بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

تقديرات

الانتخابات التركية: الديمقراطية في خدمة السلطوية؟

الوسوم

في خطوة تناقضت مع التصريحات الرسمية التركية خلال العام الماضي، أعلن الرئيس التركي رجب أروغان عن تبكير موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية التركية ليتم إجراءها في يونيو من العام الجاري بدلا من إجراءها خلال العام القادم كما كان مخططا، وجاءت هذه الخطوة لُتربك حسابات المعارضة التركية، وتعزز من فرص استمرار حُكم أردوغان، إلا أن هذه الخطوة كان لها ما سبقها من بعض الإجراءات التي ساهمت في تعزيز الموقف التنافسي لأردوغان في مواجهة معارضيه، ونسعى في هذا التقرير إلى الوقوف على أبرز الدوافع التي أدت إلى تبكير موعد الانتخابات، وكذلك رصد وتحليل الخطوات المتزامنة والسابقة على تبكير موعد الانتخابات، ما يضعنا أمام صورة واضحة عن مستقبل الديمقراطية في تركيا.

أولاً- دوافع أردوغان في تبكير موعد الانتخابات

تتعدد الدوافع التي تكمن خلف تبكير أردوغان لموعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في تركيا، ويكمن ذكر أهم الدوافع كما يلي:

  • مواجهة المعارضة الصاعدة في تركيا

نجح أردوغان إلى حد كبير في تكريس حُكمه الممتد منذ عام 2003، إلان أن هذا النجاح لم يأت دونما أكثر من محطة تهديد لاستمراره في السلطة، ويعيد أغلب الدارسين صعود تيارات المعارضة في تركيا إلى وصول تجربة أردوغان الي قمة المنحنى الذي لا يمكن معه استمرار نفس السياسات، وتزايدت وتيرة الاحتجاجات في تركيا خلال الأعوام الأخيرة بشكل ملحوظ، ولعل من أبرزها الاحتجاجات الجماهيرية الواسعة في عام 2013 في مدن رئيسية في تركيا كأنقرة واسطنبول، وهي الأحداث التي عُرفت بأحداث ” تقسيم”.

وبعد ذلك بثلاثة سنوات كان أردوغان يواجه أهم تهديدا داخليا لنظامه، ما تمثل في محاولة بعض ضباط الجيش بتنفيذ انقلابا عسكريا للإطاحة بأردوغان، وهي المحاولة التي باءت بالفشل، إلا إنها كانت بمثابة جرس إنذار واضحا للرئيس التركي عن مستقبل استقراره على قمة النظام السياسي التركي، ويمكن القول أن هذه الحادثة قد مثلت مرحلة تحول واضحة في إدارة أردوغان لعلاقاته داخل تركيا، وفي رؤيته للنظام السياسي التركي ككل.

  • تراجع المؤشرات الانتخابية لحزب العدالة والتنمية

أخذت نتائج حزب العدالة والتنمية في التصاعد منذ عام 2002 حيث حصل وقتذاك على 35% من إجمالي مقاعد البرلمان التركي ثم 47% في 2007 و50% في 2011، إلا أن هناك ثمة تراجع في نتائج الحزب قد ظهرت في انتخابات عام 2015 ولم يفلح في الفوز بنسبة 50% من إجمالي المقاعد ووصلت نسبته وقتها إلى 41% فقط، واضطر إلى التحالف مع حزب الحركة القومية  الحاصل على 16%حتى يتسنى للحزب تشكيل الحكومة، وظهر هذا التراجع بشكل واضح في نتائج الاستفتاء الأخير على تعديل الدستور في أبريل 2017، حيث حققت نسبة المؤيدين حوالي 52% من إجمالي المصوتين، وتبني التعديلات حزبا “العدالة والتنمية” و ” الحركة القومية”، ومثلت هذه النسبة تراجع لهما بعد أن حصدا سويا على 57% في الانتخابات التشريعية، ليبدو واضحا أن شعبية الحزب الحاكم في تركيا توجه هبوطا مرشح للازدياد خلال الفترة المقبلة.

