن مدي ما وصلت إليه أجواء انعدام الثقة والريبة من سلوك روسيا المناوىء لسياستهم.

ويمكن تناول محددات هذه الأزمة في عدد من العوامل:

تسميم العميل المزدوج «سيرجي سكريبال»:

أعلنت وسائل إعلام بريطانية في السادس من مارس 2018، أن رجلاً يدعي سيرجي سكريبال وهو كولونيل سابق في الاستخبارات العسكرية الروسية قد تعرض لعملية تسميم في جنوب انجلترا وحالته “حرجة”، واعتقل سكريبال عام 2006 في روسيا بعد أن اكتشف أمر تجسسه لحساب المملكة المتحدة وحكم عليه بالسجن 13 عاما، قبل أن يفرج عنه بعد 4 سنوات باتفاق لتبادل الجواسيس بين البلدين.

سارع وزير الخارجية البريطاني عقب الحادث إلى إعلان أن بلاده سترد بـ”حزم” في حال تبين “أن دولة تقف وراء تسميم عميل مزدوج روسي سابق[1]“، في إشارة إلى روسيا، الأمر الذي دفع الكرملين بدوره إلى الإعلان بأنه ليس لديه معلومات عن إصابة الرجل، واصفاً الحادث بأنه “مأسوي”، حسب ما جاء على لسان ديميتري بيسكوف، المتحدث باسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وفي 14 مارس 2018، أعلنت بريطانيا بشكل رسمي على لسان رئيس الوزراء تيريزا ماي اتهام روسيا بالوقوف وراء تسميم الجاسوس الروسي المزدوج “سكريبال” وابنته، في كلمتها أمام مجلس العموم، باستخدام غاز أعصاب محرم دولياً ضمن مجموعة تسمى “نوفيتشوك”، متخذة إجراءات تصعيدية تتعلق باستدعاء السفير الروسي في لندن وطرد 23 دبلوماسياً روسياً، ومطالبة موسكو بتقديم “معلومات كاملة” عن برنامج “نوفيتشوك” لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية في أقرب وقت.

وجاء رد الفعل الروسي “مستنكراً” للحادث والاتهام البريطاني، حيث وصف وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف الاتهامات بأنها “هراء” وأن روسيا منعت من الوصول إلى المادة التي استخدمت في تسميم سكريبال، مشيرا إلى أن موسكو لن ترد على التحذير البريطاني حتى يُسمح لها بالوصول إلى تلك المادة[2].

سارعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى تبني وجهة النظر البريطانية، واتهام روسيا بالوقوف وراء الحادث، كما أعلن عدد كبير من الدول الأوروبية والغربية التضامن مع بريطانيا.

مثلت قضية تسميم العميل الروسي المزدوج وما سبقها من عمليات اغتيالات إحدى الملفات التي تدلل على آجواء انعدام الثقة بين الغرب وروسيا واستمرار الحرب الاستخبارية بين الجانبين وعمليات الاغتيالات وهي ملامح لحرب باردة جديدة.

الأزمة الأوكرانية:

وهي إحدى أبرز نقاط الخلاف بين الغرب وروسيا، وتعبر عن استمرارية الحرب الباردة وحروب الوكالة بين الجانبين.

بدأت الأزمة في أوكرانيا عقب اندلاع تظاهرات في بداية 2014 أطاحت بالرئيس “فيكتور يانوكوفيتش” الموالي لموسكو ما أدى إلى فوضى عارمة، ثم أصدر قانون يقضي بإلغاء منح الأقليات حق التحدث بلغاتهم (الذي يشمل الروسية) وتم إعلان اللغة الأوكرانية لغة رسمية وحيدة للبلاد، الأمر الذي دفع بعض المناطق في الشرق والجنوب الأوكراني إلى الاستياء من التغييرات الحاصلة في العاصمة “كييف” واعتبارهم إياها مؤامرة يقف وراءها الغرب وأوروبا.

