بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتقديرات

سماء سوريا ما بعد داعش.. ماذا بعد فقدان إسرائيل للردع الجوي؟

الوسوم

ملخص تنفيذي

منذ بداية العام الجاري، تتراوح بوصلة إسرائيل العسكرية بين احتمالين بحكم الواقع: الذهاب إلى حرب مفتوحة على جبهات مختلفة لا يمكن خوضها دون قيادة واشنطن غير الراغبة في مزيد من التورط العسكري في المنطقة خاصة في سوريا، والاستمرار في استراتيجية مجابهة توسع المخاطر عن طريق سلاح الجو بضربات متنوعة في العمق السوري والحدود بين سوريا ولبنان، وهو الاحتمال الأكثر واقعية من حيث القدرة والسقف العسكري والسياسي المنوط بسياسات الداخل والخارج بالنسبة لتل أبيب، لكن ما طرأ من متغيرات أخيرة على هذا الصعيد ينبأ بأن الحد الأدنى من خيارات إسرائيل العسكرية أصبح مشكوكا فيه، خاصة بعد إسقاط مقاتلة إسرائيلية فبراير الماضي، وبعد الغارة الثلاثية قبل أسبوعين، التي لم تكفل لإسرائيل غطاء سياسي أو عسكري لعملياتها الجوية المستقبلية في سوريا ولبنان.

مقدمة

تعتمد إسرائيل في حروبها على سلاح الجو كعمود فقري لتفوقها العسكري، الذي لا يقل تسليحاً ولا تقنية عن نظيره الأمريكي، بل وتعده القوات الجوية الأميركية كرافد لقواتها حول العالم وليس فقط من موقع التحالف ووحدة المصالح وتقاسم التكنولوجيا، بل في إطار الهيمنة الجوية العالمية التي نتجت عن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وفترة الحرب الباردة، فضمنت واشنطن لتل أبيب تفوقها العسكري والجوي تحديداً على أي من دول المنطقة بمن فيهم الحليفة لواشنطن، في ارتباط عضوي جعل على سبيل المثال لا الحصر أن تكون تل أبيب شريك في صنع طائرة إف 35 الأمريكية، التي بدأ توريدها لإسرائيل منذ العام الماضي، وتعد من طائرات الجيل الخامس وتشاركها واشنطن مع سيول وتل أبيب وكانبرا، لدواعي الهيمنة الجوية في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا والمحيط الهادي.

ضمن هذا الإطار، آتى التدخل الروسي في سوريا 2015 كمزلزل لهذه البديهية التي رُسخت في الشرق الأوسط عشية حرب أكتوبر، الذي ضمن نتائجه المتشعبة الكثيرة فقدان تل أبيب لحريتها في مسألة الردع الجوي في سوريا ولبنان، والعمل في سماء البلدين دون رادع كالمعتاد؛ فبعد جولات مستمرة حتى كتابة هذه السطور سعت فيها تل أبيب لدى موسكو لضمان هامش جوي يسمح بتحقيق الحد الأدنى من الردع، خاصة فيما يتعلق بحركة الأسلحة والأفراد بين سوريا ولبنان، وتطور الأمر بعد هزيمة داعش إلى مخاطر وجودية بالنسبة لتل أبيب خاصة فيما يتعلق بوحدة مكونات محور المقاومة جغرافياً ولوجستياً إلى دواعي لم تجد إسرائيل تصريفاً لها لدى روسيا، فشرعت منذ أواخر العام الماضي لخلق هذا الهامش على رجاء تغير الوضع الإقليمي والدولي فيما يخص سوريا لصالح انتزاعها “حق” العمل في سماء سوريا تحت ادعاءات “دفاعية”، ما حدث بشكل تصاعدي محسوس كانت ذروته حتى الأن إسقاط طائرة إف 16 فبراير الماضي، وغارة على مطار التيفور السوري أواخر الشهر الماضي، وأخيراً إخراج الغارة الثلاثية التي شنتها واشنطن ولندن وباريس على عدة مواقع في سوريا.