  • صعود نتائج أحزاب المعارضة

في مقابل تراجع حزب العدالة والتنمية كان هناك أحزاب تحقق ارتفاعا في نتائجها الانتخابية، وأول هذه الأحزاب هو حزب الشعب الجمهوري الخصم التقليدي لأردوغان، ونجح الحزب في الفوز بـ 25% من إجمالي المقاعد البرلمانية في انتخابات 2015، وكان الحزب قد حقق نسبة 20% في انتخابات عام 2007.

وإلى جوار الشعب الجمهوري، حقق حزب الحركة القومية صعودا ملحوظا إلى الحد الذي اضطر حزب العدالة والتنمية إلى التحالف معه، وكان الصعود الأبرز خلال نفس الفترة لصالح حزب الشعوب الديمقراطي الكردي ونجح الحزب في انتخابات 2015 في تحقيق نسبة 12% من إجمالي المقاعد ليشارك في البرلمان بعد تخطيه حاجز الـ 10% من المقاعد للمرة الأولى في التاريخ، وانعكس تزايد التيارات المعارضة لأردوغان بصفة عامة في استفتاء 2017 بعد أن حققت معارضة التعديلات الدستورية نسبة تتجاوز الـ 48% من إجمالي المصوتين، وكانت المعارضة قد حققت 42% في استفتاء 2010.

  • الوضع الاقتصادي

بسبب تحولات التوجه الخارجي لتركيا بعد التصدي لمحاولة الانقلاب العسكري في2016، ووصول الاقتصاد التركي إلى نقطة بداية الانهيار بحسب العديد من الخبراء الاقتصاديين، سجل الاقتصاد التركي خلال الفترة الماضية بعض المؤشرات السلبية، وكان أبرز هذه المؤشرات هو تضاعف نسبة العجز في الميزان التجاري بمقدار الضعف خلال يناير الماضي مقابل يناير 2017، وسجلت الليرة التركية أكبر انخفاض لها خلال فترة حُكم حزب العدالة والتنمية، إذ خسرت الليرة التركية حوالي 6.5% من قيمتها أمام الدولار خلال عام واحد وسجل سعر صرف الدولار حوالي 4.08 ليرة تركية وهو رقم تاريخي.

وتزامن هذا مع ارتفاع معدلات البطالة والتضخم ووصلت نسبة الأخير في نوفمبر الماضي الى  13 % ، وهو أعلى مستوى منذ 14 عاماً.

ويخشى أردوغان من تصاعد المشكلة الاقتصادية، لاسيما مع انخفاض حجم التدفقات الأجنبية للداخل التركي، وانخفضت الاستثمارات الأمريكية على سبيل المثال  إلى 171 مليون دولار في عام 2017 مقارنة بـ 338 مليون دولار في 2016، وكانت تتخطى الـ 4 مليار دولار في عام 2007، كما انخفضت الاستثمارات القطرية من 420 مليون دولار في عام 2016 إلى 100 مليون فقط في عام 2017، ومن المستبعد أن يستطيع الاقتصاد التركي الانتعاش قريبا، خصوصا مع عجز روسيا عن تمويل هذه الفجوة، كما من المتوقع أن تتعمق أزمة الاقتصاد التركي خلال العام الحالي في حال لجوء الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى تخفيض استثماراتهم في الأسواق الناشئة وهو إجراء متوقع أن يترك أثارا سلبية على الاقتصاد التركي؛ وتعبر كل هذه العوامل عن خطورة انتظار أردوغان حتى عام 2019 قبيل إجراء الانتخابات التركية.