تعتبر روسيا أوكرانيا جزء من “المجال الحيوي” و “مناطق النفوذ” الروسي التي لا تسمح موسكو بالاقتراب منها خاصة من قبل الغرب بسبب القرب الجغرافي ومقتضيات الأمن القومي الروسي والتقارب الثقافي والاجتماعي بين سكان هذه المناطق، وكما حدث في الحالة الجورجية، أقدمت روسيا على التدخل العسكري في أوكرانيا وسيطرت على شبة جزيرة القرم بعد إجراء استفتاء شعبي تمت الموافقة من خلاله على الانضمام لروسيا، الأمر الذي لم يلق قبولاً في الغرب، وقامت بعض هذه الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة بفرض مزيد من العقوبات كتجميد أصول وحظر سفر مواطنين روس، أو منع التعامل مع بعض المصارف الروسية أو إيقاف بعض برامج التعاون العسكري والاقتصادي.

الأزمة السورية:

مثلت الأزمة الروسية المحطة الأبرز ضمن أسباب الخلاف الغربي الروسي، وهي الميدان الذي مورس فيه بشكل واضح الصراع الغربي الروسي وما يمكن أن يسمى بـ “الحرب الباردة الجديدة”، حيث تبنى الغرب منذ البداية وجهة النظر الخاصة بالإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد وضمان مصالح الغرب في سوريا المتمثلة بشكل أساسي في أمن إسرائيل، في حين تبنت موسكو وجهة نظر مغايرة تقول إنها تسعى للحفاظ على وحدة سوريا ما يعني ضمناً موافقتها على بقاء بشار الأسد في السلطة وضمان مصالحها في سوريا المتمثلة بشكل أساسي في موطأ قدم لها في “المياة الدافئة” على البحر المتوسط من خلال قواعد لها في اللاذقية وحميميم – كما حدث بالفعل.

دخل الغرب وروسيا في صراع مفتوح حول سوريا، فعارضت الأخيرة قرارات مجلس الأمن المنددة بممارسات “الأسد” في سوريا في حين سعى الغرب لاستصدار قرارات أممية من شأنها التدخل العسكري في سوريا والإطاحة بالنظام السوري الحاكم ومنها على سبيل المثال الفيتو الروسي على مشروع القرار الغربي بشأن استصدار قرار يدين النظام لاستخدامه الكيماوي في الغوطة الشرقية في أغسطس 2013 أو خان شيخون في نوفمبر 2017، وغيرها من القرارات منذ اندلاع الأحداث في سوريا في مارس 2011.

كما مثل التدخل العسكري الروسي في سوريا، الأول من نوعه لوريثة الاتحاد السوفيتي خارج “نطاقها الحيوي” وبعيداً عن حدودها، وتأكيدها “تهميش الغرب” في الملف السوري الذي تتولاه موسكو بالتعاون مع إيران وتركيا وتحاول ترتيب تسوية تتوافق ومصالحها من خلال ابتداع مسار آخر للتفاوض غير مسار “جنيف”، وهو مسار “آستانا” والذي آتى بعض ثماره من خلال تثبيت وقف إطلاق النار والهدنات في بعض المناطق أو من خلال مؤتمر سوتشي للحوار السوري، كل هذا وسط موقف غربي أقل ما يوصف به أنه “باهت” خاصة من قبل الولايات المتحدة التي يفكر رئيسها في الانسحاب من سوريا وتركها لمن يهمه أمرها[3].

سباق التسلح بين الغرب وروسيا:

في عودة لواحدة من أبرز ملامح الحرب البادرة بين الغرب وروسيا، تنهمك الدولتان العظميان روسيا وأمريكا في تطوير مختلف أنوع أسلحتهما وعلى رأسها الأسلحة النووية، وكل واحدة منهما تريد أن تصل إلى درجة تسليح عالية لا تفوقها درجة ولا تسمح بالمنافسة، وبالتأكيد لن تكونالصين غافلة عما يجري من تطوير حربي، وستعمل على رفع سرعتها نحو المنافسة، وثمة دول أخرى ستكون مهتمة بالموضوع مثل إيران وكوريا الشمالية والهند، حتى لا تضيع هيبتها بين تزاحم الجيوش، وسينعكس هذا السباق على دول كثيرة في العالم، فتعمل على تطوير قدراتها الحربية اعتمادا في الغالب على ما يمكن أن تسمح به القوى العظمى ويلبي مصالحها.