وعلى الرغم من أن هذه الغارة الثلاثية تبدو ظاهرياً في مصلحة تل أبيب، إلا أن الأخيرة أبدت مخاوف تصل إلى حد الفزع من تداعيات هذه الغارة وطريقة إخراجها عسكرياً وسياسياً، ليس فقط من زاوية أن إسرائيل في وجه مدفع رد الفعل السوري/ الإيراني، ولكن لاحتمالية أن تكون هذه الغارة نقطة تحول في مبدأ الردع الجوي الذي تستند إليه إسرائيل في نشاطاتها العسكرية منذ نشأتها وفي كل حروبها، واحتمالية انتهاء هذا الردع بتزويد موسكو لحلفائها بمنظومات دفاع جوي متطورة مثل إس 300 وإس 400 وغيرها، التي تغطي حال تواجدها في سوريا بتشغيل حلفاء موسكو كافة مسارح العمليات الممكنة لسلاح الجو الإسرائيلي. وهذا الأمر لا يعني فقط فقدان ميزة التفوق الجوي الإسرائيلي في وقت حساس وبالغ الخطورة بالنسبة لتل أبيب على مستويات متعددة بما فيها التهديدات الأمنية المحدقة بها من جهة سوريا ولبنان، ولكن يجعل الحرب الإسرائيلية القادمة سواء في لبنان أو سوريا أو حتى قطاع غزة دون مبدأ الردع الجوي والمبادرة بسلاح الطيران، وهو المبدأ الذي يشكل رأس الحربة في أي عمل عسكري إسرائيلي، وربما في الحرب الحديثة ككل.

في السطور التالية محاولة لفهم أفق وحدود قدرة إسرائيل في المستقبل القريب سواء في الحرب المفتوحة أو عبر عمليات قصف واشتباك محدودة، وذلك على ضوء تغيرات يتم تعريكها في الساحة السورية ومآلات اختلاف أولويات ومنهجية إسرائيل وحلفائها من الزاوية العسكرية.

إسرائيل ومتغيرات عسكرية لمرحلة ما بعد داعش:

“المنطقة تتغير ولكن ليس لصالحنا”. هكذا كان العنوان الأبرز لتقرير رئيس الموساد الذي يرى أنه على مستوى استراتيجي حقق خصوم إسرائيل نجاحات دفعت بأرفع جهة أمنية إسرائيلية لدق ناقوس الخطر ليس بخصوص أخطار على “الأمن القومي الإسرائيلي” ممثلة في حركات المقاومة في شمال وشرق وجنوب فلسطين المحتلة، ولكن بأن هذا الوجود وعلى مستوى المستقبل البعيد لن يكون مؤقتاً ولن يكون خيار القضاء عليه متاحاً، بل أن كل ما تملكه إسرائيل تجاهه بعد المتغيرات الأخيرة أن تقوم باحتوائه ومحاولات خفض معدلات الخطر لحد أدنى على إسرائيل أن تتعايش معه.

هذه المتغيرات الاستراتيجية بشكل عام يمكن تلخيصها في واقع جيوستراتيجي جديد ولوجيستي مفاده أن الطريق من طهران لبيروت مروراً ببغداد ودمشق صار معبداً أمام إيران وحلفائها وحركات المقاومة المختلفة، التي تجعل حزب الله بعبارة وردت في التقرير السنوي الخاص بالفرص والتهديدات قبل عامين “قوة في حجم دولة تهدد إسرائيل بشكل وجودي تخطى المعالجة الأمنية والعسكرية وإمكانية الردع المتبادل، وبالتالي فإن هذا الأمر على مقياس أعم يشكل كابوساً لدى صانعي ومتخذي ومقدري القرارات في الكيان الصهيوني.

