بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

مقالات

الأمن القومي المصري.. بين الشرق والجنوب

الوسوم

سيطر على العقل الأمني المصري منذ حرب 1948 تقريبا نظرية أمنية مفادها أن الأخطار على مصر عادة ما تأتي من الشرق، وبُنيت هذه النظرية على مقولات بعض علماء الجغرافيا وكذلك الكثير من المؤرخين، ولفهم أحد النظريات عادة ما يتم النظر إلى السياق الذي صُنعت خلاله، ونحاول فيما يلي إعادة تقييم هذه المقولة الكلاسيكية في نظرية الأمن القومي المصري.

كانت الحروب المصرية- الإسرائيلية هي السياق المحيط بتكريس نظرة العقل الأمني المصري إلى الشرق كمصدر أبرز للتهديد، وتطرف البعض إلى القول إن أمان مصر مرتبط بشكل عضوي بالتفاعلات السياسية في الشرق، والشرق هنا يمتد من الأراضي الفلسطينية مرورا بسوريا ولبنان والعراق وحتى الجزيرة العربية واليمن.

وروج الكثيرون إلى أن ازدهار مصر ارتبط تاريخيا بتمتعها بعلاقات جيدة ومتينة مع هذه الأطراف، وكان هذا من أبرز مسوغات المحاولة المصرية في الاتحاد مع دولة سوريا في خمسينيات القرن الماضي، ودعم المؤرخون هذه المقولة بالحديث عن تاريخية التهديد الشرقي لمصر، بدءا من معارك الدولة المصرية القديمة مع قبائل الشرق، مرورا بالمغول والفرس والأتراك و نهاية بإسرائيل، إلا إننا ندّعي في هذا المقال أن هناك ثمة مراجعة واجبة لهذه المقولات.

ننطلق في هذا الادعاء من بعض النقاط الرئيسية، أولها أن حالة التركيز الأمني في مصر على جهة الشرق كلفت الدولة المصرية الكثير من الأعباء والخسائر، وكان أبرزها، الاضطرار لخوض حروبا عدة في هذه المناطق، منها الحروب مع إسرائيل و الحرب في اليمن، وهي الحروب التي لم تساهم في تعضيد وضع مصر الاقتصادي بأي حال، ولم تفضى هذه الحروب إلى مكتسبات مصرية جديدة، وعلى العكس كانت الهزائم المتوالية هي السمة الأبرز في حال استثنينا حرب 1973.

أما ثاني النقاط  فتتمثل في أن حالة التركيز المصري على الشرق ابتعدت بمصر عن التهديدات الجنوبية، ومن الناحية الجغرافية يعد الجنوب من أهم الامتدادات الاستراتيجية لمصر، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، ونستند في هذا الادعاء على الاعتماد المصري على مورد مياه النيل كمصدر للحياة، وارتباط النشاط الإنساني المصري بمياه النيل منذ وقت تأسيس الدولة المصرية القديمة، واستمر هذا حتى يومنا، ونجد أن السواد الأعظم من المصريين لازال يقطن على ضفتي النهر، بينما تمتد الصحراء في الشرق والغرب، وينخفض دورها التنموي عند حدود التأمين، ولا تساهم بأي حال في أنشطة التنمية في مصر.

وحتى من الناحية التاريخية، نجد أن ازدهار الدولة المصرية في عصر الدولة القديمة والدولة الحديثة (محمد علي وأبناؤه) ارتبط بسيطرة مصر على منابع النيل في الجنوب، ما أتاح لمصر الشروع في عملية تنموية واسعة قادت مصر نحو الهيمنة الإقليمية، وهي مرات استثنائية في التاريخ المصري.

بينما ارتبط تراجع المشروع الحضاري لمصر بخساراتها المتلاحقة في الجنوب منذ إعلان انفصال مصر عن السودان، ثم انفصال جنوب السودان عن السودان، ومع الانكفاء المصري عن أفريقيا في أعقاب حادث أديس أبابا الشهير كانت مصر فقدت عمليا امتدادها الاستراتيجي الجنوبي، وهو الانكفاء الذي ندفع ثمنه اليوم، وستدفع ثمنه بشكل فادح الأجيال القادمة بعد وصول مصر إلى حد الفقر المائي، ولا نجد تهديدا للأمن القومي المصري أعظم من هذا، وبينما تستطيع القوات المسلحة المصرية التصدي للتهديدات الإرهابية، فإن حد الفقر المائي لن يكون سهل المنال بأي حال.

كما نزعم أن التهديدات لمصر من جهة الشرق أصبحت رهينة للعلاقات المصرية- الإسرائيلية، ما يجعل هذا التهديد يسير الإدارة إلى حد كبير، في ظل انتفاء الرغبة الإسرائيلية في استعداء الطرف المصري بشكل مباشر، ويعد من المستبعد أن تقوم أحد الدول الشرقية بمهاجمة مصر من جهة الشرق في ظل تواجد دولة إسرائيل، ولا نعني هنا أن إسرائيل ليست خصما لمصر، لكننا ندّعي أن المتغيرات الإقليمية في الشرق قد قللت بشكل كبير من أثر التهديدات الأمنية الدولية لمصر من جهة الشرق.

وقد يجادل البعض بتواجد الجماعات الإرهابية في سيناء كأحد حجج استمرار التهديد الشرقي لمصر، إلا أن هذا مردودا عليه بالرجوع إلى مصادر ظهور هذه الجماعات، فهذه الجماعات لم تولد في سيناء لكنها انتقلت إليها من عدة مناطق أخرى، لم يكن الجنوب بعيدا عنها.

وأخيرا لا نحاول في هذا المقال القول إن ليس هناك أهمية استراتيجية للشرق بالنسبة للأمن القومي المصري، فقطعا يمثل الشرق أحد مصادر التهديد على الأمن المصري، شأنه في ذلك شأن كافة الاتجاهات الجغرافية سواء غربا في ظل الأوضاع الأمنية المتردية في ليبيا، أو حتى في الشمال الذي باتت مصر تتمتع بمصالح استراتيجية فيه مع اكتشافات الغاز الأخيرة، إلا أننا نزعم بأن الأولوية الأمنية لمصر من الناحية الاستراتيجية والجغرافية هي جهة الجنوب، ولا يمكن الحديث عن ازدهار مصر وتطورها دون تأمين المصالح المصرية في منابع النيل، وندعو الخبراء الأمنيين في مصر إلى إعادة الاعتبار الى الجنوب في نظرية الأمن القومي المصري، خاصة وأن هذه النظرية قد بُنيت واكتسبت رواجها في سياقات إقليمية ودولية مغايرة إلى حد كبير واقعنا الراهن.

 

إغلاق