في 2014، اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية الاتحاد الروسي، بإنتاج وتجربة منظومة صواريخ مجنحة، مخلة بذلك بشروط الاتفاق الموقع بينهما عام 1987 بشأن تدمير الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدي، وفي المقابل اتهمت موسكو واشنطن بإنتاج المنظومة الأمريكية المضادة للصواريخ “أيجيس” التي تعتبر خرقاً أيضاً لهذا الاتفاق[4].

وفي خطابه السنوي عن حالة الاتحاد الروسي في 1 مارس 2018، تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بلهجة تصعيدية موجهة للغرب والولايات المتحدة الأمريكية بشأن تطوير القدرات التسليحية لبلاده، التي أوضح أنها أدخلت إلى ترسانتها حوالي 300 نوع من الأسلحة الحديثة منذ 2012، وأنه تم تزويد الجيش الروسي بـ80 صاروخاً باليستياً جديداً و102 صاروخاً باليستي للغواصات، وتقنيات أخرى متطورة للغاية وتجعل بشكل جدي من القوة الروسية تحدياً لا يمكن تجاوزه بالنسبة للغرب، ويبرر الروس تطويرهم للأسلحة الاستراتيجية بأنهم أصبحوا مهددين من الدول الغربية خاصة من “الدرع الصاروخية” التي تنشرها أمريكا حول روسيا من الشرق والغرب والجنوب، وهي الصواريخ المنتشرة في دول أوروبا الشرقية والجمهوريات السوفيتية سابقاً مثل ليتوانيا ولاتفيا، وفي ذلك تسعى روسيا جاهدة للخروج من هذا الطوق الأمريكي وخاصة في جورجيا وأوكرانيا والتي تمس بشكل مباشر الأمن القومي الروسي من بوابتيه الغربية والجنوبية، كما أن السيطرة الروسية على القرم يمثل الخطوة الروسية الكبرى في الحفاظ على الأمن القومي الروسي والمصالح الروسية في البحر الأسود، حسب وجهة نظر موسكو.

ثانياً- ردود الفعل الغربية والروسية حول الأزمة:

جاءت ردود الفعل على أزمة تسميم الجاسوس المزدوج “سيرجي سكريبال” معبرة بشكل واضح عن آجواء الصراع بين الغرب وروسيا وأعاد إلى الأذهان الحديث عن “حرب باردة جديدة” بين الجانبين بشكل لافت، ويمكن تناول هذا العنصر من خلال مسارين: مسار التصعيد، ومسار التهدئة.

أولاً- مسار التصعيد:

بريطانيا:

سارعت بإلقاء الاتهام بضلوع روسيا بشكل رسمي في عملية التسميم، مستخدمة غاز أعصاب محرم دولياً ولم يستخدم منذ الحرب العالمية الثانية، واعتبرت ما حدث عدواناً على الآراضي والسيادة البريطانية، فاستدعت السفير الروسي في لندن، وطلبت من موسكو أن تقدم “بيانات كاملة” لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية عن برنامج “نوفيتشوك”- وهي مادة سامة من الجيل الرابع لغاز الأعصاب، ويعتقد أنها أكثر قوة بكثير من سلسلة الجيل الخامس، وتستخدم في شكل مسحوق دقيق للغاية، على عكس غازات الأعصاب الأخرى المعروفة الأخرى التي توجد على شكل سوائل أو أبخرة.

أكدت لندن أن هذه العملية ليست الأولى من نوعها داخل الأراضي البريطانية بل هي حلقة ضمن سلسلة من عمليات الاغتيال التي قامت بها موسكو وكان آخرها مقتل الجاسوس الروسي السابق ألكنسدر ليتفينينكو في 2006، والتي أرجعت لندن مقتله إلى أوامر صادرة من الرئيس فلاديمير بوتين.