ويدرك المسئولون الإسرائيليون أن الواقع الجديد أكبر من إمكانيات تل أبيب، فما بالك بتغييره، وأن الأمل شبه الوحيد هو أن تعمل واشنطن بشكل مباشر على تغيير هذا الواقع عبر مسارات متعددة ومتشابكة تقارب في معظمها فرض الأمر واقعياً بالتدخل العسكري المباشر، سواء تم ذلك عبر توفير الغطاء السياسي لإسرائيل لأن تتدخل في سوريا مباشرة عبر جيوب داخل الأراضي السورية المحاذية للحدود مع فلسطين المحتلة، أو تقطيع التواصل الجغرافي بين مكونات محور المقاومة من العراق إلى سوريا إلى لبنان، ما لم تنجح فيه حتى الأن المفاوضات أو التفاهمات بين تل أبيب والقوى المؤثرة في سوريا وعلى رأسها موسكو وواشنطن؛ فنتنياهو في زيارته الأخيرة لروسيا حمل على أجندة أولوياته محاولة إقناع الكرملين بصيغة توافقية“ تبعد إيران عن حدود إسرائيل، بحسب تعبير الأخير قبيل زيارته، الذي صرح في وقت سابق أن  “الاتفاق الأمريكي- الروسي هو فشل استراتيجي كبير جداً “ الذي أوجز في اجتماع مجلس الوزراء المصغر الأسبوع  قبل الماضي مخاوف دولة الاحتلال من واقع ميداني في طريقه للتبلور لواقع استراتيجي طويل المدى مفاده “داعش تخرج وإيران تدخل”، في إشارة إلى أن المحاور الاستراتيجية والمدن والمناطق الحدودية التي يهزم بها التنظيم الإرهابي وأخواته على يد محور المقاومة، تخرجها من سيطرة “الحزام الأمني” التي شكلته هذه التنظيمات على مدار السنوات الماضية، التي بدأت تل أبيب التعاطي معها على أنها واقع مستقبلي أساسه تكوين هذه التنظيمات لما يشبه جبهة دفاع أولية عن الكيان الصهيوني، تجلت بصورتها الصارخة في المناطق الغربية والجنوبية وعلى تخوم هضبة الجولان المحتلة، حيث تعاون وثيق وعضوي بين هذه التنظيمات وبين جيش الاحتلال، بما في ذلك الإمداد اللوجيستي والدعم المعيشي والصحي وعلاج مصابي الجماعات الإرهابية في مستشفيات إسرائيل، وصولاً إلى تنسيق أمني واستخباراتي جرت مفاعيله أكثر من مرة على مدار سنوات الأزمة في سوريا.

وفي السياق السابق، يقول جاي ياخور، الباحث والمحاضر بمركز هرتسليا متعدد المجالات الذي ينظم مؤتمر “هرتسليا الاستراتيجي السنوي”، أن “تل أبيب بنت سياستها تجاه سوريا على فرضية أن الأسد لن يتمكن من عبور هذه الأزمة، وأن سقوطه سيؤدي لإضعاف محور إيران وحزب الله، ما لم يحدث حتى الأن، بل أن فرصة استمرار نظام الأسد صارت أقوى من قبل، لتوفر دعم إقليمي من حلفاءه في لبنان وإيران، وكذلك تغير موقف الدول الأوربية اتجاهه بسبب تبينها خطر التنظيمات المتطرفة مثل داعش والنُصرة عليها، وأخيراً بسبب التغيرات التي حدثت في دول الثورات العربية، حيث أصبحت الجماهير والحكومات أقل حماساً من حدوث تغيير عنيف مثلما حدث في ليبيا، ولذلك فأن على تل أبيب أن تعمل في المستقبل القريب على إعادة تدوير المتغيرات وتوظيفها لمصلحتها بشكل مرحلي في إطار استراتيجية أمنية وسياسية أولوياتها كالتالي: منع وصول أسلحة متطورة إلى حزب الله عن طريق سوريا، تحديد أي من الفصائل المسلحة في سوريا ستتعامل معها إسرائيل وتوطد علاقتها وتدعمها طبقاً لموقفها منها كدولة واستغلال التحالف الدولي ضد داعش في تثبيت وضمان ذلك بالإضافة إلى ضمان أن لا تنقلب هذه الفصائل ضد إسرائيل بعد دعمها ومساعدتها كما حدث في حالة داعش مع داعميها في الخليج، وأخيراً إبعاد المعارك عن الشريط الحدودي قدر المستطاع والتمهيد لاتساع المنطقة العازلة بين سوريا وإسرائيل”.