ويمكن القول أن حاصل تفاعلات هذه العامل المتمثل في تزايد قدرة معارضي أردوغان على حشد الأصوات الانتخابية نتيجة للتراجع الاقتصادي قد دفع الرئيس التركي إلى اللجوء لتبكير موعد الانتخابات التركية، لتفادي المفاجآت غير السارة، ويبدوا أن هذه الخطوة لم تكن مفاجئة لأردوغان نفسه، ما نستدل عليه ببعض الخطوات التي قام بها أردوغان خلال الفترة السابقة استعدادا للانتخابات المقبلة، وهو ما نتناوله في المحور التالي.

ثانيا- خطوات أردوغان لتعزيز موقفه التنافسي

لم يكن لجوء أردوغان لتبكير الانتخابات اجراء خالي من عمليات تهيئة البيئة السياسية الملائمة لحصد نتائج الانتخابات، ونتناول في هذه النقطة أبرز الخطوات التي سبقت الدعوة للانتخابات التركية:

  • عملية عفرين

عزفا على أوتار الحس القومي التركي المتنامي، نفذت قوات الجيش التركي عملية عسكرية في مدينة عفرين السورية خلال الشهرين الماضيين، ونجحت العملية العسكرية في تحقيق انتصارا على القوات الكردية، ووضعت قدما لتركيا في أحد المناطق السورية التي سيطر عليها الأكراد فيما سبق، وجاءت التغطية الإعلامية للحملة العسكرية لتعكس صورة أردوغان كقائد قادر على استعادة المجد التركي المفقود، كما أدت هذه العملية إلى اكتساب أردوغان لولاءات القيادات العسكرية التركية بعد المكاسب التي جنتها القوات التركية في عفرين، وهو ما راهن عليه أردوغان في زيادة شعبيته بين الأتراك، ومن المنتظر أن تكون هذه  العملية من أهم الأدوات الدعائية لحملة أردوغان الانتخابية.

  • ترتيب البيت من الداخل

كانت اعادة ترتيب موازين القوى داخل حزب ” العدالة والتنمية” على أجندة الرئيس التركي، ونفذ الحزب خلال الشهور الماضية برنامجا لإعداد الكوادر الانتخابية للحزب وإعادة توزيعها على أمانات الحزب في المناطق المختلفة، و روعي خلال هذا البرنامج تصعيد القيادات الموالية لتوجهات الرئيس التركي، بينما تم إبعاد المشكوك في ولائهم من الهيكل القيادي للحزب، وكان من بينهم معارضي التعديلات الدستورية الأخيرة، ومؤيدي رئيس الوزراء السابق داوود أوغلو والذي تمتع بثقل ملحوظ داخل أروقة العدالة والتنمية، فضلا عن استبعاد المشتبه في ولائهم لحركة “الخدمة” التابعة لكولن، والأخير هو الخصم الذي يلقي أردوغان على كاهله أغلب الفعاليات المعارضة، وكان أخرها محاولة الانقلاب العسكري في عام 2016.

  • السيطرة على الإعلام التركي

لم يغفل أردوغان فرض سيطرته على أغلب وسائل الإعلام التركية، نظرا لما لها من تأثير جم على توجهات الرأي العام التركي، وتمتد حاليا الشركات الإعلامية الموالية لأردوغان للسيطرة على حوالي 90% من وسائل الإعلام التركية، وكان أخر صفقات الاستحواذ قد نفذتها شركة “دميرين أوران” القابضة وهي  قريبة من توجهات أردوغان، واستهدفت الصفقة الاستحواذ على مجموعة دوغان ميديا الإعلامية، والأخيرة عُرفت بتوجهاتها المعارضة لسياسات أردوغان وتعد من أكبر المؤسسات الإعلامية المعارضة.

والجدير بالذكر أن منهج الاستحواذ الأردوغاني على الإعلام قد ظهر بشكل جلي في الاستفتاء الأخير، إذا لم يحظ حزب الشعب الكردي بأي تغطية إعلامية في مقابل استحواذ حزب العدالة والتنمية لما يقارب 470 ساعة من البث التليفزيوني بحسب أحد الدراسات الإعلامية التي نشرت نتائجها على موقع دويتشه فيليه الألماني في أبريل 2017.