أعلنت بريطانيا طرد 23 دبلوماسياً روسياً ومقاطعتها بشكل رسمي لفعاليات كأس العالم التي ستقام في 2018 في روسيا، كما أشار وزير الخارجية  البريطاني “بوريس جونسون” إن بلاده ستستهدف أصولاً مالية مرتبطة بالكرملين، كما إنهم يدرسون مقترحًا مماثلا لـ”قانون ماجنيتسكي” الذي أصدرته واشنطن في 2012 لمعاقبة المسؤولين الروس المتهمين بانتهاكات لحقوق الانسان. مبررًا هذا التصعيد بإنه نتيجة للسياسات الروسية الداعمة للتخريب والمهددة لأمن بلاده.

وبالنظر إلى العوامل الداخلية في بريطانيا التي تتمثل في تصدر اليمين للمشهد السياسي البريطاني بقيادة تيريزا ماي ووزير خارجيتها بوريس جونسون المعادي للتكامل الإقليمي والدور الروسي المتعاظم أوروبياً وفي الشرق الأوسط، تجدر الإشارة إلى إمكانية أن يتجه هذا التصعيد إلى مناحي غير مسبوقة بشكل يعيد ذكريات الحرب الباردة بين الغرب وروسيا.

الولايات المتحدة الأمريكية:

جاءت ردة الفعل الأمريكية على الحادث سريعة ومتضامنة مع الموقف البريطاني تجاه الأزمة، حيث أعلن وزير الخارجية الأمريكي تأكيد بلاده لصحة بيان بريطانيا حول تسمم سكريبال واتهام موسكو بالضلوع في ذلك، وقامت واشنطن بطرد 60 دبلوماسياً روسيا وإغلاق القنصلية الروسية في سياتل، وهو موقف وصفه الكثيرون بأنه يعبر عن حجم الخلافات وآجواء انعدام الثقة المتبادل بين واشنطن وموسكو والتي تجاوزت حتى ردة الفعل البريطانية نفسها، وكأن الولايات المتحدة قد استغلت هذه الأزمة لتؤكد عداءها لروسيا لأسباب عديدة يأتي على رأسها الخلاف بين واشنطن وموسكو حول الملف الأوكراني فضلاً عن “تهمييش” موسكو لدور واشنطن في الأزمة السورية، بالإضافة إلى الاتهامات الأمريكية بالتدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في 2016، التي يجريها المحقق الخاص روبرت مولر، وهي الاتهامات التي طالت أعضاء بارزين في حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بل واقتربت كثيراً من ترامب نفسه، وهنا وجب على الرئيس ترامب وفريقه الرئاسي والذي تم التمكين فيه لــ “الصقور” بعد إقالة ريكس تيلرسون في مارس 2018 والتوجه لتعيين مايك بومبيو وزيراً للخارجية الأمريكية بعد إقرار الكونجرس ذلك، وهو رجل ذو خلفية استخبارية فضلاً عن تولي جون بولتون مستشاراً للأمن القومي الأمريكي، وهم رموز يمينية لا يحملون بالتأكيد أية نوايا طيبة تجاه موسكو، بالإضافة إلى حاجة ترامب نفسه لــ”تأكيد العداء” لموسكو لتفادي تهم بالتواطؤ مع التدخل الروسي في انتخابات 2016 والتي أتت به إلى البيت الأبيض.

الاتحاد الأوروبي والدول الغربية:

رغم المفاوضات الجارية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلا أن ردة الفعل الأوروبية على أزمة سكريبال جاءت متضامنة بشكل كبير لبريطانيا ومعادية لروسيا، ولعل هذا ما يفسر كم وحجم الخلاف بين أوروبا والغرب من جانب وروسيا من جانب أخرى، بشكل يحقق وجهة نظرهم بأن روسيا هي الخطر الأكبر على أمن أووربا والأطلسي.