الأمر المستجد برمته يختلف عن ما اعتادت عليه إسرائيل في حروبها الأخيرة، من أن نقطة تفوق المقاومة المتمثلة في عمليات القصف بالصورايخ المختلفة من حيث الكم والكيف والكفاءة، يمكن معالجتها بإجراءات مضادة مثل القبة الحديدية وأخواتها، أو استهداف مرابض الصواريخ وإعاقة خطها اللوجيستي، ولكن ماذا عن إمكانية التدخل البري والسيطرة على أراضي ومواقع جغرافية ومدن بكاملها داخل فلسطين المحتلة، ليس كمغامرة انتحارية، ولكن استناداً على خط تمويل وإمداد لوجيستي مساحته الجغرافية ممتدة من الجبهة في شمال فلسطين أو هضبة الجولان المحتلة وحتى الأراضي الإيرانية، مروراً بلبنان وسوريا والعراق، وهو الأمر الذي تفوق خطورته بكلمات رئيس الموساد الإسرائيلي يوسي كوهين ونائب رئيس الأركان السابق ومسئول تطوير العقيدة الأمنية الحالي يائير جولان، مكتسبات التحالف مع دول عربية على أرضية العدو المشترك المتمثل في المقاومة، وكذلك عجز إسرائيل العسكري بدون واشنطن عن كبح خطورته وتحييده، بسبب أنه لم يصبح خطر محلي في بقعة جغرافية محددة، ولكن امتداداته تشمل اتساع جغرافي ولوجيستي على طول المنطقة. أي باختصار مُخل: أصبحت المقاومة الأن تمتلك ما هو أكثر من معادلة ردع تجاه العدو الصهيوني وحلفائه، فبشكل استراتيجي تمتلك المقاومة الأن ما يمكنها من الانتقال إلى المرحلة الثالثة في استراتيجية التحرير؛ الهجوم والمبادأة والمبادرة، فما معنى أن “تصرح” إسرائيل على خجل بأن 2018 لن يشهد أي نشاط عسكري لجيش الاحتلال، وذلك بموازاة خطاب للدوائر العسكرية والأمنية يضع صانع القرار والرأي العام في الكيان الصهيوني أمام أمر واقع من حيث إمكانيات “العدو” الاستراتيجية الجديدة.

شكوك حول الردع الجوي الإسرائيلي:

رأى عسكريون وأمنيون إسرائيليون أن تحالف تل أبيب الحالي مع عواصم عربية لا يكافئها؛ حيث أنه من المفترض أن هذه العواصم العربية ستوفر لها غطاء سياسي وإعلامي ودعم بمختلف الأشكال في حربه القادمة، الأمر الذي يرى هؤلاء العسكريين أنه غير كافي، وأن المطلوب مراجعة جذرية لعقيدة إسرائيل العسكرية والأمنية واستراتيجيات “دفاعية” جديدة وكذلك تكتيكات عسكرية يراها خبراء ومسئولون عسكريون إسرائيليون غير ممكنة دون قيادة الولايات المتحدة بنفسها لهذه الحرب، على غرار عمليات واشنطن العسكرية في المنطقة منذ 1990 حتى احتلال العراق، ولا يكفي معها الدعم غير المشروط التقليدي الذي توفره واشنطن لتل أبيب، ولا حتى عملية قصف استراتيجي مثل التي قادتها واشنطن في سوريا والعراق تحت مسمى محاربة داعش، التي لم تثمر عن إنجاز سوى موطئ قدم، أمام تجذير المقاومة ومحورها لتواجد استراتيجي أسفر عن تفكيك دولة داعش.

حول هذه المعضلة، يقول يائير جولان، الجنرال الإسرائيلي الذي ترك منصبه السابق في هيئة الأركان الإسرائيلية العام الماضي، لتكليف جديد في وزارة الأمن، يضطلع بمهمة حساسة وهامة للغاية هي تطوير العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وهي المحرك الأساسي لتوجهات إسرائيل العسكرية والأمنية والسياسية منذ نشأتها، التي لم يجري تطويرها بشكل موسع منذ أن صاغها مؤسسو الكيان من عهد بن جوريون، الأمر الذي ألح في صوغها بناء على معطيات جديدة فرضها العقد الأخير منذ حرب تموز 2006، ومتغيرات ما بعد 2011 حتى داعش وما بعد داعش، التي تبدل فيها الخطر الأكبر على إسرائيل من وجود بيئة معادية من جيرانها العرب، إلى تحييد هؤلاء الجيران بشتى الطرق منذ 1979 مروراً بأوسلو ووادي عربة، وصولاً للمبادرة العربية للسلام والتحالف بين تل أبيب وعواصم عربية مهمة مثل الرياض وأبو ظبي، ما لم ينه فرص متنامية تهدد استمرار وجود إسرائيل، الممثلة في محور المقاومة، الذي انتقل من مقاومة مدعومة تدافع إلى مقاومة تؤسس لواقع استراتيجي يردع ويوازن القوة الإسرائيلية في مرحلة يعتبرها الكثيرون سابقة لمرحلة بداية المبادرة والمبادأة، بواقع بديهية الدفاع ثم التوازن ثم الهجوم.