  • تعديل قانون الانتخابات

عمدت كتلة الأغلبية في  البرلمان التركي إلى إجراء تعديلات على قانون الانتخابات خلال شهر مارس الماضي، أي قبيل شهرا واحدا على إعلان تبكير موعد الانتخابات، وتم إقرار القانون في جلسة برلمانية شهدت اشتباكات بالأيدي بين أعضاء الموالاة والمعارضة، واعتبرت المعارضة هذه التعديلات تكريسا لسلطوية انتخابية جديدة، إذا أقر القانون الجديد قبول أوراق التصويت دون التقيد بالختم الرسمي على هذه الأوراق، كما عدل من ألية اختيار رئيس مجلس مراقبة الانتخابات في المناطق، فبعد أن كان يتم اختياره بالانتخاب من قبل مجلس يمثل كافة الأحزاب السياسي، اشترط القانون الجديد أن يكون لرئيس المجلس عمل حكومي سواء في السابق أو الحاضر، وهو التعديل الذي تعتبره المعارضة يفتح بابا واسعا أمام التحكم في نتائج الانتخابات ونزاهة العملية الانتخابية برمتها.

  • حصار المعارضة

منحت محاولة الانقلاب العسكري في عام 2016 والحرب التركية في سوريا لأردوغان الذراع اللازمة لتنفيذ بعض إجراءات التضييق على الأحزاب المعارضة له، ويتم تطبيق قانون الطوارئ في تركيا منذ محاولة الإنقلاب، وهو القانون الذي يحذف الكثير من القيود القانونية على التعامل الأمني مع المواطنين، وهو ما استثمره أردوغان بشكل يصب في صالحه، وجرى اعتقال زعيم حزب الشعوب الكردي في نوفمبر 2016، واتهامه بالاتصال مع حزب العمال الكردستاني، وكان حزب الشعوب قد حقق صعودا ملحوظا كما سبق الإشارة.

ومن ناحية أخرى استطاع أردوغان توجيه ضربة قاصمة لحزبا أخر وهو حزب “الحركة القومية” وذلك من خلال نجاحه في استمالة جزءا من قيادات الحزب في التعديلات الدستورية، ما دفع الحزب نحو انشقاق كبير تم تنظيمه من قبل مناوئي التعديلات الدستورية، وعلى رأسهم السيدة ميرال إكسينر، وهي حاليا المنافسة اليمينية الأبرز لأردوغان بحسب تقديرات الخبراء.

وبعد أن تناولنا الدوافع والخطوات المُحيطة بتبكير موعد الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية؛ يمكن القول أن هذه الإنتخابات قد جاءت لتترك تحديا واضحا أمام مستقبل النظام السياسي التركي، وعلى الأخص قدرته على تمثيل التوجهات والتيارات المختلفة في تركيا، ويبدو أن مستقبل هذا النظام لم يضع اعتبارات كبيرة لمسألة الديمقراطية، خاصة مع التخلي التركي عن هدف الانضمام للاتحاد الأوروبي، وتقاربه مع التوجهات الروسية في الإقليم، بالتزامن مع تراجع مرتبة الدمقرطة على الأجندة الغربية، وأصبح أردوغان قاب قوسين أو أدني من إطالة أمد حُكمه لتركيا حتى عام 2028 من الناحية النظرية، واستخدم أردوغان الإجراءات الديمقراطية في خدمة تقويض التداول السلمي للسلطة، ما يسجل تراجعا جديدا في حالة الديمقراطية بين دول الشرق الأوسط.

“الذئاب المنفردة” و تركيا .. إلي أين؟

استعراضات القوة في شرق المتوسط.. هل يسعى الناتو لاستبدال تركيا بمصر؟

الدور التركي في أفريقيا.. اقتصاد يحرك السياسة

العلاقات التركية السعودية.. من أين إلى أين؟

الفورين بوليسي: وداعًا تركيا (1921-2017)

إغلاق