قام عدد كبير من الدول الأوروبية والغربية بعملية طرد دبلوماسيين روس – وصف بأنها أكبر عملية طرد دبلوماسيين روس في التاريخ وفقاً لتصريحات وزير الخارجية البريطانية بوريس جونسون. (انظر الجدول المبين بالأسفل)

روسيا:

جاء رد الفعل الروسي على الاتهامات التي أطلقتها بريطانيا -كالمعتاد من الخارجية الروسية- متوازناً وغير متسرع، حيث نفت موسكو الاتهامات الملقاة من جانب لندن وزعمت أنها حملة ممنهجة للضغط على موسكو بقيادة بريطانيا والولايات المتحدة، حسبما صرح بذلك وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، وطالبت موسكو بالمشاركة في تحقيق يجري للكشف عن نوعية الغاز المستخدم في تسميم الجاسوس الروسي “سكريبال”، الأمر الذي قوبل بالفرض، وذهبت موسكو إلى اتهام بريطانيا بالضلوع في تسميم الجاسوس وأن مصدر العنصر السام ربما يكون معملاً عسكرياً بريطانياً وأن المستفيد الأول من هذه الأزمة هي بريطانيا للفت انتباه الرأي العام عن مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي وعدم تحقيق انجازات تذكر من الخروج.

قامت روسيا برد فعل مضاد للإجراءات التصعيدية من قبل الغرب وقامت بطرد 60 دبلوماسياً أمريكياً وأغلقت القنصلية الأمريكية في سان بطرسبيرج رداً على القرارات الأمريكية المماثلة، كما طردت دبلوماسيين أوروبيين وغربيين رداً على القرارات المماثلة كالآتي:

الدولةعدد الدبلوماسيين المطرودينرد الفعل الروسي
بريطانيا23 + التعهد بتجميد أصول حكومية روسية23 + إغلاق القنصلية البريطانية في سانبطرسبيرج والمجلس الثقافي البريطاني
الولايات المتحدة الأمريكية60 + إغلاق القنصلية الروسية في سياتل60 + إغلاق القنصلية الأمريكية في سانبطرسبيرج
كندا4 + رفض طلبات لتعيين موظفين دبلوماسيين آخرين4
حلف شمال الأطلسي (الناتو )7 + تعطيل تعيين 3 آخرين7
فرنسا، وألمانيا، وبولندا 4 4
ليتوانيا، التشيك، مولدوفيا33
إيطاليا، أستراليا، هولندا، إسبانيا، ألبانيا، الدنمارك22
المجر، إيرلندا، مقدونيا، السويد، النرويج، إستونيا، فنلندا، رومانيا، بلجيكا، الجبل الأسود، جورجيا،كرواتياطردت كل منهم دبلوماسياً روسياًطردت دبلوماسياً لكل منهم

ثانياً- مسار التهدئة:

رغم تصاعد الأزمة بشكل كبير في بداياتها، ما جعلها تشعل فتيل أزمة متراكمة كان الملف السوري والأوكراني وسباق التسلح وآجواء انعدام الثقة بين الغرب وروسيا أبرز ملامحمها، بدأت بعض الدول المعروف عنها الأدوار المتوازنة أن تلعب دوراً وسيطاً بين الجانبين وتعمل على “تبريد” أجواء الأزمة، وتمثل هذا المسار في:

ألمانيا:

التي طالما لعبت دوراً متوازناً في أزمات أوروبا والعلاقة بينها وبين روسيا منذ انهيار حائط برلين في تسعينيات القرن الماضي، حيث دعى وزير خارجيتها، هايكو ماس، في أول أبريل 2018 أن بلاده منفتحة على الحوار مع روسيا، وتابع “وفي نفس الوقت، نحن بحاجة لروسيا كشريك، لحل النزاعات الإقليمية، وجهود خفض التسلح، كما نحتاجها كقطب مهم في النظام العالمي متعدد الأطراف”[5].