وبناء على السابق، يجد صناع القرار في إسرائيل أنه حتى عملية عسكرية موسعة بغطاء إقليمي في سوريا ليست معضلتها هذا الغطاء السياسي والإعلامي من دول عربية “حليفة”، بل يقف عند محددات عسكرية بالدرجة الأولى تمتاز بالتغير على مدار زمني قصير، وبالتالي يتبقى اختيار الانضواء تحت عملية عسكرية بقيادة واشنطن تكملة لعمليات القصف الجوي في سوريا والعراق ببنك أهداف جديد يتساوى فيه داعش بالمقاومة حسب رؤيتهم وأمانيهم وتماشياً مع خطاب سياسي يجمع بين تل أبيب وعواصم عربية حليفة، لكن حتى هذا الخيار الذي يتم الدفع به خلال العاميين الماضيين، لم يلق تأييداً مطلقاً لدى واشنطن، وإن حدث فيحدث بشكل محدود وبتنسيق وإخراج متواضع بجانب الأهداف والأمنيات الإسرائيلية التي تشكل أولوية عاجلة بالنسبة لصناع القرار هناك.    

أحدث وأوضح مثال على ذلك كانت الغارة الثلاثية التي شنتها واشنطن وباريس ولندن الشهر الجاري على سوريا، التي أتت دون توقعات تل أبيب، وأتى إخراجها السياسي والعسكري ليقلص حدود تدخل إسرائيل أكثر سواء بسبب كونها لم تأت كتكملة لغارة “التي فور” الإسرائيلية وغطاء لها- مثلما حدث مع مصر 1956 عندما بدأت إسرائيل العدوان وتبعتها فرنسا وإنجلترا- وهو ما تمنته تل أبيب وتنادي به حلفائها، أو حتى كبداية لميل كفة واشنطن وحلفائها فيما يتعلق بسوريا للدرجة التي تجعل الضربات الجوية المحدودة وربما عمليات برية خاصة– جبهة الجنوب السوري تحديداً- أمر اعتيادي بعد القفز على الخطوط الحمراء الروسية والإيرانية استقواءً بواشنطن.

والأمر الأخر الذي يشكل جوهر القلق الإسرائيلي في سياق التدخل العسكري المباشر في سوريا، هو أن بعد الغارة الثلاثية هذه وإخراجها بهذه الطريقة التي هي أبعد ما يكون عن بداية حرب أو حتى قصف استراتيجي متواصل، أصبح احتمال تزويد موسكو لدمشق بمنظومات دفاع جوي متطورة مثل إس 300 قيد النظر وممكن تحققه، ما يعني أن أي عمل عن طريق الجو من جانب تل أبيب سيصبح دون عامل الأمان المُطلق، وهي حالة مختلفة حتى عن حادثة إسقاط طائرة إف16 إسرائيلية– فبراير الماضي- التي أسقطت بمنظومات دفاع جوي سوفيتية عتيقة، فما الحال أمام أفضل منظومة دفاع جوي في العالم تحرم إسرائيل للمرة الأولى في تاريخها العسكري من ميزة التفوق الجوي المطلق، وهي الميزة التي تشكل العمود الفقري لتفوق إسرائيل العسكري، التي بحرمانها منها في أكتوبر 1973 على سبيل المثال حرمها من ميزتا المبادرة والمبادأة وكذلك استخدام سلاح الجو في هجوم مضاد.