ويذكر أنه مع بداية الأزمة وإقدام برلين على طرد دبلوماسيين روس، لم يتوقف التعاون الألماني مع روسيا في المجال الاقتصادي والتي وافقت على توقيع عقد نقل غاز النورديك 2 من روسيا إلى ألمانيا.

حلف شمال الأطلسي (الناتو):

صرح الأمين العام للحلف ينس ستولتنبيرغ، أنهم يهدفون إلى الحوار السياسي مع روسيا، والحفاظ على التواصل معها على الصعيد العسكري، رغم مضي الحلف في بداية الأزمة إلى التضامن مع بريطانيا إلا أن الحسابات البرجماتية ومقتضيات الأمن والاقتصاد يفرضان على أطراف الأزمة أن يكون هناك سقفاً للأزمات.

عدم وجود أدلة تؤكد تورط روسيا بشأن أزمة سكريبال، ألقت بريطانيا اللوم على روسيا بالوقوف وراء حادث تسميم “سكريبال” دونما أدلة مادية تؤكد ذلك، وإن كانت قد اعتمدت في هذا الاتهام على معلومات استخبارية من مصادر خاصة تتحرج لندن في الكشف عنها، كما جاءت شهادة معمل “بورتون داون” البريطاني 4 أبريل 2018 ، لتخفف من وقع الاتهام ضد موسكو، حيث أعلن العمل البريطاني أنه لا يستطيع تأكيد المصدر الدقيق لغاز الأعصاب الذي استخدم ضد سكريبال وابنته، وأضاف المعمل، الذي قال من قبل إن العنصر المستخدم هو غاز نوفيتشوك للأعصاب، أنه من المحتمل أن يكون قد تم نشره بواسطة “ممثل دولة”. لكن المعمل قال إنه ليس من مهامه تحديد مكان تصنيعه[6]. في حين لم تسفر نتائج منظمة حظر الأسلحة الكيماوية عن أدلة تثبت تورط موسكو بعد، والتي تعارض – موسكو- إجراء تحقيق في ظل غيابها عن اللجنة المختصة.

الروابط العسكرية والاقتصادية بين الغرب وروسيا، يمثل هذا العامل المحدد الأبرز في تصاعد الخلاف بين الغرب وروسيا، لأسباب تتعلق بأن روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي لم تعد كسابقه، فالاتحاد السوفيتي لم يكن يعتمد على الغرب ولا الأخير كان يرتبط عسكرياً او اقتصادياً بالأولى، بل كان كلاً منهم معسكر منعزلاً عن الأخر.

فترتبط الولايات المتحدة والغرب والدول الأوروبية بشكل أساسي مع روسيا بتعاون عسكري وأمني في عدد من الاتفاقات والمجالات التي سيؤدي العبث بها إلى زعزعة في أمن الجانبين، كما تعتمد روسيا بشكل كبير على الاقتصاد والاستثمار الغربي في حين يعتمد الغرب على قطاع الطاقة الروسي بشكل أساسي وخاصة من قبل دول ألمانيا وبحر البطليق.

ثالثا: السيناريوهات المتوقعة:

السيناريو الأول:

يتمثل في “التصعيد” بين الجانبين، ويدعمه عدة عوامل ومؤشرات أهما:

إعادة انتخاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ما يعني إعادة شحن الرصيد السياسي ومنح تفويض سياسي لرئيس يحلم بإعادة مجد أجداده السوفيت، والأمر لم يقتصر فقط على الحلم، بل أن بوتين استطاع أن يعيد روسيا إلى الخريطة السياسية الدولية عن جدارة، وتحدى الغرب في أوكرانيا وسوريا وقام بتطوير نوعي لترسانة بلاده الصاروخية وصعد من خطابه ضد الغرب غير مبالياً به.

تولي “الصقور” في الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية، فبعد التغييرات الأخيرة التي أجراها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سواء تعيين مايك بومبيو وزارة الخارجية أو جون بولتون مستشاراً للأمن القومي الأمريكي، ما يعني ترجيح كفة المعاديين لموسكو والتي كانت في البداية لصالح المؤيدين للتعامل مع موسكو، لكن اقتراب دائرة الاتهام من ترامب بالتواطؤ مع التدخل الروسي في الانتخابات جعله يضحي بهذا المنحى. وكذلك تولي حكومة يمينية في لندن لا ترغب في أي تعاون مع موسكو يوحي بمزيد من التصعيد ضد موسكو.

تعمد الغرب استفزاز روسيا، حيث تسعى الولايات المتحدة وحلف الناتو حثيثاً لتقويض روسيا ومحاصرتها من الجنوب والشرق عبر نشر المضادات الصاروخية والتواجد في منطقة “المجال الحيوي” لروسيا في أوروبا وآسيا الوسطى، فضلاً عن كسب حلفاء جدد إلى الناتو كانوا حلفاء سابقين لموسكو، آخرهم جمهورية الجبل الأسود (مونتينيجرو) التي انضمت إلى الناتو في 2017، كما تتعمد روسيا استفزاز الغرب من خلال السيطرة على شبة جزيرة القرم في 2014، ودعم انفصاليي شرق أوكرانيا، ومصادرة الملف السوري لصالحها – موسكو- وحدها تقريباً مع إيران وتركيا، والإعلان عن التطور العسكري النوعي في مجال التسليح ودعم بعض القضايا الخلافية مع إيران وكوريا الشمالية.

وبالفعل، وفي استعادة لمشاهد الحرب الباردة، استعدت بريطانيا لنصب رادار جديد في إحدى جزر شتلاند الاسكتلندية، بهدف مواجهة ما سمي بــ” التهديد الداهم والفعلي من روسيا”، وأيضا يجري بناء المنشأة الجديدة التابعة لسلاح الجو الملكي لمراقبة أي طائرات عسكرية أو مدنية مجهولة الهوية، فضلاً عن إرسال بريطانيا إحدى أحدث قطعها البحرية الحربية إلى مياه البحر الأسود، بما يشكل أكبر تعزيز للوجود العسكري البريطاني قرب حدود روسيا منذ عقود من الزمن، كما تقوم الولايات المتحدة بمحاولاتها للتأثير على الأمن القومي الروسي بالتواجد في منطقة البحر الأأسود، وتتخذ روسيا إجراءاتها بشأن ذلك.

ووفقاً لهذا السيناريو، فإن الخلاف بين الجانبين سوف يذهب بعيداً وسيكون على روسيا – وخاصة بعد إعادة انتخاب بوتين لولاية رابعة- أن تكون أكثر حزماً مع الغرب، ولا يعني ذلك أن تكون هناك مواجهة مباشرة، لكن قد تقوض روسيا من نفوذ الغرب في ملفات معينة على رأسها الملف السوري، فسيكون الرد الروسي في سوريا وتسوية وترتيب الأزمة بما يتوافق ومصالحها مع عدم اعتبار للغرب، وقد يكون أيضاً من خلال مزيد من الدعم لانفصاليي شرق أوكرانيا أو لتطوير مزيد من الأسلحة التي تستفز الغرب.

وفي المقابل، سوف يصعد الغرب من نبرة العداء ضد روسيا ويقوضها وقد يكون هناك فرضاً جديداً لعقوبات تنال من رجال أعمال روس مرتبطين بشكل أو بآخر بالكرملين، ومزيد من التضيق ضدها من أجل هروب رؤوس الأموال من روسيا أو فرض عقوبات على مصارفها واستثماراتها بالخارج، وربما يكون هناك استفزازاً أمريكياً ضد روسيا من خلال الحديث عن تحرك أمريكي ضد سوريا الفترة المقبلة – كما تشير بعض التكهنات على خلفية التغييرات التي أجريت مؤخراً في الإدارة الأمريكية وعلى خلفية لفت انتباه الرأي العام الأمريكي عن قضية التواطؤ مع الروس خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية- أو إقدام ترامب على فض الاتفاق النووي مع إيران – كما يعتزم- وهو اتفاق تحرص موسكو على الحفاظ عليه.