يصوغ المحلل العسكري في القناة الثانية الإسرائيلية، روني دانييل، في مداخلة له بالقول “في حرب يوم الغفران  (أكتوبر 1973) لم نتمكن من تفعيل الطيران لصد الهجوم البري في سيناء والجولان أو شن هجوم مضاد في العمق المصري أو السوري يجبرهما عن التراجع (..) نفعل هذا بشكل روتيني قبل 1973 وبعدها في لبنان وغزة وحتى سوريا أحياناً، الأن لا أعتقد أن سلاح الجو لدينا لديه النية لتسيير إف 35 (درة تاج سلاح الجو الإسرائيلي) داخل الأجواء السورية حاليا وبالطبع مستقبلاً إذا ما أصبح لدى إيران وحلفائها قدرة دفاع جوي مثل إس 300 أو إس 400، وبدون غطاء عملياتي أمريكي فنحن وحدنا وهذه معضلة سياسية عسكرية”.

في نفس السياق ينقل موقع “ذي ماركر” إجابة مسئول عسكري رفيع المستوى في سلاح الجو الإسرائيلي عن سؤال حول مدى فاعلية الطيران في أي اشتباك عسكري محتمل بالقول “لا يزال لدينا اليد الطولى في سماء حدودنا والدول المجاورة (سوريا ولبنان) وقدرتنا على إيصال رسائل موجعة وضربات تعطل تكتيكات الخصوم لم تتأثر على مستوى العمليات الدقيقة التي نشنها في الشرق أو الشمال، لكن ما تسأل عنه بخصوص تحديات مثل إس 300 فهو أمر نستعد له جيداً وليس عامل رادع في عملياتنا الجوية الممكنة حتى دون اختراق الأجواء المعادية”.

عن هذه “الأجواء المعادية” ينوه تقرير “ذي ماركر” بأن عقيدة سلاح الجو الإسرائيلي تنظر ومنذ سنوات طويلة إلى الأجواء السورية واللبنانية كمنطقة عمليات واحدة في أي نشاط عسكري، وتحديداً من زاوية ارتفاع احتمالية امتلاك الخصم (المقاومة في لبنان والجيش السوري) منظومات دفاع جوي تقدر على كبح حرية الطيران الإسرائيلي، وهذا الأمر يعطي تلميحاً أن تل أبيب بشكل عام ترى تهديد وصول منظومات دفاع جوي متقدمة لدمشق أو لحزب الله، ستجعل أي عملية جوية سواء كانت محدودة أو موسعة في لبنان أو سوريا لن يكون الرد عليه أو التصدي له بمنظومات الدفاع الجوي محصور بالحيز الجغرافي الذي جرت فيه العملية الجوية؛ أي يمكن أن يتم الرد من الأراضي السورية على الطيران الإسرائيلي المُغير على الأراضي اللبنانية.

ختام واستشراف

يعترف صانعو القرار في إسرائيل بصعوبة بل واستحالة تكرار نموذج الحرب التقليدي بشروطها من حيث المبادرة والتوقيت وميدان المعركة والسقف المكاني والزمني لها، بل ويرى بعض من هؤلاء العسكريين والأمنيين أن العقيدة الأمنية الحالية لإسرائيل لا تجابه المخاطر التي تهددها، التي لأول مرة تصل إلى حد التهديد الوجودي، وبالتالي فإن قدرات المقاومة التقليدية التي كانت تخشى منها إسرائيل، مثل ترسانة الصواريخ، ليس فقط تم تطويرها كسلاح ردع على مدار السنوات الماضية يمكن معادلته بتفوق إسرائيل الكاسح في قواتها الجوية، بل أن هذه القوة الكاسحة أضحت وفق تطورات سياسية/عسكرية مقيدة بسقف للتدخل تم تخفيضه بشكل متواصل منذ التدخل الروسي في سوريا 2015، وهو السقف الذي كان لا حدود له من حيث حرية عمل الطيران الإسرائيلي في أجواء لبنان وسوريا حتى الأعوام الثلاثة الماضية.