السيناريو الثاني:

يتمثل في “تبريد” الخلافات بين الجانبين يدعمه عدة عوامل ومؤشرات أهمها:

المحدد الاقتصادي:

عند النظر إلى حجم الترابط الاقتصادي والاستثماري بين روسيا والغرب، نجد أنه من المستحيل عملياً على كلا الطرفين أن يقطع علاقاته أو يضيرها بالطرف الآخر.

بريطانيا على سبيل المثال، ترتبط بروسيا بحجم تبادل تجاري يقدر ب15 مليار دولار وهو رقم ليس بالهين، وخاصة إذا أضيف إليه حاجة بريطانيا إلى روسيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي وحاجة روسيا “المقيدة” بعقوبات اقتصادية أمريكية وأوروبية إلى بريطانيا، وتجدر الإشارة إلى أنه في نفس يوم طرد الدبلوماسيين الروس من لندن، قامت شركة غاز بروم (عملاق الغاز الروسي) بشراء 923 مليون دولار سندات من بورصة لندن.

كما تعتمد دول أوروبية عدة على قطاع الطاقة الروسي، مثل ألمانيا والتي لم توقف توقيع اتفاقيات الغاز مع روسيا وسط أزمة “سكريبال” فضلاً عن اعتماد دول البلطيق بشكل كامل على الغاز الروسي، فكلما اعتمدت حاجة الدول على قطاع الطاقة الروسي كلما كانت أكثر تردداً في الدخول إلى صراعات مع موسكو.

وتجدر الإشارة إلى أنه ورغم طرد فرنسا لدبلوماسيين روس وقيام روسيا برد فعل مماثل، فإن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ما زال يعتزم زيارة الكرملين في مايو 2018.

والجدير بالذكر أن الغرب يستطيع إن أراد أن يلحق الضرر بالاقتصاد الروسي مثلما فعلت بها العقوبات المفروضة من الولايات المتحدة وأوروبا، ولكن هذه الاستطاعة محكومة بعوامل المصالح المتبادلة بين الجانبين.

المحدد الجيوسياسي:

يعتمد هذا المحدد على عامل القرب الجغرافي بين الغرب وروسيا وتداخل المصالح ومناطق النفوذ بين الجانبين، حيث يعمل على “تقييد” حجم الخلاف بينهما، لأن إثارة أي خلافات بينهم وخاصة العسكرية منها سوف تؤدي بشكل مباشر إلى حرب عالمية ثالثة لا تبقي ولا تذر، وهو المحدد الذي يعيه الساسة في الغرب وروسيا جيداً، وإن كانت الطعنات الاقتصادية والاستخبارية لم تتوقف يوماً، إلا أن هذه الطعنات محددة بعوامل الجغرافيا السياسية.

المحدد العسكري والاستراتيجي:

تمتلك روسيا ترسانة نووية ورثتها عن الاتحاد السوفيتي السابق، وتمتلك دول الغرب (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا) ترسانات نووية أيضاً، فضلاً عن امتلاك الجانبين لمنظومة متطورة من الصواريخ الباليستية والتي يصح علمياً وعملياً القول بأنها قادرة على نسف الجنس البشري، إذا ما دخلت هذه الدول في مواجهات عسكرية، لذا وجب أن يكون للخلافات سقفاً أعلى لا يمكن تجاوزه.

ووفقاً لهذا السيناريو، فإن الخلاف بين روسيا والغرب سيقتصر على الإطار الدبلوماسي كلما سنحت الفرصة، مثلما حدث في أزمة تسميم “سكريبال” أو فرض مزيد من العقوبات، كما فعلت واشنطن بفرضها عقوبات على رجال أعمال روس بداية أبريل 2018، لأسباب تتعلق بقضية التدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2016، لكن قطار المصالح المتبادل بين الجانبين سكون أكبر من أي خلافات والدليل أن التبادل التجاري واتفاقيات التعاون لم تتوقف رغم تصاعد الأزمات.

قضايا عالمية

إغلاق