وبالإضافة للسابق، فإن هذه التطورات المتشابكة خلقت إمكانية وصول منظومات دفاع جوي متطورة في يد خصوم تل أبيب، ما يعني معادلة التفوق الجوي الإسرائيلي لأول مرة في حروبها التي تلت حرب أكتوبر 1973، وهذا على المستوى العسكري يعني أن على قادة تل أبيب العسكريين البحث عن استراتيجية جديدة لسلاحها الجوي من حيث التشغيل والكفاءة العملياتية في سماء معادية، اعتادها الطيارون الإسرائيليون في حتى سنوات قليلة مضت سماء محايدة من حيث تهديدات الدفاع الجوي، وهنا يتحول الأمر في ضوء المتغيرات الأخيرة من ردع متبادل- قصف جوي بالطيران يقابله قصف صاروخي- إلى مكافئة ومعادلة قدرات إسرائيل الجوية وبقاء تهديد صواريخ المقاومة، التي على الجهة الأخرى لا تزال منظومات الدفاع الصاروخي الإسرائيلية–مثل القبة الحديدية- لا تكافئها في حالة الحرب المفتوحة والقصف المكثف.

هنا نجد أن تل أبيب أمامها ثلاث سيناريوهات لمعادلة هذا الخلل في عقيدتها واستراتيجيتها العسكرية عموماً، القائمة على الردع الجوي والضربات الاستباقية، وفيما يتعلق بسوريا على وجه التحديد التي باتت تل أبيب مقيدة في العمل بحرية في سمائها كما كان الحال في الماضي القريب:

الأول: هو الانضواء تحت حملة قصف تقودها واشنطن، وهذا الأمر تم تجريبه منذ بداية الحملة الأمريكية ضد داعش وحتى الغارة الثلاثية، التي لم تكن وفق أجندة إسرائيل العاجلة فيما يخص سوريا، بل ونرى أن واشنطن في إجرائها الأخير مع كل من لندن وباريس لم يضعو في الاعتبار أولويات حليفتهم المُلحة، بل جاء إخراج الضربة الثلاثية وكأنه تأديب إعلامي أكثر من كونه عمل عسكري يفضي إلى تغيير موازيين القوى الدولية والإقليمية في سوريا، ومن ثم تستطيع إسرائيل توظيفه لصالحها.

الثاني: هو انتزاع شرعية دولية/ إقليمية لعمليات عسكرية وجوية في سوريا وتحديداً على جبهة الجولان وفي الجنوب السوري، وفي هذا الأمر يرسم الفاعلون الدوليون فيما يخص الأزمة السورية خطوط لمثل هكذا إجراءات منفردة من دول حليفة، وأبرز مثال على هذا الخلاف بين واشنطن وأنقرة حول ما تريده الأخيرة من هامش عمليات عسكرية في شمال سوريا، وهما الدولتان الحليفتان أعضاء حلف الناتو، الذي شرعت فيه تركيا فقط بضوء أخضر روسي، وهو الأمر الذي لا يتوفر لدى إسرائيل سواء من موسكو أو واشنطن؛ فسقوط بروتوكولات الاشتباك الجوي مع الأولى واختلاف الأولويات والتوقيت مع الثانية يجعل احتمالية انتزاع شرعية لعمليات عسكرية إسرائيلية في سوريا ضئيل حتى وإن استندت فيه تل أبيب لغطاء إقليمي من حلفاءها في المنطقة بمن فيهم دول عربية.

الثالث: وهو الأقرب لما قد يحدث في المستقبل القريب، وهو الاستمرار في تكتيك الغارات الجوية دون الدخول إلى العمق السوري، وهو ما حدث في غارة مطار التي فور، حيث حلقت طائرات إف 15 في أجواء إسرائيل وأطلقت صواريخها بعيدة المدى ولم تدخل الأجواء السورية تجنباً لاشتباك مع المضادات الأرضية السورية. ولكن حتى هذا التكتيك يصبح مشكوك في استمراره حال تطور هذه المضادات الأرضية لمستوى منظومة إس 300، سواء بتزويد موسكو لدمشق بها، أو مد مظلة عمل منظومات دفاع جوي الموجودة في سوريا بمعية القوات الروسية لتشمل ما هو أبعد من حماية أماكن تمركز هذه القوات، وهذا يعني بشكل مباشر أن سماء سوريا ككل ستصبح بشكل صريح خط أحمر للطيران الإسرائيلي.

ثروة لبنان النفطية.. بين فرص النمو والمطامع الإسرائيلية

«الصهيونية الناعمة»..إسرائيل تتكلم العربية

دلالات السجن الاسرائيلي في الرواية الفلسطينية

إسرائيل من الهجوم إلى الدفاع.. مناورات تبرير العجز

إغلاق